جابر عصفور سيظل حاضراً رغم الغياب

Wednesday 5th of January 2022 12:12:43 AM ,
5099 (منارات)
منارات ,

علي حسين

" إن العقلانية تعنى الاحتكام إلى العقل والاحتكام إلى العقل يعني المساواة بين العقول وقبول اختلافها بوصفه أمرا طبيعيا، ومن المؤكد أن العقل بقدر ما هو دليل على حرية إرادتنا وقدرتنا على الاختيارالخلاق فإنه دليل على حتمية حضور العدل".

تلك كانت بعض كلمات جابر عصفور الذي رحل عن عالمنا اليوم "31/12/2021"، وقد شهدت منصات التواصل نعيا للمفكر والكاتب والمترجم، في الوقت الذي اعلنت فيه صفحات "الاخوان المسلمين" عن فرحها برحيله، وكتبت في احدى الصفحات: "ومات جابرعصفور.. كما ماتت نوال السعداوي وكما مات من قبلهم فرج فوده. نتعبد إلى الله بالفرح في موت هؤلاء".. لم التق جابر عصفور للاسف وكان ضيف معرض الكتاب في اربيل عام 2014، لكني واظبتُ على قراءة معظم كتبه منذ ان وقع بيدي كتابه "زمن الرواية" وهو الكتاب الذي أغضب البعض من الشعراء حينما رأى أن المستقبل لذلك الجنس الأدبي، وأن الرواية ستكون ديوان العرب المعاصر، ويروي لنا في كتابه "زمن جميل مضى"، بدايات تعلقه بالروايات وهو صبي يبحث في شوارع مدينته المحلة عن مكتبة، أو عربة قديمة عليها مؤلفات أدبية، ليستأجرها أو يستعيرها او يشتريها، وفق ما تيسر له حينها من قروش قليلة، وفي سنوات المراهقة والحلم وقع الصبي أسيراً لغواية الرواية، خصوصاً بعد أن اقتنى "ألف ليلة وليلة"، وعرف طريق عربة العم كامل الذي كان يعيره كتباً كثيرة، ليكتشف عصفور عوالم كثيرة، ويصير زبوناً دائماً على العم كامل ومكتبات المدينة المختلفة. اثناء استضافته في معرض اربيل للكتاب، اصدرت (المدى) ضمن ملحق منارات عددا خاصا عنه كتبتُ فيه مقالا قصيرا بعنوان جابر عصفور حارس التنوير، وكانت المفاجأة ان المقال اعجبه، ليخبرني: ان كتاب تكريمي سيصدر عنه وسيختار عنوان مقالتي ليكون عنوانا للكتاب وصدر الكتاب عام 2016 بعنوان "جابر عصفور حارس التنوير" وضم وقائع ندوة اقيمت عن كتابه "زمن جميل مضى"، الكتاب الذي اراد ان يسير فيه على نهج طه حسين في الايام، فقد كان مولعا بطه حسين، يكتب عن عميد الادب قائلا: "أترك صورة أبي في مدخل البيت، وآخذ طريقي إلى غرفة المكتب، وأدخلها، فتطالعني صورة طه حسين، أجمل صورة له، هي لوحة فنية في تقديري، التقطها له رسام فرنسي كان مشهوراً في وقته، وكان نابغة في فنه، تلاعب فيها بعلاقة الضوء بالظل، فأخرج لوحة فوتوغرافية بحثت عنها كثيراً حتى وجدتها، وذهبت إلى مصور شهير، صنع لي أكثر من صورة منها، أضع واحدة في غرفة مكتبي بالمنزل، والثانية في غرفة مكتبي بالعمل، أحرص على أن أضعها في مواجهتي، وأنا جالس إلى مكتبي، وكلما استعصى عليّ أمر، تطلعت إليها كي أستمد العزم والإرادة. وهو الأستاذ الجامعي الذي تعلمت من كتبه، والمثقف العام الذي حرصت على أن أكون مثله، والشجاع الذي يكتب ما يراه الحق الذي لا يخشى فيه لومة لائم".

يعترف جابر عصفور بمشاعر دافئة تجاه طه حسين، ويحاول الاحتفاظ بخيط الصلة الذي ربطة بعميد الادب العربي. وهو قد فعل في مذكراته "زمن جميل مضى"، ما فعله طه حسين في الصفحة الاولى من كتاب الايام عندما كتب: "لا يذكرُ لهذا اليوم اسما، ولا يستطيع أن يضعه حيثُ وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتا بعينه، وإنما يُقرِّب ذلك تقريبا"، لنجد جابر عصفور يكتب في السطور الاولى من سيرته الذاتية: "لا اذكر عن بدايات حياتي التي تبدو لي بعيدة جدا، ورغم ذلك فما ازال احتفظ في ذاكرتي ببعض الصور التي تقاوم النسيان".

