بعد فوزها بجائزة نوبل «آنى إرنو” الكاتبة الجريئة

Wednesday 12th of October 2022 12:42:52 AM ,
5282 (منارات) (نسخة الكترونية)
منارات ,

ترجمة: بسمة ناجى

من النادر أن يشعر الكاتب بالخجل من عدد الكتب التى تبطّن جدران غرفة المعيشة فى منزله، خاصة حين يكون أحد أعظم الكتاب الفرنسيين على قيد الحياة. لكن آنى إرنو، التى تحظى ما تنقله من صور حادة، ومفجعة أحيانًا، للحياة الفرنسية اليومية والطبقة العاملة والمجتمع باهتمام كبير فى العالم الناطق باللغة الإنجليزية، تدرك أن أرفف كتبها تشير إلى مدى ابتعادها عن تلك الطفلة التى تنتمى للطبقة العاملة فى ريف نورماندى. «هل قرأتِ كل هذا؟ » صاح أحد أقاربها فى زيارة لمنزلها المليء بالكتب على أطراف باريس الشمالية.

تقول إرنو: «فظيع أن تقلل من شأن نفسك». لكنها تضيف أن «تجربة التقييد»، تلك القاعدة غير المكتوبة «اقنع بمكانك بنصيبك من الحياة»، هى التى تضع حدود عالم عمال المصانع والمزارع القاسى الذى نشأت فيه. رفضت والدة إرنو، التى ظهرت فى الكثير من كتاباتها، قبول الدونية المفترضة التى ولدت لها - فقد انتقلت من العمل الشاق والغرق بالدهون فى مصنع المارجرين إلى إدارة مقهى صغير و«كانت استثناءً بين أبناء طبقتها الاجتماعية». دفعتها والدتها، التى تركت المدرسة فى سن 12 عامًا لكنها كانت قارئة نهمة، إلى الدراسة، واعتقدت أن الكتب والتعلم هما تذكرتها لمستقبل مختلف. «كانت والدتى تغسل يديها دائمًا قبل أن تفتح كتابًا».
فى فرنسا، يُنظَر إلى إرنو، التى دَرَّست الأدب فى المدرسة الثانوية لسنوات عديدة، على أنها ربما تكون أعظم مؤرخ للمجتمع الفرنسى فى الخمسين عامًا الماضية، ويعاملونها كحارسة على الذاكرة الجمعية. هى إحدى القليلات المدرجة أعمالهن فى مناهج الأدب فى المدارس الثانوية الفرنسية التى يهيمن عليها الإنتاج الأدبى للكتاب الذكور. بأسلوب واقعى ومخادع، تكشف أسرارًا مزعجة وتجارب جسدية غالبًا ما يتم إخفاؤها: الإجهاض غير القانونى، والخرف، والسرطان، والجنس.
ما يميز إرنو أنها ألفت كتبها على مدار الثلاثين عامًا الماضية من خلال ملاحظة دقيقة للأحداث الحقيقية وتذكُرها؛ كل شيء دقيقًا وواقعيًا، من الدقة فى استخدام المفردات المناسبة للعصر، وكلمات الأغنيات، واللون الدقيق للبلوفر، وكل ذلك ضمن سردٍ آسر. وقد ثبت أن هذا يمثل مشكلة؛ هل تصنف كتاباتها على أنها روائية أم غير روائية؟ يميل بعض النقاد والناشرين الناطقين باللغة الإنجليزية إلى تصنيفها كأدب سيرة ذاتية أو مذكرات، بينما تُصر إرنو على أنها تكتب روايات، أدب. ترى أن الانغماس فى عصر ما ورواية قصة حدثت أثناؤه، «لإعادة تكوينه وبنائه من الكلمات والمشاعر «يُعد عمل أدبى صريح».
« إن وظيفة الروائى نقل الحقيقة. أحيانًا لا أعرف أى حقيقة تلك التى أبحث عنها، لكنها دائمًا الحقيقة التى أسعى إليها «.
انتبه العالم الناطق باللغة الإنكليزية لكتبها بسبب النجاح الأخير لعملها المميز «السنون»، الذى ترجمته أليسون إل ستراير، وترشح لجائزة مان بوكر الدولية 2019 وحصل أيضًا على جائزة ترجمة كبرى. يروى العمل قصة فرنسا من عام 1941 حتى يومنا هذا من خلال قصة حياة امرأة. وهو يعتمد على فترة شباب إرنو فى نورماندى، والمحادثات بين جنود الحربين العالميتين الأولى والثانية التى سمعتها عندما كانت طفلة فى مقهى والدتها، والانتقال إلى احتجاجات مايو 1968 والتحولات الاجتماعية، كوصول حبوب منع الحمل، والتى لم يذكرها العديد من الأطباء فى البداية أو رفضوا وصفها للنساء. إنها دقيقة فى إشاراتها إلى شعارات وتعبيرات وبضائع ووجبات كل عصر. «بالنسبة لى، ذاكرة الماضى مرتبطة بالوجبات والأحاديث أثناء تناولها. لذلك أخذت هذا كخيط مركزى. إنها ليست الفكرة التى عملت عليها فى تلك اللحظة، بل شيء آخر، شيء عميق بداخلى منذ الطفولة. طفولتنا هى أساس كل شيء».
