من مذكرات متصرف كربلاء سنة 1922

Sunday 26th of September 2021 11:57:44 PM ,
5032 (ذاكرة عراقية) (نسخة الكترونية)
ذاكرة عراقية ,

عبد العزيز القصاب

صدر أمر نقلي إلى كربلاء في 30 كانون الثاني 1922 والالتحاق بوظيفتي الجديدة متصرفا للواء كربلاء بسرعة. وعلمت في بغداد ان سبب الاهتمام والاستعجال هو الخلاف بين الملك فيصل ودار الاعتماد، فجلالته لم يكن راغباً في استمرار المتصرف السابق، عبد الحميد اسد خان، في وظيفته لعلاقته الوثيقة بدار الاعتماد، وعين حديثاً الحاج سليم، قائم مقام الكاظمية، متصرفا عوضا عنه.

 وما إن وصل الحاج سليم الى كربلاء حتى اوعزت دار الاعتماد الى (المستر موكي) معاون مستشار الداخلية لارجاعه حالا وفي اليوم نفسه، متحدية بذلك الملك فيصل ووزير داخليته. وقد ادت لهذه الحكاية الى توتر شديد بين البلاط ودار الاعتماد، واستشار الطرفان رئيس الوزراء للفصل بينهما. اشار النقيب بان لا يبقى اسد خان في وظيفته ولا ان يرجع الحاج سليم الى كربلاء، ورشحني للمنصب تفاديا للمشاكل. فوافق الطرفان وتقرر ارسالي بسرعة قبل ان ينتشر خبر الخلاف بين الناس.

قبلت بالامر الواقع وسافرت الى كربلاء، وكان في استقبالي هناك سادة اللواء واشرافه ورؤساء القبائل المعارضة لعبد الحميد خان، وباشرت عملي في 16 شباط 1922.

حكاية إبنة المومن

كانت قضية ابنة المومن اول قضية عرضت علي في كربلاء، أدت الى عداء واضح بين الموظفين وبعض الكربلائيين (الموامنة) والسادة، ومنع الموظفين من دخول العتبات المقدسة لاداء الزيارة.

وبعد التحقيق عن اسباب ذلك، علمت ان أحد الموامنة زعم وأذاع في صحن سيدنا الحسين، عليه السلام، بان ابن مأمور البرق والبريد، عطا افندي، ومعه اولاد موظفين اخرين قد تحايلوا على ابنته البريئة واغتصبوها، وتجمع الناس نتيجة لذلك في الصحن وقرروا الهجوم على الموظفين، وقد منعهم من ذلك المتصرف السابق، عبد الحميد خان، في اواخر ايامه. وعلى اثر ذلك انزوى الموظفون في دورهم تحسبا لاعتداء الموامنة والاهالي عليهم. وقد اسر عبد الحميد الي بهذه القصة متأثرا وطلب مني معالجتها بسرعة قبل ان يتوسع الخلاف.

أستشرت من يوثق بهم فقالوا ان الحكاية مختلفة وليس لها نصيب من الصحة، فان إبن عطا افندي هو صبي صغير لا يتجاوز عمره العشر سنوات، وقد أجريت له عملية الختان قبل شهرين من الحادث المزعوم، وان القصد من الحكاية هو إثارة البلبلة والفوضى لأمر مدبر له علاقة بقضية الحاج سليم.

دعوت محمد علي كمونه والحاج رشيد جلبي الصافي والسيد محمد مهدي الطباطائي، وزير المعارف السابق، ليكونوا اعضاء في لجنة للتحقيق في هذه المشكلة، على ان يقوموا بعملهم بسرية تامة. وشعرت ان الصافي والطباطائي كانوا غير مصدقين الحكاية وسكتوا عنها تفاديا لتهريج المغرضين القاصدين تعكير المياه. واوعزت الى الشرطة بجمع الوثائق عن المعتدى عليها: عمرها وجنسيتها ووالدها، ومعلومات مماثلة عن الصبي المتهم وتقديمها الى اللجنة. واوصيت باتأني في اعلان نتائج التحقيق حتى يتوافر لي وقت كاف للتعرف على علماء البلد واعيانهم، وكسب ثقتهم بحيادي، واعطائي فرصة للسيطرة على الامن في المدينة.

عاد عبد الحميد خان المتصرف السابق الى محل اقامته الدائم في التجف، واصبحت حكاية ابنة المومن حديث الناس، واشتد الجفاء والتوتر بين اطراف النزاع. وبعد ان شعرت بثقة الاهالي بي دعوت اللجنة للانعقاد، وابرزت لها التقارير والوثائق التي حصلنا عليها، واقترحت استدعاء الابنة للحضور امام اللجنة، واتفقنا على تكليف الحفار باشي الحاج عبد الله الكربلائي باحضارها والقيام بذلك بسرعة وامانة.

