ما هو سر إستقالة الشبيبي من وزارة الصدر عام 1948؟

Sunday 14th of May 2023 10:47:48 PM ,
5428 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

د. علي عبد شناوة

قدم الشيخ محمد رضا الشبيبي استقالته من وزارة محمد الصدر التي اعقبت سقوط وزارة صالح جبر في وثبة كانون الثاني 1948، مع العلم انجازتها لم تكن قليلة قياسا بغيرها، لكنه اختلف معها بصدد الانتخابات النيابية.

فقد استصدرت الوزارة ارادة ملكية بتاريخ الثاني والعشرين من شباط 1948 تقضي بحل مجلس النواب القائم استجابة لشعار القوى الوطنية المطروح على الساحة، ووعدت باجراء انتخابات حرة. لكن الوزارة التي كانت في الاصل انتقالية قلقة، لم تستطع ان تبر بوعدها، فقد تمت الانتخابات الجديدة في الخامس عشر من حزيران سنة 1948 وسط جو مشحون بالتدخل السافر في العديد من المناطق الانتخابية، رافقته حوادث دموية غير قليلة، مما دفع عددا من الوزراء الى تقديم استقالاتهم من مناصبهم الوزارية، كان الشبيبي احدهم.

يكتتف موضوع استقالة الوزراء بعض الغموض، ووردت اول اشارة الى استقالة الوزراء في صحيفة (الشعب) بتاريخ الثامن والعشرين من ايار 1948 اذ اعلنت ((ان وزير الشؤون الاجتماعية (داود الحيدري) قد قدم استقالته، وانه مصر عليها، وان وزراء الخارجية (حمدي الباجة جي)، والمعارف (محمد رضا الشبيبي)، والتموين (محمد مهدي كبة) يفكرون هم ايضا بالاستقالة، او انهم قدموها فعلا)).

اما مؤرخ الوزارات العراقية فقد ابقى الموضوع معلقا، اذ نشر نص استقالة وزير التموين رئيس (حزب الاستقلال) محمد مهدي كبة الذي قدمها في السابع من حزيران، ويشير الى ان استقالته قبلت، وصدرت ارادة ملكية تقضي باسناد منصب وزارة التموين بالوكالة الى وزير المالية صادق البصام من دون ان ينشر نص الارادة على غير عادته. اما بخصوص استقالة داود الحيدري فانه يقول (وقد ظفرنا بنص استقالة وزير الشؤون الاجتماعية)، ثم ينشر نص الاستقالة التي تحمل تاريخ السادس والعشرين من ايار 1948 من دون ان يشير الى قبولها، ولا الى اية ارادة ملكية تخص ذلك، او تقضي بتعيين بديل عنه وكالة، او اصالة، وذلك ايضا على غير عادته، فيما لم يشر بالنسبة لاستقالة الشبيبي سوى الى ما ورد عنها ضمنا في صحيفة (الشعب).

عثرنا على استقالة الشبيبي، من وزارة محمد الصدر، ضمن اوراقه الخاصة المحفوظة لدى (المجمع العلمي العراقي) وهي بخط يده، وتحمل تاريخ التاسع من حزيران سنة 1948، هذا نصها:

(صاحب الفخامة السيد محمد الصدر رئيس الوزراء المحترم، بعد التحية. يؤلمني جدا ان احيط فخامتكم علما بانه بات من المتعذر استمراري على تحمل المسؤولية بعد المناقشات التي جرت اخيرا في مجلس الوزراء في صدد الانتخابات النيابية التي لازمها الغموض من مبتداها الى منتهاها، فوجهت اليها المطاعن، وكثرت الاقاويل كما اجهضت جميع المساعي المبذولة من اجل اتباع سياسة صريحة تلائم الظروف الراهنة، وتنطبق على مقتضيات المصلحة العامة في اجراء الانتخابات. ولم يبق عندي ادنى شك في ان هناك تدخلا فعليا في شؤون انتخابات طبق خطة مدبرة، من جملة اغراضها مقاومة المجاهدين المناضلين في سبيل كرامة البلاد واستقلالها، ومن بين اهدافها مكافحة فريق من زملائنا اعضاء الجبهة الدستورية ومعاضديهم، ولا سبب لذلك الا جراتهم ومواقفهم الوطنية المشرفة، والانكى من ذلك ان تقضي تلك الخطة المدبرة بتشجيع الاغبياء الجاهلين على منازلة ابناء البلاد المخلصين في الميدان، كان الوزارة المسؤولة اصبحت اداة، او مطرقة للرجوع بالبلاد القهقري، واعادة ما كان الى ما كان من بواعث السخط والالم واليأس في نفوس ابناء العراق.

