كيف جرت الانتخابات النيابية الاخيرة في العهد الملكي؟

Sunday 3rd of October 2021 09:52:54 PM ,
5035 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

د. فاضل محمد رضا

في 14 شباط 1958 أُعلن عن اتفاق العراق والاردن على إقامة (الاتحاد العربي) برئاسة الملك فيصل الثاني, ونظرت الاوساط السياسية, والشعبية في العراق الى الاتحاد العربي بالمعارضة واللامبالاة، ولاسيّما انها تعلم ان هذا الاتحاد أملته المصالح الشخصية, والرغبة الاستعمارية، فأعلنت جبهة الاتحاد الوطني انها ستكافح أي مشروع تقوم به بريطانيا واعوانها لتوريط العراق في الاتحاد مع شرق الاردن تنفيذاً لمخططاتها المبيتة.

نتيجة لتوتر الوضع السياسي على اثر قيام الاتحاد بين العراق, والاردن, وما يحتاج إليه الوضع الجديد من تشريعات تدعم كيان الاتحاد, وترصين وحدته, والقضاء على المعارضة الشعبية التي بدأت بوادرها منذ اعلان الاتحاد، لتكون له القدرة على الوقوف بوجه التحَدّيات الخارجية التي تمثلت بقيام الجمهورية العربية المتحدة، وقد رأى البلاط أن هذا العمل يحتاج الى رجل قوي يقوم بأعباء المهام الجديدة، وبعد ان اعتذر عبد الوهاب مرجان من القيام بها وقدّم استقالته بتاريخ 2 أذار 1958. اسندت المهمة الى نوري السعيد في 3 أذار 1958، بعد ان اشترط عليه عبد الاله إدخال العناصر الموالية للبلاط في وزارته، وتحدث نوري السعيد عن إجراءات وزارته التي استهدفت دعم الاتحاد بجميع الوسائل وإعداد دستور الاتحاد الجديد, ثم تعديل الدستور العراقي لايجاد التناسق بينه وبين دستور الاتحاد, والاخذ بالمبادئ الجديدة التي يقتضيها تطور العراق السياسي والاجتماعي بمنح المرأة الحقوق السياسية وفقاً للأسس والمؤهلات التي تلائم وحالة البلاد الاجتماعية والثقافية، وما يترتب على ذلك التعديل من حلّ المجلس الحالي وإجراء انتخابات جديدة على أن يتم ذلك قبل انتهاء المدة التي حددها اتفاق الاتحاد.

شرع مجلس النواب بتعديل لائحة القانون الاساسي العراقي, وقد تضمت اللائحة مادتين فقط، ثم صوّت عليهما، وبتعيين الأسماء ظهر أنّ عدد المصوتين (125) وقد صوتوا بالاجماع مؤيدين لها، وبعد ذلك أحيلت الى مجلس الاعيان لأقرارها. فصادق عليها, وبموجب المادة (119) من القانون الاساسي العراقي التي تنص على ان كل ((تعديل في القانون المذكور – يجب ان يوافق عليه كل من مجلسي النواب والاعيان بأكثرية مؤلفة من ثلثي اعضاء كلا المجلسين المذكورين، وبعد الموافقة عليه، يحلّ مجلس النواب، وينتخب المجلس الجديد فيعرض عليه، وعلى مجلس الاعيان، التعديل المتّخذ من المجلس المنحلّ مرة ثانية، فإذا اقترن بموافقة المجلسين بأكثرية مؤلفة من ثلثي اعضاء كليهما أيضاً، يعرض على الملك ليصدق وينشر)) ولمّا كان قيام الاتحاد العربي اقتضى تعديل الدستور كما قدمنا، صدرت الإرادة الملكية في 27 أذار 1958 بحلّ مجلس النواب ولزوم اجراء انتخاب مجلس جديد.

موقف القوى الوطنية والاحزاب السياسية من الانتخابات

توقّع ساسة المعارضة أن الانتخابات الجديدة ستشهد مداخلات نوري السعيد السافرة كدأبه في الوزارات السابقة, فدعوا الى مقاطعتها, ووجهوا بياناً أشاروا فيه الى معاناة العراق التي تكمن في الحكم الدكتاتوري الذي يهدف الى إزالة البقية الباقية من مقومات الحياة الدستورية، واستعرضوا سياسة السعيد في ضرب الحركة الوطنية وألامعان في انتهاك حريات الشعب الدستورية, وفي مثل هذا الجو لا يجد المواطن سبباً للمشاركة في انتخابات عرفت نتائجها مسبقاً, لا تستهدف سوى الاتيان بشهود زور على السياسة المرسومة، ولم يبق امام الشعب الا مقاطعتها وعدم الاعتراف بالمجلس الذي نتج منها.