الطفل المولود في المحلة الكبرى في الخامس والعشرين من آذار عام 1944 لعائلة تنتسب الى الطبقة الوسطى، الاب قادم من مدينة الاسكندرية رفض ان يمارس مهنة ابيه وكان يعمل صائغا، ظل يمارس العديد من الاعمال الى ان استقر في المحلة الكبيرة التي تبعد اكثر من مئة كيلو متر عن القاهرة، حيث افتتح محلا للبقالة، ليتزوج وتنجب له زوجته توأما، "جابر وسيد" والاخير توفي بعد اشهر من ولادته. الاب الذي لم يكن يهتم بالقراءة، كان يدعو الله أن يمد في عمره حتى يرى ابنه "جابر" مثل طه حسين، وعندما كانت الام تسأل من هو طه حسين؟ يبدأ الاب يشرح لها كيف اصبح طه حسين باشا، وكيف استطاع ان يسافر الى "بلاد بره"، وكيف اصبح وزيرا. كان طه حسين قد اصبح وزيرا للمعارف عام 1950 وهو العام الذي دخل فيه جابر عصفور المدرسة الابتدائية، تعرف على الكتب عندما وقع بيده كتاب "البخلاء" للجاحظ، وقد تعلم من الجاحظ ان يرتبط بعلاقة حب وصداقة مع الكتاب فهو: "مسامر لا يبتديك في حال شغلك، ويدعوك في اوقات نشاطك، ولا يحوجك الى التجمل منه والتذميم منه، فهو الجليس الذي يطربك، والصديق الذي لا يغريك، والجار الذي لا يستبطيك" – البيان والتبيين الجاحظ - . تمر الايام والصبي جابر يجتهد في دراسته حتى تحقق جزء من حلم الاب، حين اصبح طالبا في الجامعة في القسم الذي كان يُدرس فيه طه حسين، إلا انه اصيب بالاحباط حين عرف ان العميد توقف عن التدريس، كان يمني النفس ان يراه، وقد تحققت امنيته على يد استاذته سهير القلماوي التي تعتبر الابنة الروحية لطه حسين، واقرب الناس اليه، عندما قررت ذات يوم ان تصطحب طالبها المغرم بالعميد الى بيت طه حسين في منطقة الهرم، يتذكر رهبة اللقاء: "كانت غرفة المكتب المستطيلة تحمل كل جدرانها صفوف الكتب التي ترتفع من الارض الى السقف، وكان العميد يجلس على كرسي قريبا من المكتب، كما لو كان يتأمل، وابتسم وجهه عندما سمع صوت تلميذته التي انحنت وقبلت وجنتيه"، ستهمس سهير القلماوي في اذن العميد بان هناك حفيدا له من تلامذتها يريد ان يسلم عليه، ولم يصدق جابر عصفور ان اليد التي امتدت لتصافحه هي يد طه حسين، كان اول سؤال يطرحه العميد: من تحب من الشعراء، وكان جواب عصفور: ابا العلاء المعري. في مذكراته يخبرنا جابر عصفور ان طه حسين ظل يحاوره عن الشعر ويجيب هو بارتباك وخجل، وفي النهاية قال لسهير القلماوي: تلميذك هذا قد يكون له انجاز في النقد الادبي. يتخرج جابر عصفور من الجامعة ليصبح معيدا عام 1965، ولم تسمح له الظروف ان يحصل على زمالة دراسية فاكمل الماجستير والدكتوراة في مصر، كان يحلم ان يسافر الى فرنسا كما سافر طه حسين، وان يحصل على الدكتوراه في الادب المقارن، لانه كان معجبا باستاذه الدكتور محمد غنيمي هلال، وكانت فرنسا بالنسبة لي كما وصفها توفيق الحكيم في روايته زهرة العمر "مدينة النور"، لكنه لم يذهب الى باريس، وانما سافر الى امريكا في زمالة دراسية في جامعة "هارفارد" التي بلغ من اعجابه بها ان يؤرخ لحياته فيها بكتاب ممتع بعنوان "بعيدا عن مصر". كانت امريكا في ذلك الوقت تزخر بالمدارس النقدية الحديثة. لم يقنع جابر عصفور بدور الاستاذ الجامعي، فقرر ان يرى ما يدور في الساحة الثقافية والفكرية، وشغل قلمه باكتشاف الجديد من مدارس الفكر، وتسليط الضوء على ما يثير الاهتمام من التراث ومحاولة ربطه بالحاضر، لم يدخر وسعا في تقديم دراسات متنوعة عن الرواية، والشعر والنقد الثقافي وجدلية التنوير والعقلانية وجعل الكتابة اشبه بمقاومة لما يجري من تخريب ثقافي، باحثا عن معنى هويتنا الثقافية وعلاقتها بالعالم الانساني الرحيب، وكان من نتيجة ذلك اختلاف جابر عصفور عن اغلب ابناء جيله، إذ تعددت ادواره الثقافية، ووهب نفسه لمشروع مهم هو اعادة صياغة ثقافة العصر خارج الاستقطابات سواء السياسية او الفكرية، فهو يدرك ان ان جوهر الثقافة هو الحرية، خصوصا ونحن نعيش في عصر يموج بفلسفات كثيرة تحولت الى مذاهب نقدية وفكرية، فكان لا بد من الالتفات الى معرفة جذور الحداثة وفلاسفتها ومعرفة ماهية ما بعد الحداثة، وعلاقة ذلك بالنقد والادب والثقافة والحياة، وقد افاد جابر عصفور من ازدواجية عمله بين الاستاذ الجامعي والمثقف المشارك في الحياة الثقافية، لينتج لنا كتابة تحمل رؤية متقدمة، شاملة، تدلنا على ان صاحبها ظل مخلصا لمنطلقاته الفكرية التي بدأ منها، وتحيزاته التنويرية التي لم يتخل عنها، حتى تحول جابر عصفور الى واحد من المفكرين العرب الذين يمارسون مشروعهم الادبي من خلال علاقة جدلية مع مشروعه الفكري العام والذي هو نوع من التمرد المستمر على كل شروط الهيمنة المفروضة على الانسان .

