الطيّب صالح وموسم الهجرة إلى الشمال

Wednesday 19th of April 2023 02:12:39 AM ,
5414 (منارات)
منارات ,

د.عبدالله إبراهيم

تعرض رواية \”موسم الهجرة إلى الشمال\” للراحل \”الطيب صالح\” التوتّر العميق بين الشرق والغرب. ومن أجل بلورة هذه الفكرة لجأت الرواية إلى تقنيات سردية كثيرة لتجسيد هذا الموضوع الذي ظل أحد شواغل الرواية العربية منذ نشأتها الأولى،

لكن الطيب صالح أضفى على القضية طابعا مأساويا حينما غلّف العلاقة بين الرموز الحضارية بالعنف، والموت، فتخطّت الشخصيات مستواها النصي المباشر لتّتصل بمجالات الصراع المتوتّر بين الشرق والغرب.

جسّد مصطفى سعيد، بطل الرواية، طبيعة الاختلاف بين عالمين اصطرعا بكل الوسائل لقرون طويلة. وكان المؤلف قد أشار إلى أن هذه الرواية تطرح مشكلة \”الهوية\” أي\”مشكلة علاقتنا بالعالم الخارجي، خصوصاً أوربا، ومشكلة نظرتنا إلى أنفسنا\”. والمتن السردي للرواية يعنى بهذه القضية، من جانبها الأول، وهو علاقة \”الأنا\” بـ\”الآخر\” وعلاقة \”الأنا \”بنفسها وهو جانبها الثاني، فحكاية مصطفى سعيد تتصل بالجانب الأول، فيما حكاية الراوي تتصل بالجانب الثاني، إنهما وجها مشكلة \”الهوية\” التي جرى تمثيلها سرديا في هذه الرواية بأبعادها الموضوعية المتصلة بالآخر، وبأبعادها الذاتية المتصلة بـ\”الأنا\”. طرحت قضية الصراع في\”موسم الهجرة إلى الشمال\”على خلفية تاريخية عاصرت ظهور الرواية، وأثّرت فيها كموجّه خارجي، مثل حركات التحرّر، والتمرّد، والعنف المتبادل التي اندلعت في منتصف القرن العشرين، وخلال العقود اللاحقة ضد السيطرة الاستعمارية، وبخاصة في إفريقيا التي تشكل الفضاء العام الذي تتفاعل فيه الأحداث المتخيلة للرواية، وكان العنف بأشكاله المتعدّدة هو الوسيلة المهيمنة في الصراع بين المستعِمر والمستعَمر، إنه عنف زرعه الأول في نفس الثاني، أو أسهم في إيقاد شعلته؛ لأنه رأى أنه الوسيلة الوحيدة التي بها يتخلّص من المستعمِر. قال \”سارتر\” في تقديمه لكتاب \”فرانز فانون\”معذّبو الأرض\”- وهو شأن رواية الطيب صالح كُتب على خلفيّة نشاط حركات التحرّر الوطنية، ولا يفصل بين صدورهما إلا سنوات قليلة- \”إن علائم العنف لا يستطيع لينُ أن يمحوها، فالعنف وحده هو الذي يستطيع أن يهدمها؛ ذلك أن المستعمَر يُشفى من عصاب الاستعمار، بطرد المستعمِر من أرضه بالسلاح، فهو حين يتفجّر غضبه يستردّ شفافيته المفقودة، بذلك يعرف نفسه بمقدار ما يكون قادراً على صنعها\”ذلك أن\”فانون\”نفسه قد افتتح كتابه بالقول\”إن محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائما\”. استثمر مصطفى سعيد مفهوم العنف، واستخدمه كفعل فردي، وكممارسة جنسية ثأرية تتنكر وراء إشباع رغبات غامضة لها دلالات متموّجة، لكنه عنف يريد به الشفاء من جرح. وكل ألفاظ العنف، وما يتصل به من دلالات تتكرر كثيرا في حديث مصطفى سعيد، وتزداد أهميتها في وصف علاقته بالنساء الأوربيات، وما أن يبلغ ذروة ثأره بقتل جين مورس، إلا ويخلو الخطاب من كل ماله علاقة بالعنف.في الغرب شعر مصطفى سعيد بأنه الغازي الذي انتشي بنصره لأنه ردّ العنف بالعنف، فبلغ الأمر حدّا تماهى فيه مع شخصية كتشنر، لكنّه سرعان ما استجمع سلسلة الممارسات العنيفة التي ألحقها \”الأوربيون\” ببلاده وحضارته.

استعاد مصطفى سعيد شفافيته بممارسة العنف؛ لأنه كافأ العنف بالعنف، فرحلته الفردية إلى\”الشمال\”كانت مدفوعة بهاجس الثأر العنيف، وهي ردّة فعل للتورط الغربي الجماعي في السيطرة على بلاده، وخفض قيمته الإنسانية، وإقصاء فعله الحضاري. لاحظ \”إدوارد سعيد\” أن مصطفى سعيد يقوم بدور معاكس لما قام به \”كورتز\” في رواية \”قلب الظلام\” لجوزيف كونراد، فكوارتز\”يرحل إلى\”الأقاليم السوداء\”فيما يرحل مصطفى سعيد إلى”الأقاليم البيضاء\”. وهذا ليس الفارق الوحيد بينهما، إنما الفارق المهم هو أن الأول شأنه شأن\”روبنسن كروزو\” في رواية “ديفو” يرمز إلى الرجل الأبيض الذي يؤمن بنسق من القيم الفكرية والدينية والأخلاقية التي توظّف لإنقاذ \”الآخر\”من خموله وتخلّفه، وتحت الوهم الخادع بتغيير وضعية \”الآخر\” يتم تطبيق برنامج السيطرة الاستعمارية بوجوهه الثقافية السياسية والاقتصادية، أما الثاني فلا يسكنه هاجس التفوق، إنما هو يدفع بالعنف عنفا كان اختزله إلى كائن سلبي، فرحل طالبا بالثأر في عقر دار الغازي الأصلي، كان يريد أن يردّ على أولئك الذين أرادوا مسخه حينما علّموه كيف يذعن لهم ليقول \”نعم\” بلغتهم. أصبح الغرب بالنسبة لمصطفى سعيد تجربة ذهنية راح يستعيدها منفردا لوحده، حينما يعود متعبا من مزرعته في السودان، فجعل ما تبقى من حياته مكرّسا للهروب من \”حالة\” الغرب، والاتصال سرا بذكراه، وعلى نحو مماثل بالضبط لما كان يقوم به في غرفته \”اللندنية\” ولكن بمعاني مختلفة تماماً، وهنا يدخل المكان ليعمّق المنحى الرمزي للأحداث، ولشخصية مصطفى سعيد على حدٍ سواء؛ فغرفته اللندنية فضاء شرقي في قلب الحاضرة الغربية، وغرفته السودانية فضاء غربي في عمق الشرق، والغرفتان وظّفتا في النص لغايتين مختلفتين.