ويؤسفني ان تذهب كل جهودي عبثا في احباط هذه الخطة المدبرة التي جرت بموجبها الانتخابات النيابية وان يتعذر علي الاستمرار في تحمل تبعة هذه الانتخابات، لذلك اجدني مضطرا الى تقديم استقالتي من عضوية مجلس الوزراء راجيا اجراء ما يلزم لقبولها، هذا ولا يسعني في النهاية الا ان اشكر فخامتكم ولبقية الوزراء ما لقيته من عطف وتأييد في ما يتعلق بالمقترحات الخاصة بوزارة المعارف راجيا لفخامتكم وللجميع مزيد التوفيق. 3 شعبان 1366 – 19 حزيران 1948. محمد رضا الشبيبي وزير المعارف)).

لم نعثر على اي دليل تاريخي قاطع يبين موقف رئيس الوزراء، او البلاط من استقالة الشبيبي، وقد يكون ذلك مرتبطا بحالة التخطيط التي كانت الوزارة تعيشها، ولاسيما بسبب الاحداث المتفاقمة التي رافقت الانتخابات، ولان الوزارة نفسها عموما كانت مقبلة على الاستقالة، فان بقاءها في الحكم كان مرهونا فقط بانجاز الانتخابات، فلقد قدمت استقالتها فعلا الى الوصي الامير عبد الاله بتاريخ السادس عشر من حزيران 1948، وقبلت في الثالث والعشرين منه، اي بعد افتتاح المجلس الجديد بيومين فقط. ولكن الغريب في الامر هو ان الصحف لم تنشر نص استقالة الشبيبي، مع العلم ان (الزمان) كانت تولي كل ما يتعلق بالشبيبي اهتماما كبيرا للغاية، ثم ان الشبيبي نفسه كان مهتما باطلاع الرأي العام على جميع مواقفه وارائه.

واخيرا يؤخذ على الشبيبي في كل الاحوال، ان يتاخر عن زملائه الاخرين في تقديم استقالته، فانه لم يكن من النمط الذي يتحمل الانتهاكات الفظيعة التي وقعت ايام الانتخابات، ولا نميل الى تسويغ موقفه من زاوية علاقته بشخص رئيس الوزراء الصدر.

ابدى الشيخ محمد رضا الشبيبي اراء محددة في ما يخص طبيعة مجالس الوزراء العراقية في العهد المكلي، ويرى بانها مرت بثلاث مراحل، افضلها عهد الملك فيصل الاول الذي زامن سنوات الانتداب، ففي ذلك العهد كانت مجالس الوزراء تؤلف على وفق احكام الدستور، وكان للسلطة التشريعية دورها، ووزنها، وصوتها المسموع في الوزارة التي كانت تحس بنفسها مسؤولة فعلا امام مجلس النواب، في ما شهدت المحلة الثانية، التي تبدأ مع الاستقلال، تهميش دور البرلمان الرقابي بعد تفاقم تدخل الوزارات في العمليات الانتخابية، الظاهرة التي اخذت تتفاقم من يوم الى آخر اكثر فاكثر. اما المرحلة الثالثة والاخيرة فانها تبدا في نظر الشبيبي، بالاحتلال البريطاني الثاني في اثر قمع انتفاضة مايس 1941، وقد اتسمت بتدخل البريطانيين المباشر في امر اختيار اعضاء مجلس الوزراء، والهيئات الاخرى احيانا.

في رأي الشبيبي بدا مجلس الوزراء يعاني، في المرحلة الاخيرة، مرضا آخر هو استيزار الاخصائيين، او الجامعيين، بينما الوزارة مهمة سياسية، وللاخيرة رجالها باعتقاده انتقد الشبيبي ظاهرة استيزار الجامعيين داخل اروقة مجلس النواب حين قال:

((يعمدون في كل وزارة تؤلف، او في كل ازمة الى استيزار اربعة، او خمسة من الموظفين الاخصائيين، او الجامعيين الذين يشغلون وظائفهم بجدارة وكفاءة تحتاج اليها البلاد كل الاحتياج، فيوجهونهم نحو القضايا السياسية، وليس مجلس الوزراء إلا مجلس من المجالس السياسية)).

وعلى عكس العديد من الوزراء غير المبدئيين لم يتغير نهج الشبيبي في اي من الوزارات الخمس التي اشترك فيها، لذا يصعب رسم خط فاصل بين مواقفه السياسية، وطروحاته الفكرية بصددها سواء كان في الحكم، ام خارجه.

عن رسالته (الشبيبي ودوره السياسي والفكري).