لكن تزايدت أعداد قرائها فى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أيضًا بسبب روايتها المثيرة «حَدَث»، التى ترجمتها تانيا ليزلى، ونُشرت فى المملكة المتحدة فى فبراير 2019، وتروى فيها الكاتبة بأسلوب بسيط القصة المروعة لإجهاضها غير القانونى وهى طالبة فى روان عام 1963. يُفصّل الكتاب البحث اليائس لامرأة عن متخصص إجهاض فى الشوارع الخلفية مع مرور أيام وأسابيع حملها غير المرغوب فيه، بينما لا يشارك أحد أى معلومات حول المكان الذى يجب أن تذهب إليه. مع القيود الجديدة على الإجهاض فى الولايات المتحدة، يُنظر إلى الرواية فى فرنسا والخارج على أنها رواية يجب أن تُقرأ. تقول إرنو: «قبل عامين، أُقيمت أمسيات قراءة للرواية فى المسرح الوطنى الفرنسى، وكان المسرح ممتلئًا دائمًا وحدث أن شخصًا فقد وعيه فى كل أمسية، وغالبًا ما يكون رجلًا».
تعتبر رواية «حَدَث» نموذجًا لأسلوب إرنو فى سرد القصص؛ إذ أنها تعيد صياغة الأحداث الحقيقية بدءًا من قيام متخصص الإجهاض بغلى أدوات الإجهاض على بوتجاز، والمحاولات الفاشلة، والصدمة النفسية المؤلمة فى النهاية بإخراج الجنين فى مرحاض الجامعة والمشاكل الطبية التى تلت ذلك. كقاعدة عامة، تدون إرنو التفاصيل التى تتذكرها، ولا تضيف أى شيء.
“ هل سحبتُ منديلًا لتنظيف جسدي؟ » تتساءل الآن عن المشهد الرهيب فى المرحاض. «لا أعلم. كان مرحاضًا مشتركًا للجميع، فهل قمتُ بتنظيفه؟ لا أعرف إطلاقا. لدى فجوة هنا». أسألها: ألا تريدين ملء هذا الفراغ؟ «لا، لن أملأ الفراغ. » لكنها تتذكر عبوة البسكويت التى وضعت فيها بقايا الجنين، وترتجف.
تقول إن الأمر كان يتعلق بشعور التخلى. «خضعت آلاف النساء لعمليات إجهاض سرية، وأردت إعادة صياغة حقيقة الأمر تمامًا كما كانت تحدث فى وقتها، لأحرر نفسى من أى معرفة بالنضال من أجل حقوق المرأة حصلتُها لاحقًا. فعندما حدث لى ذلك فى عام 1963، 1964، لم نكن نتخيل أن الإجهاض سيُصرح به يومًا ما، حتى الأطباء لم يكونوا ينطقون بكلمة فى هذا الشأن».
كل كتاباتها تأتى من «الحاجة الملحة للحفاظ على شيء ما»، كما تقول، للحفاظ على الذكريات كى لا تُنسى وتختفى. فى رواية «حَدَث»، أرادت «حفظ الحدث كى لا يحدث مرة أخرى».
أحدث كتبها المترجمة إلى الإنجليزية، ترجمته ليزلى أيضًا، هو «لا زلتُ فى الظلام»، وهى يوميات احتفظت بها عن مرض والدتها بمرض ألزهايمر. يوميات دافئة ومضحكة فى بعض الأحيان عن تدهور حالة أمها وإقامتها فى المستشفى - «وأحيانًا بشعة»، تصحح إرنو. فى أحد المشاهد المبكرة، بينما يساعد أفراد الأسرة والدتها لدخول غرفة نومها، ترفع السيدة المسنة ساقها عالياً لتخطى طرف السجادة عمدًا كأنها تنزل فى حمام السباحة، وتضحك على عبثية المشهد مع الآخرين. تتشبث الأم بحقيبة أدوات الزينة كصورة لعدم ترك الأشياء تفلت من يديها. تتناول الرواية أيضا نوبات الغضب العشوائية. «بدا الأمر كأن كل آلام حياتها تطفو على السطح من جديد. فى المستشفى، كانت تصيح فجأة: «أنا أحاول جاهدة»، أو «لم يقدموا لى أى شيء لأتناوله». اعتادت أن تقول عن زوار النساء الأخريات اللائى شاركنها غرفتها: «لا تقلقوا عليهن، إنهن زبائن ونصفهن لا يدفعن».
