شوقي ضيف.. التأريخ للأدب العربي كان مشروع حياته

Wednesday 19th of January 2022 12:46:06 AM ,
5108 (منارات)
منارات ,

إعداد- سماح عادل

“شوقي ضيف” مؤرخ موسوعي للأدب العربي، ورئيس المجمع اللغوي بالقاهرة، اسمه “أحمد شوقي عبد السلام ضيف”، ولد في1910 في قرية أولاد حمام، محافظة دمياط، مصر، يعد علامة من علامات الثقافة العربية، درس فروع الأدب بأسلوب سلسٍ لا يخفى على أي قارئ لأحد كتبه.

حياته..

أصيب في صغره بمرض أضعف بصر عينه اليسرى كثيرا، لكن ذلك لم يمنعه من ختم القرآن وهو في سن عشر سنين، وقد ظهرت عليه آثار الفطنة والنبوغ منذ صغره، التحق بمعهد الزقازيق الثانوي الأزهري وتخرج بتفوقه المعتاد. ثم التحق بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكان الأول على دفعته. واختير معيدا بقسم اللغة العربية فيها. ثم حصل على الماجستير في النقد الأدبي، والدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.

كان “شوقي ضيف” تلميذا للأديب “طه حسين” الذي أشرف على رسالته الدكتوراه، وقد أشاد به “طه حسين” بقوله: “وإذا كنت حريصا على أن أقول شيئا في التقدمة فإنما هو تسجيل الشكر الخالص للجامعة التي أنتجت الدكتور شوقي، والدكتور شوقي الذي أنتج هذه الرسالة”.

ألف الدكتور “شوقي ضيف” حوالي 50 مؤلفا، منها: (موسوعة تاريخ الأدب العربي)، في عشر مجلدات، وهي من أشهر ما كتب. استغرقت منه ثلاثين عاما شملت مراحل الأدب العربي منذ 15 قرناً من الزمان، من شعر ونثر وأدباء منذ الجاهلية وحتى عصرنا الحديث، سردها بأسلوب سلس يجذب القارئ، وبأمانة علمية عالية جدا، وبنظرة موضوعية. وتعتبر هذه السلسلة هي مشروع حياته. وقد بلغ عدد طبعات أول كتاب في السلسلة العصر الجاهلي حوالي 20 طبعة.

وقد حاول في هذه الموسوعة أن يجمع بين اتجاهين: الأول النظر إلى تاريخ الأدب بوصفه علمًا كما نظر إليه “طه حسين” و”بروكلمان”، والآخر تقسيم الأدب إلى عصور كما فهمه القدماء وكما فهمه “الرافعي” و”جرجي زيدان” و”أحمد حسن الزيات” و”أحمد أمين”.

واعتمد في تفسيره للتاريخ الأدبي على المدرسة الطبيعية التي اتخذت من منهج هيبوليت تين Hippolyte Taine (1828 – 1893) أساسًا لتفسير التطور الأدبي، ويعتمد على أن هناك ثلاثة قوانين يخضع لها الأدب في كل أمة؛ وهي الجنس والزمان والمكان.

ومما يميز موسوعته تلك النظرة الموضوعية والدقة المنهجية، والعمق في طرق الخبر التاريخي بعد نقده وتمحيصه وتوثيقه من خلال التوقف عند مصادره واستبعاد ما حوله من شبهات، ثم ينتقل من التاريخ إلى الجغرافيا، ثم يتطرق إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأديان، ثم يتوقف عند اللغة وتاريخها، ثم يأتي دور المحقق والعالم المحاور والباحث المناقش لأطروحات الآخرين، وهو فوق كل هذا يعيد النظر فيما كتبه من أحكام إذا ظهر له ما يجعله يغير وجهة نظره.

قضية النحو العربي..

كان الدكتور “شوقي ضيف” من أوائل من فجروا في بدايات القرن المنصرم قضية النحو العربي وضرورة النظر في كثير من مسلماته إثر نشره وتحقيقه لكتاب “الرد على النحاة” لابن مضاء، ذلك الكتاب الذي نادى فيه صاحبه بإلغاء نظرية العامل في النحو، وما تقوم عليه من تعليل وقياس، والاكتفاء بذكر القواعد مجردة.. فيقول في مقدمته للطبعة الأولى: “وقد سدد ابن مضاء سهام دعوته أو قل سهام ثورته إلى نظرية العامل التي أحالت كثيرا من جوانب كتاب النحو العربي إلى عقد صعبة الحل عسيرة الفهم.. إن كل ما تصوره النحاة في عواملهم النحوية تصور باطل… وليس هذا كل ما تجره نظرية العامل في كتاب النحو العربي، فهي تجر وراءها أيضا حشدا من علل وأقيسة يعجز الثاقب الحس والعقل عن فهم كثير منها، لأنها لا تفسر غامضة من غوامض التعبير، ولا دفينة من دفائن الأسلوب، وإنما تفسر فروضًا للنحاة، وظنونا مبهمة… وهذا كله أفسد كتاب النحو العربي إفسادًا، لأنه ملأه بمسائل ومشاكل لا نحتاج إليها في تصحيح نطقنا وتقويم لساننا”.

ولم يكتف بإحيائه لهذا الكتاب من قبور المخطوطات؛ بل تتبع دراسة تاريخ النحو العربي ونظرياته ومدارسه، وأشرف على العديد من الرسائل العلمية في هذا المجال. كما اهتم بقضية تيسير النحو العربي وتعليمه، وألف في ذلك: (“تجديد النحو”- “تيسيرات لغوية”- “الفصحى المعاصرة”).وقدم إلى المجمع مشروع تيسير النحو فأقره المجمع.