باشرت الحكومة وضع الخطط اللازمة لاجراء الانتخابات بعد أن صدرت الإرادة الملكية ذات العدد (160) في 27 أذار 1958 القاضية بحل المجلس وإجراء انتخابات جديدة استنادا الى المادة(33) من قانون انتخاب مجلس النواب رقم 53 لسنة 1956 , تقرر إجراء الانتخابات العامة في جميع المناطق الانتخابية في العراق يوم 5 أيار 1958، وقد أصدرت وزارة الداخلية أوامرها الى جميع متصرفي الالوية للشروع بالمستلزمات الاولية استعداداً لاجراء الانتخابات، ولمّا كانت نتائج احصاء النفوس الذي جرى في 12 تشرين الأول 1957 أظهرت زيادة كبيرة في عدد نفوس سكان العراق اقتضى ان يكون عدد النواب (148) نائباً بدلاً من (137) نائباً، إلا أنّ الجهات الحكومة تذّرعت بأن نتائج احصاء النفوس الذي جرى لا يمكن أن تظهر بصورة واضحة, وصحيحة الا بعد عامين في الاقل، لذا تقرر ان يكون عدد نواب المجلس الجديد لا يزيد على (145) نائباً ومع هذا وعدت بزيادة منتظرة وذلك حينما يصادق المجلس الجديد على دستور الاتحاد العربي حيث سيختار (15) نائباً من بينهم لمجلس الاتحاد وتجري انتخابات فرعية لملء المقاعد الشاغرة، وبهذا سيكون للعراق 160 نائباً (145) منهم في المجلس النيابي و 15 نائباً في مجلس الاتحاد، وبعد ان تداول نوري السعيد رئيس الوزراء مع ولي العهد عبد الاله بشأن شكل المجلس الجديد وانتقاء اعضائه، اتفقوا على المجيء بمجلس نيابي موالٍ الى عبد الاله شخصياً على عكس المجلس السابق الذي كان الأغلبية فيه من انصار نوري السعيد، وقد أعلنت الحكومة على لسان رئيس الوزراء حيادها وعدم تدخلها في الانتخابات, وعلى من يريد ان يرشح للنيابة علية ان يتبع السبل القانونية، وفي الوقت الذي كانت بغداد تضج بالوجهاء والشخصيات الوافدة من الالوية والاقضية كافة الذين جاءوا لمقابلة رئيس الوزراء نوري السعيد, ووزير الداخلية سعيد قزاز طالبين النيابية، طامعين بتزكية الحكومة لهم.

أعمّت وزارة الداخلية على متصرفيات الالوية كافة البيان الذي اصدرته الحكومة بتعيين يوم 5 أيار موعداً للانتخابات، وقد طلبت منهم التهيؤ لاعداد القوائم باسماء الذين يحق لهم الانتخابات, وتدقيقها وتعليقها في غضون عشرين يوماً من صدور بيان وزارة الداخلية، واصدر محمد محمود القشطيني رئيس محكمة استئناف بغداد امراً ادارياً بتعيين حكام المناطق الانتخابية التي تقع ضمن ألوية بغداد, والدليم, وديالى, والكوت وهي الالوية التي تقع ضمن صلاحيات رئاسة استئناف منطقة بغداد، واصدر كذلك شاكر الهلالي رئيس محكمة استئناف المنطقة الجنوبية في البصرة بياناً بتعيين حكام المناطق الانتخابية في ألوية البصرة والعمارة والمنتفك, وأصدر ياسين الكيلاني رئيس محكمة استئناف المنطقة الوسطى بياناً بتعيين حكام المناطق الانتخابية في ألوية الديوانية والحلة وكربلاء.

وقد بدأ الراغبون في الترشيح للانتخابات من اعضاء المجلس المنحلّ, وغيرهم في الاتصال بوجوه محلات المناطق التي يرغبون الترشيح فيها، وكانت هذه الاتصالات من قبيل جس النبض، ولمّا كانت المادة (25) من قانون انتخاب مجلس النواب رقم 53 لسنة 1956 تنص على وجوب تقديم استمارة الترشيح للنيابة في مدة لا تقل عن 15 يوم قبل التاريخ المعين للانتخابات فسوف يكون اخر موعد لقبول الترشيحات يوم الاحد الموافق 20 نيسان 1958، وعلى هذا بدأ المرشحون للانتخابات بدفع التأمينات القانونية, وفي اليوم الأول دفع في بغداد ستة مرشحين التأمينات القانونية منهم عبد الجبار الراوي مدير الشرطة العام سابقا عن عانه, وعارف السويدي من المنطقة الثالثة في بغداد، وعبد المحسن الدوري عن المنطقة السابعة في بغداد، ويوسف كتو عن المسيحيين في بغداد.

