دور أمانة العاصمة في فيضان 1954

Sunday 28th of August 2022 11:55:50 PM ,
5252 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

وهيب حسن العبودي

كانت المهمة الأساسية لأمانة العاصمة تقديم الخدمات للمواطنين الساكنين في العاصمة بصورة مرضية،لاسيما الاعتناء بالنظافة مثل رفع النفايات والتخلص من المخلفات لمنع حدوث أضرار جسيمة، وكذلك تنظيم الشوارع والأزقة بشكل منسق ليضفي صورة جميلة للعاصمة،

واهتمت الأمانة براحة المواطنين من خلال تحسين المياه الصحية للمناطق السكنية والعناية بشوارع العاصمة والميادين وإيصال جزء من الكهرباء إلى المنازل بأسعار مناسبة بالإضافة إلى الخدمات الأخرى ومن هذه الخدمات دور الامانة عند وقوع فيضان ربيع عام 1954 الذي كاد ان يغرق بغداد ويوقع كارثة كبيرة.

وشهدت بغداد الفيضان في يوم 26 آذار عام 1941، وتسبب هذا الفيضان في غرق معسكر الرشيد والجادرية والزعفرانية، فلجأت الحكومة إلى عمل بعض الكسرات في شمال بغداد للتخفيف من ضغط المياه عن المدينة، وتم تشكيل لجان خاصة لحفظ الأمن والنظام. وفي عام 1942 حدث فيضان لكنه لم يؤثر في مدينة بغداد، وفي عام 1946 حدث فيضان كان أخطر من فيضان عام 1941-1942. حيث زاد نهر دجلة زيادة مفرطة فاحدث طغياناً هائلاً يعد أعلى فيضان شهدته مدينة بغداد خلال أربعين عاماً، وتجدر الإشارة إلى حدوث فيضانات عام 1950، حيث ارتفع منسوب مياه دجلة إلى 78/35 متر وأحاط بالمدينة إحاطة تامة. ويعتبر فيضان عام 1954 أخطر فيضان شهدته بغداد وحدث في يوم 8 آذار 1954-29 نيسان 1954، ومن الجدير بالذكر أن هذا الفيضان حدث في عهد وزارة فاضل الجمالي الثانية.

يعدَّ فيضان عام 1954 من أهم واخطر وأخر فيضان في العهد الملكي ومن أسباب هذا الفيضان، حيث أخذت مناسيب المياه في بغداد خلال سنة 1954 بالارتفاع وحدث ذلك منتصف شهر آذار، وقد تجاوز مستوى المياه حد منسوب الفيضان الخطر وهو 35 متراً فوق سطح البحر فبلغ 3.5 و 35.10 سم على التوالي. ومن العوامل التي زادت من خطورة الفيضان زيادة مياه نهر دجلة في الوقت نفسه حدثت زيادة في نهر ديالى مما أدى إلى حبس المياه ضمن حوض نهر دجلة أمام مدينة بغداد وإعاقة جريانه وبالتالي رفع مستواها عند المدينة وأدى ارتفاع نهر ديالى إلى أرتفاع منسوب المياه في موقع جبل حمرين إلى حوالي 75.65 متراً الأمر الذي يهدد بضرب الجانب الشرقي لمدينة بغداد. وأدت العوامل المذكورة إلى حدوث أربع كسرات في مناطق مختلفة جهة نهر ديالى المسمى الحقيقي ومنطقة الرقيع قرب الطارمية واثنتين في جهة اليمنى (اليهودية والنورية).