في الجامعة سيجد امامه واحدا من اقرب تلامذة طه حسين وهو شوقي ضيف صاحب موسوعة تاريخ الادب العربي، وكان ضيف حريصا على احكام المنهج التاريخي واستيعابه، والاحتفاء بعمليات التوثيق التاريخي للنصوص، والاهتمام بمراعاة دراسة الحقب التاريخية التي تؤدي الى إدراك التطور التاريخي للآداب. وقد دفعته طريقة شوقي ضيف الى التهام الكتب التاريخية وقراءة الدواوين القديمة ديوانا ديوانا على طريقة التتابع التاريخي، وفي تلك السنوات قرر ان يتخصص في دراسة الشعر القديم متأثرا باستاذه يوسف خليف وعشقه للشعر القديم، وظل كذلك الى ان تتلمذ على سهير القلماوي، التي درس معها الادب المعاصر والنقد الحديث، فانقلب حماسه الى التجديد، واستغرقته الطرق الحديثة في الدرس النقدي للنصوص .

في واحدة من مقالاته كتب جابر عصفور إن "معركة التحديث الثقافي اللازمة لاكتمال تأسيس الدولة المدنية، ينبغى أن تخوضها كل القوى الديموقراطية، سواء كانت تيارات إسلام سياسي أو تيارات مدنية، فالأهم هو مستقبل الدولة الوطنية الديموقراطية التي هي دولة مدنية بالضرورة. والأهم - والأمر كذلك - أن تسهم كل قوى المجتمع المدني ومؤسساته وتجمعات مثقفيه فى إشاعة "ثقافة المواطنة"، ونشر ثقافة الديموقراطية، وربطها بثقافة حقوق الإنسان، وليتنا جميعا نحارب في هذا الاتجاه التنويري الذي يقضي على ثقافة الاستحواذ والغلبة والإقصاء والتخوين جنبا إلى جنب ثقافة الاتباع والتقليد الجامدة والنظرة الماضوية التي تحجب عن العيون التطلع إلى أفق جديد من المستقبل".

في القاهرة التي وصلها منتصف الخمسينيات حاول الفتى القادم من مدينة المحلة الكبرى أن ينطلق في الآفاق الشاسعة التي اتسعت أمامه وكان كلما تقدم في سبل المعرفة، يكتشف سعة الهوة بين عالم القناعات البليدة والراسخة وعالم العقل الذي يعمل من أجله ويصبو إليه، كما لو أن عليه أن يجتاز قرونا في سنوات معدودة، لكنه تعلم من طه حسين، "أبي الروحي والثقافي"، أن الحرية هي أصل الوجود والطاقة الخلاقة التي ينطوى عليها الإنسان، كي يتفوق بها على شروط الضرورة، ويقهر بها العدم"، ليجد في صاحب الايام القربى والسلوى، وانصهار الفكر في الإبداع، ويكتشف أوجه المثقف المتعددة، المؤمن والمتفكر، والفيلسوف والمؤرخ، ورجل الاقتصاد وعالم الاجتماع. كلها في هيئة رجل اعمى مشى في اروقة جامعة القاهرة قبله، بعقود، وصفه سلامة موسى بأنه "مثال حي لقدرة الإنسان على صنع المعجزة التي تحرره من قيود الضرورة والتخلف والجهل والظلم، بحثًا عن أفق واعد من الحرية والتقدم والعلم والعدل."

