تيري إيغلتون عن فالتر بنيامين: الماركسي والمسيح

Wednesday 24th of August 2022 12:41:28 AM ,
5249 (منارات)
منارات ,

ترجمة: رهام درويش

كان بنيامين منظّراً حداثياً لا منظّراً في الحداثة. فكانت كتاباته جزءاً من التجربة الثقافية لا تعليقاً عليها. كما فتغنشتاين، فقد كان بنيامين من مناهضي الفلسفة والذي شعر بالحاجة لأسلوب كتابة مختلف يمكّنه من التعبير عمّا عناه، وقد كانت الكتب إحدى المفاهيم التي خضعت لتساؤلات وتشكيك مناهضي الفلسفة.

يشير فريدريك جيمسون في هذه الدراسة إلى أنه لم يسبق لفالتر بنيامين أن ألف كتاباً قطّ، على الأقل، ليس بالمعنى بالتقليدي. حيث كان في الأعوام الأولى بعد 1920 قد دوّن شهاداته عن مسرح الباروك الألماني والتي تُرجمت للإنجليزية باسم The Origin of German Tragic Drama كأطروحة أكاديمية، حتى وإن تم نشرها ككتاب فيما بعد. حين فشل الدارسون في فهم أي كلمة من هذا العمل الأصلي المدهش، قام بنيامين بسحبه مدمراً بذلك آماله بالحصول على وظيفة في الجامعة، واضطر بدلاً من ذلك للعيش على الكفاف كصحافي ثقافي في مدينته برلين، قبل أن يغادر موطنه الذي سقط بيد الفاشية عام 1933 متجهاً إلى باريس، حيث عاش حتى وفاته عام 1940.

يفتقر كتاب التراجيديا، كما باقي أعمال بنيامين، لوحدة حقيقية. كذلك هو حال كتابه “شارع ذو اتجاه واحد” ذي البنية الضعيفة، فيما يبدو كتابه “مشروع أركاديا” الذي ضم دراسة عظيمة لباريس في القرن التاسع عشر، مجموعة غير مكتملة من المقتطفات، بحسب عبارات جيمسون. أما كتاب “أطروحات فلسفة التاريخ”، فلا يمكن توصيفه بأكثر من كونه تدوينات شيوعي يهودي يحبذ ابتلاع جرعة هائلة من المورفين على أن يقع في قبضة النازيين، فتعكس البنية المتشظية لهذا النص أحداث التاريخ المدمّر الذي ظهر فيه.

يُذكّر كل هذا بمسيرة لاجئ آخر من الناطقين بالألمانية وهو لودفيغ فتغنشتاين، الذي لم يهرب من النازيين بل من الثروة والصيت الحسن. فكان “الأفضل أن تسير عاري القدمين” شعاراً لمسيرته. نشر فتغنشتاين كتاباً واحداً فقط وهو “مصنف منطقي فلسفي”، واعتقد أنه قدم من خلاله حلولاً لكل مشكلات الفلسفة. قُدّم هذا الكتاب أيضاً بصفته أطروحة أكاديمية، وكما حدث مع كتاب التراجيديا لبنيامين، فقد أثار الكتابُ الكثير من الحيرة والتساؤلات. لكن كان لفتغنشتاين حظاً أوفر مع النقاد، فقد ذكر الفيلسوف جورج إدوارد مور كتابه بشكل عابر واصفاً إياه بالعمل العبقري، وقد استوفى العمل متطلبات الحصول على درجة الدكتوراة. نُشرت بقية أعمال فتغنشتاين بعد وفاته، وتتخلى معظمها عن الكياسة الأكاديمية وتتسم بالحكم والأمثال بدلاً من ذلك، فتبدو كتبه مجموعة من المقتطفات الحوارية والتأملات المبهمة والتساؤلات المثيرة والتصورات القبيحة. كان بنيامين متمرساً في كتابة الحكم والأمثال كذلك، إلا أن صوره لم تكن لتُقارن مع صور فتغنشتاين التي تُحاكي الفلاحين البسطاء.