« لذلك عاودت طفولتى الظهور، كيف كانت تساعد الناس فى مقهاها من خلال تقديم الطلبات على الحساب حتى يحصلون على رواتبهم. ما زلت لا أستطيع التفكير فى الأمر بدون تأثُر. »
مرت بلحظات بدت فيها والدتها بعيدة بينما بدت فى أخرى وكأنها تعرف كل شيء. انفصلت إرنو عن زوجها. تقول إرنو: «فى ذلك الوقت، كنت أعيش ما يمكن أن تسميه علاقة متقدة»، والتى لم تعرف والدتها عنها شيئًا. «ظهر بداخلى ذلك الخزى القديم العميق، إذ أن والدتى أرادت دومًا حظر كل نشاط جنسى. وفى لحظة غريبة حقًا، بعد أن قضيت ليلة مع ذلك الرجل، ذهبت لرؤيتها وقالت فجأة: «ألا تستحين؟ ».
دونت إرنو يومياتها للتعامل مع الأمر. «تصير اليوميات مخرجًا نمنحه لأنفسنا حين نُحبسُ فى أحداث الزمن الحاضر. هروبًا مؤقتًا، لكنه ساعدنى فى التعامل مع الموقف الذى كنت أواجهه. »
لقد تجاهلت اليوميات لسنوات دون أن تفتحها. «لم أرغب أبدًا فى نشرها، وفى أحد الأيام، كنت على وشك الذهاب فى رحلة إلى جامعة فى الولايات المتحدة، ورأيتُ أننى يجب على نقل الملاحظات المكتوبة بخط اليد إلى ملف ولا أعرف السبب. لم أرَهُ حينها بأى حال من الأحوال كتابًا فاحشًا، وهذا ما كنت أخشاه».
حين أصيبت بالألزهايمر، أخبرتها والدتها أخيرًا أنها حظيت بطفلين. كان هذا سر العائلة العظيم. كان لإرنو أخت ماتت بسبب الدفتيريا فى سن السادسة. تقول إرنو: «لقد أرادوا طفلًا واحدًا فقط، ولكن بعد وفاتها، قرروا إنجاب طفل آخر». اكتشفت الحقيقة وهى فى العاشرة، لم يشعر أحد أبدًا بالرغبة فى التحدث عن ذلك. «أنا طفل بديل، لم أكن لأولد لو عاشت أختى. هذا اكتشاف كبير. لم يكن واضحًا فى ذهنى، ومن خلال الكتابة، اتضح الأمر فجأة».
أحد كتب إرنو الأكثر مبيعًا مؤخرًا فى فرنسا، «صورة الفنانة فى شبابها» هو قصة التجارب الجنسية الأولى المقلقة لشابة فى الثامنة عشرة فى عام 1958، وفضح الفتيات الصغيرات من قبل أقرانهن. تقول إرنو، وهى ناشطة نسوية تساءلت ذات مرة عما إذا كانت ستموت «دون أن ترى ثورة النساء»، أنها شهدت تحولًا هائلاً بالنسبة للنساء فى فرنسا، باعتبارها شابة تبلغ من العمر 45 عامًا فى ثمانينيات القرن العشرين وعاشت بطريقة «شبه مستحيلة» فى خمسينياته». إنها تشعر أن معركة النساء من أجل المساواة فى الحقوق قد تقدمت خلال السنوات القليلة الماضية، لكنها لم تنته بعد. قبل عقد من الزمان، كانت تخشى ما شعرت به أنه «عودة إلى رؤية تقليدية، إذ كانت النسوية كلمة مَعيبة، ثم ظهرت #MeToo. قال الناس إن الأمر يبدو كأنها ظهرت من العدم ولكن هذا ليس صحيحًا. لقد ظهر جيل كامل من النساء فى العشرينات من أعمارهن تغيرت نظرتهن إلى الامتياز الذكوري».
تشعر إرنو أن السياسة «لا تنفصل عن الكتابة». تتعاطف مع المتظاهرين المناهضين للحكومة فى فرنسا. كانت صريحة حول ما تعتبره هوس فرنسا بالمسلمات اللائى اخترن تغطية رؤوسهن.
لسنوات، شعرت بأنها إذا نجحت فى الكتابة فستتمكن بطريقة ما من «الانتقام» لأهلها، وطبقتها الاجتماعية. «هذا الشعور بالانتماء إلى طبقة أدنى». تقول: «كنت الوحيدة فى عائلة أمى التى درست أكاديميًا، ومن ناحية والدى كان هناك ابن عم واحد درس التاريخ. لذا كانت الكتابة طريقة يمكننى من خلالها الوصول لشيء ما. ولكننى كنت مخطئة. اعتقدت أننى إذا كتبت، فسأنتقم لأهلى جميعًا، لكن لا، نجحتُ كفرد ببساطة. لاأكثر ولا أقل».
عن جريدة اخبار الادب