شغل “شوقي ضيف” عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة ورئاسته، والمجالس القومية المتخصصة بالقاهرة، والمجمع العلمي المصري. كذلك نال عددا من الجوائز العلمية، أبرزها جائزة مجمع اللغة العربية في عام 1947، وجائزة الدولة التشجيعية في الآداب 1955، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب 1979، وجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي 1983م، وجائزة مبارك للآداب 2003.

منهجه في دراسة الأدب العربي..

في مقالة بعنوان (منهج شوقي ضيف في دراسة الأدب العربي) تقول “هدى محمد قزع”: ” لقد تصدى شوقي ضيف في العديد من مؤلفاته لدراسة الأدب العربي، من جوانب عديدة،أظهرها التأريخ للأدب العربي، ضمن سلسلة تاريخ الأدب العربي، بعدما رأى أن جهود المحدثين من عرب ومستشرقين لم تبسط الحديث في الأدب والأدباء العرب على مر التاريخ بسطًا مفصلًا من الجاهلية إلى العصر الحديث. لذلك سعى جاهدًا إلى التركيز على دراسة الأدب بمعناه الخاص، من خلال الجمع بين أنظار منهجية متباينة، لدراسة الظواهر الأدبية «عصورًا واتجاهات وتيارات، أو أشكالًا أدبية، أو شخصيات أدبية»، مما يساهم في نقل التصور الشمولي للأدب بشقيه «الشفاهي والكتابي» ، مع التأكيد أن دراسة حاضر الأدب لا تنفصل عن ماضيه لذلك لا بدّ من تأصيل الظواهر والموازنة بينها.. وقد نهج شوقي ضيف في تأريخه للأدب، منهج التقسيم إلى عصور أدبية تبعًا للتقسيمات السياسية للعصور، فقسم العصور الأدبية إلى خمسة أقسام ، يبدأ أولها في العصر الجاهلي، في حين ينتهي القسم الأخير في العصر الحديث.. وتقسيم شوقي ضيف للعصور الأدبية، يتميز من غيره، ممن اتبعوا المنهج التاريخي في دراسة الأدب، في أنه جمع بتأريخه بين عنصري الزمان والمكان، ويتضح ذلك جليًا في عصر الدول والإمارات. وقد تناول شوقي ضيف العصر العباسي ضمن فترتين، وهو بهذا يفترق عن الذين قسموا العصر إلى فترات عديدة. وإذ جمع شوقي ضيف في عصر الدول والإمارات أقاليم عديدة، وأرخ لأدبها على حدّة، إلا انه أكد أنه ثمة وحدة فكرية وشعورية وروحية تجمع هذه الأقاليم المختلفة، في مراحلها المتباينة المؤرخ لها.. واعتاد شوقي ضيف أن يبدأ دراسته لأي عصر من العصور الأدبية المؤرخ لها، بدراسة طبيعة الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعقلية، ثم يتبعها بدراسة الأغراض الأدبية الشعرية منها والنثرية، ومن ثم يقدم تراجم الأدباء”.

وتواصل: “وقد يتباين التناول المنهجي للعصور، إذ يتحدث شوقي في العصر الجاهلي عن خصائص الشعر، في حين أنه يتحدث في عصر الدول الإمارات عن السياسية والمجتمع، ويفرد للثقافة فصلًا . وفي العصر العباسي فَصَلَ شوقي ضيف الجانب السياسي عن الاجتماعي.

أما عن تناول شوقي ضيف للأغراض الأدبية في تأريخه للأدب، فيبدو لي أنه كان يصف حركة الغرض في العصر الذي يؤرخ له، ويبين مدى شيوع هذا الغرض وتحولاته، ولكنه لم يتبع المنهج الاستقرائي ، ويتتبع الغرض نفسه في مسيرته الأدبية والتاريخية. وقد لحظت أن شوقي ضيف كان تارة يربط الغرض بجانبه الاجتماعي من مثل تناوله لغرض “المديح، والرثاء، والهجاء”، وتارة يربطه بالجانب الفردي الذاتي لاسيما في تناوله لغرض “المجون، والخمريات، والغزل”. وقد قدم شوقي في تأريخه الغرض العام على الخاص “الذاتي”، وأظهر ما يبين عن هذا توسعه الملحوظ بدراسة غرض المديح، ورؤيته المباينة لغيره من النقاد في شعر المديح، ولطالما ربط شوقي ضيف شعر المديح بالسياسية. أما عن التراجم الأدبية التي قدمها في تأريخه للأدب، فقد تناول فيها ملامح تاريخية للشخصية التي تدور فيها الترجمة، واعتمد على مصادر القدماء والمحدثين فيما روى من أخبار عن الشعراء. وقد أبان عن تفاعل العوامل المختلفة في تكوين عدد من الشخصيات الأدبية، وأشار إلى جانب تأثير اختلاط الأجناس . وظهر لي أن تناوله للتراجم جاء تبعًا لشهرة الشاعر، أو شهرة الغرض الذي كان يتميز به.أما عن الجانب النثري فقد غلبت النمطية على التقسيمات التي اتخذها شوقي ضيف، ولم أجد تصنيفًا مميزًا، وإنما وقعت على وصف مجرد موجز، وتناول سريع للأدباء وأغراض النثر”.

وفاته..

توفى “شوقي ضيف” في 2005عن عمر يناهز 95 عاما، وكان متواضعا ذا صدر رحب، ويد طاهرة، ولسان عفيف، يشهد له بذلك كل من عرفه معرفة شخصية.