تسير حياة الرجلين في خطين متوازيين، فقد كان فتغنشتاين متجولاً روحانياً يتنقل من عِشة على مضيق نرويجي إلى كوخ على ساحل إيرلندا. فيما كان بنيامين مفتوناً بالـ “فلانور”، ذاك المتسكّع الباريسي المتأنق الذي كان يتجول عبر الشوارع دون هدف محدد. يسعى المتجول للهرب من الحياة الحديثة فيما يجد الفلانور توازنه فيها. هرب فتغنشتاين، وهو ابن أغنى الصناعيين في امبراطورية هابسبورغ، من كامبريدج ليصبح مدرّساً في قرية، حتى أنه عمل مؤقتاً بستانيّاً في دير. في حين وجد بنيامين في الثورة ملجأً لنفسه. بحسب بنيامين، فإن الثورة ليست قطاراً خارجاً عن السيطرة بقدر ما هي استخدام ضروري لمكابح الطوارئ، فالتاريخ بالنسبة له، يندفع خارجاً عن السيطرة، ما يجعل الثورة ضرورية إذا ما أردنا أن ننعم بنوم ليل هادئ.

لم يكن بنيامين أكاديمياً أبداً، فيما كان فتغنشتاين أكاديمياً مقاوماً لها. فقد تخلى عن ثروة من أجل العيش البسيط، فيما عاش بنيامين حياة بسيطة مجبوراً بفعل الفقر المدقع. فكّر بنيامين بتأليف كتاب يتكون جلّه من الاقتباسات، فيما تأمل فتغنشتاين فكرة تأليف كتاب من النكات. اتجه بنيامين نحو الماركسية متأثراً بصعود الفاشية، فيما عُرف فتغنشتاين الشاب بالرفيق الاشتراكي كثير التّرحال. لكن هذا التباين في حياة الرجلين لم يكن جلياً للجميع، إذ كان لبنيامين ظهوراً مستمراً في أعمال جيمسون منذ تحفته المبكرة “الماركسية والشكل”، فيما لا يُذكر فتغنشتاين أبداً.

كان بنيامين منظّراً حداثياً لا منظّراً في الحداثة. فكانت كتاباته جزءاً من التجربة الثقافية لا تعليقاً عليها. كما فتغنشتاين، فقد كان بنيامين من مناهضي الفلسفة والذي شعر بالحاجة لأسلوب كتابة مختلف يمكّنه من التعبير عمّا عناه، وقد كانت الكتب إحدى المفاهيم التي خضعت لتساؤلات وتشكيك مناهضي الفلسفة. هناك جزء ظريف في كتاب “شارع ذو اتجاه واحد” بعنوان (كيف تؤلف الكتب السمينة). فكان ينبغي للكتب الأكاديمية أن تكون مفهومة بصورة معقولة، أن تكون أفكارها نظرية وأن تُكتَبَ من وجهة نظر محددة. على النقيض من ذلك، فإن قدراً كبيراً من الفن المعاصر يفضّل تعدد وجهات النظر والسّرديات غير المتواصلة. فيُتاح للفنانين أن يلجأوا للإبهام بدلاً من التوضيح، أو أن يفضلوا الصورة على المفهوم. على الكتب أن تكون وحدة متسقة كذلك، لكن وحدة النص بالنسبة لروّاد الحداثة مفهومٌ مشكوك في جدواه.

من اللافت للنظر كم كانت هذه حركة أصلية، فمنذ أرسطو وحتى إيفور آرمسترونغ ريتشاردز، كان لزاماً على العمل الفني أن يشكل وحدة متماسكة، ولم يسبق أن تحدى أحدٌ هذه الإملاءات التعسفية قبل صعود المستقبلية والبنائية والسريالية وما إلى ذلك من اتجاهات فنية. من الدادائيين وحتى برتولت بريخت، ظهرت رغبة ملحة لتفكيك المفاهيم عِوضاً عن دمجها بهدف الكشف عن الصراعات بدلاً من حلها. فلطالما كانت الوحدة، بحسب روّاد الحداثة، مفهوماً سياسياً.

في الفن المعاصر يمكن للالتباس أن يكون استراتيجية مقصودة. فهو طريقة يمكن للعمل الفني من خلالها تفادي الاستهلاك السهل. فإذا ما رغبتْ قصائد الشعر في تفادي الانزلاق السهل الذي يحولها إلى سلعة، فإن عليها أن تكثّف قوامها وتعقد من تراكيبها. فلم تعد اللغة المحكية التي عفى عليها الدهر وسيلة لتناول الحقيقة، ولن يتمكن أحد من استخلاص شيء ذي قيمة إلا بتعريضها للعنف. بفعل ارتيابها منها، تستنزفُ الحداثةُ الأدبية اللغةَ. هنا، يترك جيمسون بعض التعليقات على فكرة بنيامين حول اللغة البدائية، وهي خطاب أصلي يعبر فيه كل شيء عن طبيعته بشكل مباشر، يتبع ذلك مرحلة السقوط، حيث يتكسّر الرابط بين الكلمة والشيء، وتصبح الكلمات إشارات على التحكم في الأشياء، ثم تنحدر قيمة اللغة إلى مجرّد صخب لساني.