حضرت البنت ووالدها بعد نصف ساعة، واذا بها صغيرة العمر لا يتجاوز طولها ارتفاع المنضدة التي امامنا، وهي متسترة بعباءة بخجل. اخذنا نلاطفها ونبتسم لها ونمسح على رأسها، واعطيناها قليلا من الحلوى واضحكنا والدها، وبعد مغادرتها طلبت من اللجنة عرض الطفلة على الفحص الطبي من قبل قابلة امينة، وكلفنا الحفار عبد الله باستصحابها مع والدها، وقلنا اننا سنبقى مجتمعين حتى تأتينا بالتقرير الطبي، وجعلناه يقسم بالمحافظة على السر والصدق، كما طلبنا منه ان يطلب من القابلة ان تقسم على صحة تقريرها. رجع الينا الحفار باشي بعد ساعة ونصف، وبعد ان اقسم قال: ان القابلة قد كشفت على الطفلة بحضور والدتها وجدتها ووجدت انها لم تمس بسوء.

وهكذا مرت هذه المشكلة بسلام ولم يتم بحثها بعد ذلك.

تدخلات (مس بل)

اخبرني قائم مقام النجف، ليلة 26 حزيران 1922 عن مقتل الشرطي عبد الحسين من مراتب مخفر الدرعية ومحلة العمارات اثناء قيامه بواجبه في حراسة باب الدرعية. وطلب القائم مقام من متعهد الحراسة (كردي بن عطية ابو كلل) الالتزام بتعهده وتسليم المجرمين في ظرف عشرة ايام. واوقف المتعهد وحارس المحلة كاجراء احتياطي الى حين القبض على المجرمين، وامر بالقاء القبض على بعض الصبية المشاغبين المعروفين بسوء اخلاقهم، لمحاولتهم الهرب بعد وقوع الجريمة مما اثار الشكوك حولهم.

وفي اليوم التالي، جاء مفتش الشرطة (الكابتن روول) واطلق سراح الموقوفين من غير إخبار القائم مقام، وعندما علمت بهذا امرت باعادة المتهمين الى الموقف حالا، وارسلت حسام الدين جمعة، مدير الشرطة، الى النجف للمساعدة في التحقيق وطلبت من توفيق الخالدي، وزير الداخلية، منع المفتش الانكليزي من التدخل بالامور الادارية في اللواء لان في ذلك إساءة الى سمعة الحكومة وهيبتها وقد اثار تدخل المفتش امتعاض اهل النجف وعلمائها واستهجنوه وطالبوا القائم مقام بالالتزام بالعدالة وبما تقرره المحاكم، وطلبوا مني الذهاب الى النجف لاصلاح التصرفات الادارية الخاطئة فيها.

ومن النجف، اتصلت بوزارة الداخلية وبمفتشية الشرطة العامة في بغداد ولم اتلق جوابا فاضطررت الى السفر واتصلت بوزارة الداخلية وبمفتشية الشرطة التي كانت بعدة نوري السعيد. وطلبت اعفائي من متصرفية كربلاء ان لم يوافقوا على تبديل المفتش (الكابتن روول).

كان رجال الداخلية يؤملونني من غير نتيجة. وفي الوقت ذاته، اخبرني سكرتير الداخلية بان (المس بل تطلب حضوري الى دار الاعتماد، استقبلتني هناك وفاتحتني بما يلي حرفيا: “اراك تصر على تنحية الكابتن البريطاني في الحلة، فمن اين لك هذا الحق؟ ولماذا تتدخل في القضايا المتعلقة بالبريطانيين؟”. ما إن سمعت ذلك حتى صرخت بوجهها: “إني متصرف اللواء المسؤول عن شؤون ادارته العامة واهمها القضايا التي تمس الامن، واني لا اقبل منك هذا الكلام واحتج على تدخلك”، وخرجت من غرفتها غاضبا. لحقت بي الى الخارج وامسكت بسترتي وهي تقول: “العفو لا تزعل، وانا لا اقصد شيئا من هذا، ارجع لنتفاهم”. لم التفت لطلبها وتركت دار الاعتماد مسرعا الى وزارة الداخلية، وقدمت احتجاجي على هذا التدخل وطلبت قبول استقالتي ان لم ينقل (الكابتن روول) عقابا على عمله.

قام (كورنواليس) مستشار وزارة الداخلية واتصل بالمندوب السامي (برسي كوكس) تلفونيا واخبره بما جرى. وابدى المندوب السامي لي اسفه على ما حدث، وقال انه سيطلب (المس بل) لينبهها على خطئها. واتصل المندوب السامي مرة اخرى بوزير الداخلية واخبره ان (المس بل) مستعدة لتقديم الترضية والاعتذار من عبد العزيز القصاب، وما عليه إلا ان يعين المحل الذي يريده للقائها. اجبته: “اني لا اريد ان اراها ولا اريد اعتذارها” وان نقل الكابتن فقط سيكون كافيا لي.

رجعت الى كربلاء وجاءني (الكابتن روول) ومعه (الكابتن لودز) الذي كنت اعرفه من الكوت، واعترف الاول بخطئه وطلب المعذرة عما بدر منه. وهذا انتهت القضية، واستمرت الادارة بتحقيق العدالة بموجب القانون ومن غير تدخل خارجي.

عن (مذكرات القصاب)