أتأمل مؤلفات جابر عصفور التي دائما ما اجدها امامي في رفوف المكتبات التي اتجول فيها، وأسأل: هل يريد هذا الناقد والمترجم والباحث عن جذور الثقافة العربية والمبشر بمدارس النقد الحديثة أن يقول لنا انه لا يزال يحتفظ بنصيحة استاذته سهير القلماوي وطه حسين: "عليك بالتبصر في المعرفة والدقة في البحث"؟، هل كان يريد أن يدلنا على نفسه وهو يعيد على اسماع طلبته الحكمة الجميلة التي نطق بها ابراهيم بن سيار النظام استاذ الجاحظ حين قال: العلم لا يعطيك بعضه الا اذا اعطيته كلك؟ فنراه يمضي في دروب الثقافة يسعى الى اشياء من هنا وهناك من بعض العلم هذا، أليس هو الذي كتب عن كل شيء في الادب والنقد الثقافي والدفاع عن المرأة، والسعي الى التنوير، ما هي المسألة الفكرية أو الاجتماعية أو المنهجية التي لم يمخر جابر عصفور عبابها؟ وكم فيه من خصال طه حسين وحبه للعلم ثم الشقاء في سبيل الفضول والمعرفة؟ وأي عام هو العام الذي مر ولم يصدر فيه كتاب للرجل القاهري الروح، العربي الهوى والانتماء؟. كلما اقرأ لجابر عصفور او استمع الى واحدة من معاركه الفكرية اسأل نفسي ترى: لماذا تعج جامعاتنا في هذا الزمن بنموذج الاستاذ الذي لا تخرج كلماته خارج اسوار الجامعة؟، الكم عنده له الاسبقية على الكيف، علمه بضاعة وثقافته تجارة، الإذعان الى المألوف علامته في التعليم والتعلم. هذا النموذج الذي نراه اليوم في جامعاتنا، لم نكن نراه في زمن علي جواد الطاهر وعلي الوردي ومصطفى جواد وجعفر علي وعبد العزيز الدوري، ونوري جعفر، وفيصل السامر، ومدني صالح، وعبد الجبار عبد الله، نموذج الاستاذ المفكر، صانع المعرفة، مفجر المشكلات التي تعصف باذهان من حوله، ويدفع العقول الى الاكتشاف والبحث، استاذ جامعي عقلاني، متمرد، متسائل دائما، مؤمن بالعلاقة الجدلية بين الجامعة والمجتمع، وبين المثقف والواقع، وبين المعرفة والحرية. هذا النموذج النادر الان في جامعاتنا، كان جابر عصفور نموذجا حيا له. في واحد من آخر مقالاته التي كانت تنشر بشكل اسبوعي في جريدة الاهرام تحدث عن الفكر العربي الآن والذي وصفه بانه فكر "متخلف" ينأى عن التقدم، تتبلور مظاهر تخلفه في أربعة أوصاف، وهي: الفكر الماضوي، والفكر الاتباعي، الفكر المقموع، وأخيرا، الفكر المبتور الذاكرة، معتبرا، أن هذه الأسباب الأربعة مُبرر قوي للأزمة الحادة التي يمر بها الفكر العربي حاليا بشكل عام. مشيرا باننا اليوم نقيس على الماضي ونتجاهل المستقبل، وكأن التاريخ لا يتحرك إلى الأمام وإنما يتحرك إلى الخلف .

منذ أن قرأت اول كتاب لجابر عصفور وانا دائم السؤال عن جديده، وكنت اعرف في السنوات الاخيرة ان الرجل السبعيني برغم متاعب الجسم إلا أن فكره متوقدا، نعرف نحن قراؤه ان كاتبنا المفضل كان مريضاً، لكنه يكتب، يرفض أن يترك قلمه، انه إصرار شيخه طه حسين، العقل يجتهد ليعطي الكثير من نفسه من أجل أن يحررنا من الرواسب.

كعادة الكبار يوغل جابر عصفور في الصمت، لكن أي صمت ذلك الذي يحيط بمثقف ظل طوال اربعة عقود يملأ الحياة الثقافية ويشغل الفكر بكل ماهو جديد، فهو حين يوغل في الصمت فإن آثاره ومعاركه الفكرية وكتبه ودراساته تظل توغل في الحوار، ومهما تنوعت الأساليب التي استخدمها في التعبير عن آرائه وأفكاره، بقي عنده مقصد واحد لم يمل عنه إطلاقا هو الوجود الإنساني، وكما كان اساتذته الأوائل سهير القلماوي وشكري عياد وعبد العزيز الاهواني وعبد المحسن بدر ومحمود امين العالم يسعون إلى أن يكونوا (حراس المعرفة) في كتاباتهم سعى جابر عصفور إلى أن يكون حارس التنوير.