إذا ما فُقدتْ الثقة في اللغة، فبوسع المرء أن يلتفت إلى الصورة. ومن هناك يأتي شغف بنيامين بالسريالية، حيث يتجلى الإلهام في الصّدام بين صورة وأخرى. يمكنك أن تفهم صورة بلمح البصر، وهو ما لا يحدث مع السرد. يفسح الوقت المجال للمساحة فيما يستغني عن التسلسل بالتزامن. فالحداثة، من بين أمور كثيرة، هي أزمة سردية في وقت يتوقف فيه العالم عن الظهور على هيئة قصة. لم يعد أحدٌ يروي التاريخ بصفته حبكة عُرفت يوماً بالتطور. فالتطور والاستمرارية ما هي إلا حِيلٌ تمارسها الطبقة الحاكمة. وهي كذلك من أوهام الاشتراكيين الذين آمنوا بأن الرأسمالية آيلةٌ للانهيار، وأن الفاشية كانت من أعراض قرب هلاكها.

تتكشف اللغة المحكيّة بشكل خطيّ، وبحسب الرؤية العامة، فإن التاريخَ خطيّ كذلك. فنحن نعتقد بانتهاء الماضي وبأن الحاضر لا يزال مفتوح النهايات، لكن بنيامين لا يتفق مع هذا الرأي. فيتحدث في كتابه “أطروحات فلسفة التاريخ” عن عدم اكتمال الماضي وعن فرصة الحاضر في تحقيق النهاية له. فقد حدث ما حدث بلا رجعة، لكن معنى أحداث الماضي لا يزال تحت وِصاية الأحياء. مثلاً، بمقدورنا نحن أن نقرر ما إذا انتمى طفلٌ من العصر الحجري الحديث لكائنات دمرتْ نفسها بنفسها. بمقدورنا نحن أيضاً أن نضمن لأولئك الذين هُزموا أثناء دفاعهم عن العدالة والصداقة أنهم لم يموتوا هباءً. بحسب عبارات بنيامين؛ بمقدورنا أن نضمن ذِكر أسماء هؤلاء الرجال والنساء من المجهولين في رسائل أثناء يوم الحساب. لا يُمكن فعلاً تعويض الأموات عمّا لقوه من معاناة، لكن يمكن استثمار معاناتهم تلك لتحمل معانٍ جديدة في أفعالنا في الوقت الحاضر. في تلك اللحظة، يبقى معنى الماضي مستمراً، ما يستوجب منا التوقف عن الحكم عليه.

يعتقد بنيامين أن المسيح لن يصل استكمالاً لأحداث التاريخ، إلا أنه سيكشف عن سلسلة من اللحظات المنسوجة في الزمن التاريخي، فترات من الطوارئ السياسية التي قد تتيح فرصة عادلة لأولئك الذين ترغب الطبقة الحاكمة بإزالتهم من سجلات التاريخ. يمثل شريط اللحظات هذا تاريخ المضطهدين الذي يتسم بذات الانتشار والانقطاع الذي نراه في الفن الحداثي. فمن غير الممكن أن يُروى التاريخ في سردية مترابطة دون مجيء المسيح، إذ تتجلى الصلات السرية بين أفعال مقاومة بعينها. إن ما يبدو عديم الجدوى في وقت ما، سيصبح حينها مقروءاً، كنصّ مشفّر نتمكن أخيراً من حل ألغازه.

يعد العصر السياسي المظلم الذي عاشه بنيامين مثالاً على لحظة الخطر، حيث تتمزق فيه استمرارية التاريخ على نحو عنيف، ما يفتح المجال لفيض من صور من نضالات الماضي الرامية للتحرر والانعتاق. كما أن هناك مقايضة بين الماضي والحاضر، حيث يمكن للحاضر إنقاذ الماضي من النسيان، فيما يمكن استحضار الأموات لنجدة الأحياء. يمكن تكرار الوقت في نفسه، كما في رواية مارسيل بروست العظيم، للكشف عن تضامن مع المحرومين على مر العصور. فهذه أعظم الروايات على الإطلاق، بالرغم من أنها تقضي على حلم التقدم الحتمي الذي عُرفت به معظم الحكايات. من المؤكد أن المسيح سيأتي، لكنه لن يصل كنغمة الانتصار الأخيرة. بل على العكس، فهو صديق كل أولئك المسحوقين الذي يعيشون خسارات يومية على أيدي المنتصرين، ما يعني أن استحواذه على الحكم سيكون بمثابة انتصار لهم أيضاً.

