الأصوات الغنائية العراقية تجربة صديقة الملاية

Thursday 17th of March 2022 12:30:21 AM ,
5148 (عراقيون)
عراقيون ,

عادل الهاشمي

الصوت النسائي العراقي بقي يعمل طبقا لمدارة خالصة خصته بها الاراء النقدية على امتداد حقبة زمنية كاملة. إن هذه الآراء كانت متأثرة بالمرأة نفسها بل أنها عدلت عن تناول الصوت المغني في المرأة، إنما تناولت غناؤها من خلال أنوثتها وجمالها وبقيت العواطف الزائدة هي التي تتولى طرح الآراء في الصوت النسائي فهي طفح مريب في الوجدانات الكاذبة.

كثيرا ما دارت عجالة الحاجة العاطفية ! اما نطاق الخبرة والمعارف والاحتكام إلى القواعد الأساسية في فن الغناء. فبقيت محاط بتلك الانشغالات الهاشمية التي زينت الغناء في أنوثة المرأة المغنية لا في صوتها!
إن النقد الفني يتشكل من خلال الموضوع الفني.. ولنتعرف أن الانتشار السهل لتلك الآراء الناقصة عمل على محاصرة النمو الفني في الصوت النسائي العراقي.
والحواس الإنسانية الماهرة وهي تبدو كقوى للكائن البشري كان لابد لها من ان تنمي وتنتج.. فهي تهدف إلى تحسين المعرفة وإماطة اللثام عن خصوصيات العمل الفني، الا ان هذه الحواس انحصرت في تجريبية ضيقة غير متلمسة ولا زاهية، عملت على اشهار تقاليد محددة تنبت مهمة الدفاع عنها.
بقيت العلاقة بين الصوت النسائي والآراء السطحية المحزنة حيث اندمجت في مشاطرة جاهلة لفترة طويلة من الوقت!
والصوت النسائي اظهر مقاصده الفنية بطريقة سهلة ولم تكن الآراء التي واجهت هذه المقاصد إلا أحكاما مستعارة لا من صوتها وقواعده الفنية والعملية، انما هي مستعارة من كائنها ايضا !
فالآراء هذه نجحت تماما في شطب الادوار الفنية التي يلعبها الصوت النسائي في الغناء وباشرت في التعبير عن الإعجاب بالأدوار التي تلعبها المرأة المغنية، انها اراء مارست تاويلا ارغاميا على الجو متدهورا ورثاً !
المناخ السيكولوجي والاجتماعي ساهم في خلق هذه الاراء المجاملة دوما للصوت النسائي على حساب الحقائق و المصنفات الفنية وقواعدها وشروطها.
وعليه فان مجالات التاويل الناشطة التي مارستها الاراء النقدية فيما يخص المحتوى الفني للصوت النسائي العراقي عملت على ان تبعد الفن الغنائي من حظيرة المعاني الاساسية الخاصة بكل قيمة صوتية بل ان هذه الاراء جعلت من الاصوات النسائية حتى التي ليست لها قيمة فنية تلاوة سحرية واداة جمال او تعبيرا مترفا عن المتعة النموذجية. ذلك ان الجانب التدميري الذي هز الغناء النسائي وطوقه هو ان هذه الاراء النقدية لك تكن التمرين الاكبر لها. فثمة اصوات نسائية يقود نبرتها الغنائية كائن مجهول يجعل من هذه الاصوات اداة له ! لايعرفون الصدق لانهم لم يمارسوا المعاناة الفنية الحقيقة ان اصواتهم المتواضعة المختنقة العاجزة الخالية من لمسات الاصالة والتالق والابهار، ليست فيها ياة مسحة للمجاهدة او المران، انها اصوات تزوغ باستمرار من الرنات الانسانية التي تمس شغاف القلوب وتهتز لوتافقات الالحان، انها كينات تنتسب إلى الفن بشكل مدبج ناقص و ركيك.
وفي الفترة التي امتدت مابين 1917 وحتى السنوات الاخيرة من الأربعينيات، اتخذ الفن الغنائي وطنه في أصوات معدودة، لقد برزت أسماء كثيرة من المغنيات ن لكن المدهش حقا ان الكثير الغالب من هذه الأصوات كانت متواضعة في كل شيء !!
في محاولات استرجاع القيم المستلبة في الصوت الغنائي، نكتشف فقرها الحالي في اصوات المغني، ذلك ان الأصوات القديمة كانت تلعب دورا محبوا بوحدة العراقة الصوتية بعيدا عن استخدام فرص المخادعة المخفية والظاهرة للاستماع، ولذلك من يستمع الى الغناء القديم يكتشف القيمة الحقيقة لملامحه الطبيعية، التي لا ييمكن للاوهام المخادعة في النبرات ان تغطي على سحرها وجمالها وتالقها.
في مقالتنا سنتحدث عن اربعة اصوات نسائية عراقية كان لها شان فاعل في حياتنا الفنية على الرغم من السياقات النقدية الساذجة التي احاطتها بها انذاك، والاصوات هي زكية جورج، سليمة مراد، زهور حسين، صديقة الملاية.
صديقة الملاية.. تجربة مميزة
بدأت الغناء عام 1918 اسمها الحقيقي “ فرجة “ بنت عباس ثم أطلقت عليها مجالس التعزية الحسينية النسائية اسم (صديقة) واضيف لها لقب الملاية كناية عن الصداح والجهارة المؤثرة القوية التعبير التي كان يتمتع بها صوتها داخل المجالس امتازت بصوت رنان عميق قوي يعتبر كنزا من الكنوز فيما لو تعهدته بالرعاية والعناية والتربية الفنية المحكمة الصحيحة.
لكن هذا الصوت النادر انحدر انحدارا مخيفا وحاصرته انشغالات طاحنة واجهت حياتها لتجبرها أخيرا إلى الخلود للراحة والاستقرار حيث أنعمت عليها دار الإذاعة للعراقية بمنحة شهرية لسد حاجتها.
أجادت على نحو عجيب غناء بعض المقامات العراقية السهلة وألمت بمعرفة خبيرة بجميع الأغاني العراقية القديمة. إن صوتها عانى من بعض الغلظة التي تجسمت في السنوات الاخيرة من حياتها الفنية فهي تغني بأقصى الطاقة مابين القرار والجواب بنبرات غليظة فخمة وحادة وتسلل اسمها من ذاكرة الأسماع لكن بقيت لأغانيها تلك الحلاوة الخاصة التي تميزت بها واشهر اغانيها (يصياد السمك – للناصرية – جواد جواد مسيبي – عبود اجه من النجف – افراكم بجاني – ريبتك ازغيرون حسن) وغيرها.
م. الف باء 1977