يعد فيضان سنة 1954 من أخطر الفيضانات التي شهدتها بغداد خلال مدة خمسين عام أي من عام (1906-1954)، ولم يضاهيه أي فيضان إلا فيضانات 1907،1941، 1946 من حيث الخطورة. ومن الجدير بالذكر أن مشكلة ارتفاع مناسيب نهر دجلة المفاجئ يعد من أصعب المشكلات وأكثرها تعقيداً، إضافة إلى بعد المسافة التي يقطعها النهر. وفي بعض الأحيان يتزامن فيضان نهر دجلة ونهر الفرات في أن واحد، كما حدث في 21 نيسان عام 1940 فيضان في نهر دجلة وارتفعت مناسيب المياه إلى 58/35 متراً، وكانت وقاية بغداد من الفيضانات مشكلة مستمرة واجهت الحكومات العراقية حتى سنة 1954، على الرغم من الأعمال التي كانت تقوم بها.

وكان لأمانة العاصمة دور في مواجهة الفيضان وتمثل هذا الدور من خلال اللجنة التي تشكلت من قبل مجلس الوزراء وضمت عضوية كل من أمين العاصمة ومتصرف بغداد وكبار موظفي الوزارات، وكانت أعمال أمانة العاصمة ضمن أعمال اللجنة التي تكونت، وبعد الاجتماع بين أعضاء اللجنة تم تكوين لجان عديدة لتقوم كل لجنة بعملها وهذه اللجان هي (لجنة التعداد) للقيام بتعداد المنكوبين، (اللجنة الصحية) للقيام بالمسؤولية الصحية والوقائية، (ولجنة المشتريات): للقيام بشراء المواد اللازمة لإسعاف المنكوبين، (لجنة التوزيعات): للقيام بتوزيع المواد على المنكوبين، و(لجنة التبرعات: للقيام بجمع التبرعات)، (اللجنة الإدارية، اللجنة المالية، لجنة الإسكان)، وسميت اللجنة التي على رأس هرم هذه اللجان (اللجنة العليا لإغاثة منكوبي الفيضان). وأدى الفيضان إلى غرق معسكر الرشيد وبغداد الجديدة يومي (29-30) آذار 1954.

وتعاون الجيش والشرطة وطلاب المدارس وبعض الأهالي لدرء أخطار الفيضان، وصدرت قرارات الإخلاء الجزئي للمدينة وتطمين السكان بزوال الخطر. وتجدر الإشارة إلى أن الأعمال التي قامت بها اللجنة العليا لإغاثة منكوبي الفيضان هي تحديد عدد المنكوبين، إنشاء ثلاث معسكرات إحداها بشمال المطار المدني والآخر بالشاكرية والثالث بمنطقة الوشاش، وقد تم إسكان (347) أسرة مجموع عدد أفرادها (1550)، تم استطلاع شمال وجنوب بغداد على امتداد مياه الفيضان وأمكن معرفة الأماكن المعزولة عن طريق استخدام طائرة الهيلوكبتر، ثم توزيع كميات من الخبز والطحين والتمر والحليب على المنكوبين، ووردت إلى اللجنة تبرعات من الهيئات العالمية والدولية والأقطار الشقيقة وكذلك الجمعيات الأهلية.

ووصلت التبرعات من الملك سعود بميلون ونصف ريال سعودي وأمير الكويت عبد الله سالم مائة ألف دينار، وشيخ البحرين مائة ألف روبية، وقداسة البابا ثلاثة ألاف دولار، والهند (أربعين ألف روبية)، وايران مليون ريال، وجمعية الهلال الأحمر خمسة ألاف دينار، وتبرعت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي بالخيم والاكياس، وأرسلت كذلك مصر والأردن وتركيا وسوريا بعثات طبية، واهتمت وزارة فاضل الجمالي بالمنكوبين وأعطت للجيش والشرطة نصف راتب شهري أضافي. وهكذا يمكن القول أن دور أمانة العاصمة كان متمثلاً في أعمال اللجنة العليا لإغاثة منكوبي الفيضان، ومن الجدير بالذكر أن بغداد الجديدة غرقت بأكملها وحدائق الوزيرية خلال فيضان عام 1954، ومني العراق بخسائر من حيث المساحة المزروعة بحوالي المليوني فدان وغيرها من الشوارع.

عن رسالة (أمانة العاصمة 1939 ــ 1958)