إن الذاكرة بالنسبة لبنيامين كما هي بالنسبة لفرويد، قوة تحرر، إذ يتوجب على الراغبين في التقدم للأمام أن يفعلوا ذلك من خلال النظر إلى الوراء. بوسع هذا الماركسيّ ذي الأسلوب الخاص جداً أن يحوّل حتى الحنين إلى مفهوم ثوري. فالتقليد هو المفهوم الهدّام، لا العمل على التخلص منه. يلاحظ بنيامين أن ما يدفع الرجال والنساء نحو الثورة ليس حلمهم بأحفاد أحرار، إنما ذكريات الأسلاف المضطهدين. فيُدير ملَاك التاريخ الخاص به ظهره للمستقبل، متجاهلاً بالتالي كل المدن الفاضلة المزيفة، ويُحدّق برعب في كومة الأنقاض المتفاقمة التي تمثّل الماضي. ولا يسعى الملَاك لإنهاء التاريخ لانعدام قيمته، بل لأن جزءاً كبيراً من قيمته ينبثق عن الاستغلال، ذي القيمة الأكبر. ومن هنا يأتي القول الأكثر اقتباساً عن بنيامين، عن أن كل وثيقة عن الحضارة هي سجلّ بربريّ.

لا يمكن للملَاك أن يتحرك بحريّة لأن أجنحته عالقة في عاصفة، ولا يبدو جيمسون متأكداً مما تمثله هذه العاصفة. في الحقيقة، يخبرنا بنيامين أنها أسطورة التقدم المستمر. فما يمنع الملَاك من إِحياء الميت هنا والآن، من الإشارة إلى الوقت في التاريخ ومن بدء الخلاص، هو اليقين بعدم حاجة التاريخ إلى تحوّل كهذا، حيث سيحملنا إلى مستقبل مجيد من خلال زخمه الخاص. إنه الرضا الخالص المتجسّد في الحتميّة التاريخية، ما يضلل الحاجة إلى التغيير.

يكتب بودلير عن الحداثة بصفتها عابرة وقابلة للتغيير من جهة، وبأنها خالدة وثابتة من جهة أخرى. تعلق الحداثة في فخ العشوائي والمؤقت، لكنها، ولو بحسب الشائعات، تعاني حنيناً لزمن تواجد فيه المطلق واللانهائي. هناك غياب في قلب العمل الفني المعاصر يمكّنك من إلقاء نظرة على الحقيقة والواقع، الأسس الراسخة والهويات المستقرة، وكل ما يُفترض أن العصر الحديث قد جرفه بعيداً عنا. على النقيض من ذلك، تبدو ما بعد الحداثة أصغر سناً وأكثر حيوية من أن تعيش مشاعر حنين كهذه.

ما من غياب مُطارِد في العالم، فأنت تحصل على ما تراه. أما الحقيقة والواقع فهي خيالات مريحة والهوية نشأت بمحض الصدفة. يتعين على الحداثة أن تتخلى عن تطلعاتها الميتافيزيقية. كان الفيلسوف ما بعد الحداثي ريتشارد روتي مولعاً بقول: لا تقرب موضعاً لا تشعر فيه بالحكّة.

في كتابات بنيامين، يتقارب الطارئ والأبدي طوال الوقت. فمن جهة، تفتنه أدوات الحياة اليومية: القفازات، المدن، المقامرة، معارض الطعام، الألعاب، بائعو الهوى، العنف، الحكايات الخيالية، الصراعات الطبقية، الغرف، التصوير الفوتوغرافي، والطفولة. فيما يجد ويليام بليك معنى الخلود في حبة رمل، إذ يجد بنيامين بنظرته السريالية معان عظيمة في التافه والمنبوذ. وعلى ذات النحو، فهو يرى في كل لحظة من الوقت، حتى أكثر الأوقات عادية، بوابة ضيقة سيتجلى منها المسيح. بالإضافة إلى كونه من أوائل منظري الثقافة الشعبية، فهو أيضاً عميق المعرفة في التنجيم والتصوّف ومعتقدات الكبالا، ناهيك عن الحشيش. فهو ماركسي ينتظر المسيح المخلّص، تتجاذبه المادية التي عرفها عن طريق صديقه بريخت واليهودية المتخصصة التي تعلمها عن صديقه غرشوم شوليم.