وشهدت المعركة الانتخابية انسحاب الكثير من المرشحين, فقد انسحب كل من عبد الرزاق الازري، وعطشان الفرحان من عانة, وميخائيل كنو ويوسف كنو عن المسيحيين, وعبد الحميد الهلالي من بغداد وجابر السرحان من الديوانية, وكامل عارف الناصري من تكريت، وعبد الغفار المعتوق من ابي الخصيب، وثامر الحموده من سوق الشيوخ, ومحمد حسن سلمان من العمارة, وخليل كوان الجبوري من سامراء واخرين وكان انسحابهم لصالح مرشحي الحكومة الذين ضمنوا تأييد الادارات المحلية في الترويج لهم ودعمهم بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة.

وشهدت المعركة الانتخابية أفضع أنواع التزييف والتلاعب, ولم تدخر السلطات الادارية وسعاً الا وبذلته, وقد اعترض المرشح عبد اللطيف محمد علي عن منطقة الاعظمية متهماً مدير ناحية الاعظمية بالترويج الى مقاطعة الانتخابات، وقدم المرشح قاسم محمد الخاصكي عن المنطقة الرابعة في بغداد اعتراضاً لعدم تطبق المواد (46، 47، 48) من قانون انتخاب النواب، إلا أنّ حاكم المنطقة الانتخابية الرابعة رفض الاعتراض, مع ان التزييف بحسب ما افاد المرشح المعترض وقع مرتين، المرة الأولى مسك الصندوق مفتوحاً بيد معاون الشرطة بعد ان اخرج لجنة الانتخاب قسراً، والمرة الثانية حين انتهاء عملية الانتخاب وارغامه على ترك المركز الانتخابي قبل التصنيف بقوة الشرطة. في حين اعترض كامل القصاب المرشح عن منطقة الكاظمية لدى حكام المنطقة احمد المطيري على عدم توفير الشروط القانونية لاحد المرشحين المنافسين له.

وبعد انتهاء المدة القانونية للترشيح بلغ عدد المرشحين في أنحاء العراق كافة (300) مرشح تنافسوا على المقاعد النيابية، ولدى مقابلته الى مراسل الاسوشيتدبريس ويونايتدبريس، اعلن ان عدد الفائزين بالتزكية بلغ (118) نائباً وان الانتخابات جرت في 6 ألوية لملء 27 مقعداً من مجموع 145 مقعداً، وسُئل عما اذا تبين للحكومة بوجود معارضة، فأجاب ان المعارضة اذا وجدت سوف تتبين بعد انعقاد مجلس النواب الجديد, وزعم في الاجابة بتوفير حرية الانتخابات, والدعاية الانتخابية, وحرية الرأي وأن المرشحين مارسوا كل ما ضمن لهم القانون من حرية، وقد سُئل عن احتمال قيام احزاب, اجاب ان الحكومة ستدرس الموضوع وتنظر اليه بانعام ودقّة.

صدرت الارادة الملكية بدعوة مجلس النواب لعقد اجتماعه غير الاعتيادي في 10 أيار 1958، في الوقت الذي عقد مجلس الوزراء جلسة استثنائية برئاسة رئيس الوزراء نوري السعيد لبحث صيغة خطاب العرش الذي سيلقيه الملك في افتتاح المجلس وقد افتتحت الجلسة الاولى للدورة السادسة عشر في 10 أيار 1958 بخطاب العرش الذي اشار فيه الى السياسة القومية التي تبناها العراق والتي تمثلت في قيام الاتحاد العربي, ولتحقيق الوحدة العربية لابد من تعديل القانون الأساسي، وبعد ان قدمت الحكومة لائحة التعديل وافق عليها مجلس النواب وحلّ وجرى انتخاب المجلس الحالي, وأن أهم اعماله اتمام تشريع لائحة التعديل الثالث للقانون الاساسي.

بدأ مجلس النواب انتخاب اعضاء ديوان الرئاسة فأحرز عبد الوهاب مرجان (134) صوتاً ليكون رئيساً للمجلس, ثم انتخب عز الدين ملا نائباً اول وقد احرز (125) صوتا، اما النائب الثاني كان من نصيب فوزي الخضري والذي صوت له (112) نائب

عن رسالة (الانتخابات النيابية في العراق..)