لا يكاد جيمسون يعرف شيئاً عن اللاهوت، ولا يفهم سوى القليل عن الأخلاق التي يعتقد أنها مواجهة سطحية بين الخير والشر. فهذه النظرة البيوريتانية الأمريكية للأخلاق التي ظهرت لاحقاً في أفلام رعاة البقر. كما يخفق جيمسون في الإلمام بالفرق بين الأخلاقيات ومذهب الأخلاق. حتى أنه يكاد يكون أفضل ناقد ثقافي في العالم لا تساوره الشكوك بخصوص قدرة بنيامين على تأليف الكتب. الآن وفيما يناهز التسعين عاماً، قام جيمسون بتأليف أكثر من خمسة وعشرين كتاباً ولا يزال واحداً على الأقل قيد التحضير. لا يبدو أنه نسي قراءة أي شيء ربما سوى الدليل الإرشادي لتربية الخنازير، كما تبدو الثروة المعرفية الثقافية التي أضافها على عمله الأخير هذا مذهلة، جامعاً إحساساً أوروبياً وطاقة أمريكية جبّارة. كما أن لجيمسون واحداً من أعظم أساليب الكتابة بين نقّاد الأدب، فتتوالى ببطء جمله في موجات متتالية تجبر القارئ على أخذ أنفاس عميقة تحميه من الغرق قبل وصول نهاية كل جملة.

عادة ما يفضل جيمسون أن يمنح نفسه مساحات كبيرة ومريحة من الصفحات، لهذا فلا يبدو مفاجئاً أنه كتب “ملفات بنيامين” في مجموعة من المقتطفات: “الأكوان”، “تنتحب الطبيعة”، “الفضاء والمدينة”، “التاريخ والمسيانيون” وهكذا. ربما يتساءل هو الآخر عن جدوى الكتب. في حين أن هناك إشارات على انفتاحه بعض الشيء فإن هناك علامات استفهام كثيرة قد ترفع من حدة التوتر. فلطالما كان جيمسون شاعراً فاشلاً وناقداً “كتابياً” كما يطلق على نفسه، لكن سرّ كل جملة يكتبها يكمن في حبه للغة. لا شكّ أن هذا واحد من الأسباب التي تجذبه لبنيامين، فمن المؤكد أنه يشير إليه حين يكتب عن أحد النصوص ويقول أنه “مكتوبٌ بحماس وسرور أدبي بالغ وبطاقة تتعارض مع الظاهر من الموضوع”. كذلك تصحّ نظريته فيما يتعلق بالتعارض المستمر بين بنيامين المفكّر وبنيامين الكاتب، وهو ما يفرز تقلباً دائماً بين الكلمات والمفاهيم التي تُوجب على القارئ التنقل بينها بحذر شديد، فمثله يتأرجح جيمسون بين المفهوم والصورة، وبين الناقد والكاتب المبدع.

حتى الآن، يبدو أن أصول الكتابة الأكاديمية قد كبّلت نزعته الخيالية. لكن يبدو أنه يمنحها مساحة من الحرية في هذا الكتاب، وخصوصاً عند كتابة اللوائح، فهو يقدم مرة لائحة بمرادفات الفعل الألماني ذاكراً: ومض، توهج، لمع، أشرق، برق، سطع، وتلألأ. أو هاك قائمة كتبها بمواضيع تناولها بودلير: “بائعات الهوى ومثلية النساء”، “قروح مرض الزهري وقمامة الشوارع”، “المتسولون”، “المكفوفون”، “النساء اللاتي يعانين من التهاب المفاصل”، “ترانيم الثورة”، “جثث”. في موضع آخر، يكتب جيمسون أن في شعر بودلير تمرّد حادّ كقطع سكين آلية، أو كالاستيلاء على ترسانة عسكرية ومحطة إذاعية ومكتب بريد أثناء تمرد مسلح.

لا يفترض بالنقاد الأدبيين أن يقرأوا من مسافة قريبة كهذه. بل أن الشكوى المعتادة تمثلت في وقوفهم على مسافة بعيدة جداً من النص. في الحقيقة، لا يوافق هذا الوصف أياً من المنظّرين المعروفين، بدءاً بمنظّري الشكلية الروس وصولاً إلى ما بعد البنيويين، من أمثال رومان ياكوبسون ورولان بارت وجوليا كريستيفا وجوزيف هيليز ميلر وهيلين سيكسوس وجاك دريدا، فقد كانوا جميعاً قراءً وثيقين. يكون النقّاد الماركسيون مثل جيمسون هدفاً ملحوظاً لهذا الجمود الفكري، وهذا السبب وراء تحميله إياهم مسؤولية التصالح مع شكل الجمل. لم يتبع أحدٌ نصيحته هذه بدقة كما فعل هو.