من حوادث الحرب العالمية الأولى..هكذا إنتهى العهد العثماني في البصرة

Sunday 2nd of July 2023 11:53:11 PM ,
5459 (ذاكرة عراقية) (نسخة الكترونية)
ذاكرة عراقية ,

د. حميد حمدان

بناء على توجيه الحكومة البريطانية، في اليوم الثاني من شهر تشرين الأول سنة 1914، صدرت الأوامر في الهند، بعد يومين بتعبئة لواء المشاة السادس عشر من الفرقة السادسة الهندية (بونا boona) كي يتوجه إلى الخليج العربي ومنه إلى شط العرب،

وتقرر إن تكون حركته في اليوم العاشر من الشهر نفسه، ورمز للحملة بالحرف (D) وضمت تعليمات الحملة الرسمية التي سلمت للعميد ديلامين، في اليوم المذكور، حماية المصالح البريطانية في أعلى الخليج العربي ودعم الشيخ خزعل وخطط الحركات العسكرية في العراق وقد نصت على احتلال البصرة والسيطرة على شط العرب، وزود القائد البريطاني بمعلومات إضافية عن العراق، في الجوانب المختلفة، فضلاً عن تخمينات جيدة للقوات العثمانية في العراق، الأمر الذي جعله على بينة كافية بمهمته.

غادرت الحملة الهند على قسمين، الأول من ميناء بومباي الهندي، في 16 \ تشرين الأول 1914 والآخر بعد يومين منطلقاً من ميناء كراجي (في باكستان حالياً) ولم يعلن عن وجهة الحملة إلا في اليوم العشرين من الشهر نفسه، حين أبلغت الوحدات أنها متوجهة إلى البحرين وقد وصلت بعد ثلاثة أيام حيث أبلغت بأمر من قيادة البحرية، بالبقاء بسفنها واستغلت الوقت بالتدريب على الإنزال. بينما شيع البريطانيون في الوقت نفسه، خير وصول قواتهم لتحقيق تأثير معنوي على سكان الخليج العربي وللتأكد على دعمهم لأصدقائهم من شيوخ المنطقة.

أبلغت الأوامر العسكرية النهائية إلى أجزاء القوات البحرية والبرية، في 1 / 11، وتقرر في اليوم التالي، في اجتماع عسكري عقده القائد ديلامين مع ضباط قيادته، إيفاد الرائد راد كليف إلى الكويت للحصول على معلومات عن المكان المناسب للإنزال في الفاو وفي الوقت نفسه تحركت القوات من البحرين إلى سد الفاو، وقد وصلته في مساء يوم 3 / 11، وحين عاد راد كليف في صباح اليوم الخامس من الشهر نفسه نقل إلى ديلامين معلومات عن الحشد العثماني ولم يوافق ديلامين على مقترح الشيخ بالإنزال غرب الميناء بل رأى إن يكون الإنزال جنوب الفاو.

بدأت الخطوة الأولى، في خطة الحرب في يوم 5 / 11 حين تقدمت السفن النقلية الحربية إلى داخل سد الفاو، وأعلنت في الوقت نفسه، أوامر العمليات الحربية لليوم التالي، والفت قوة الإنزال وحددت مهماتها واصدر سير برسي كوكس، الضابط السياسي المصاحب للحملة، البيان السياسي الرابع، الذي يسير في سياق البيانات السابقة في الدفاع عن وجهة نظر حكومته وإلقاء تبعة الحرب على العثمانيين، وحول تهدئة المواطنين وتعهد بحمايتهم شريطة إن يتخلوا عن (الأتراك) ومنع حملهم للسلاح أثناء تجوالهم.

كان أول عمل حربي خطته بريطانيا ضد العثمانيين، في فجر يوم 6 / 11 حين أنزلت مجموعة من جندها عند سيحان قطعت خطي البرق والهاتف بين البصرة والفاو لتعزل الأخيرة عن القوات الرئيسة في البصرة.

احتلال الفاو

تقدمت البحرية البريطانية باتجاه الفاو، في حدود الساعة السادسة من صباح اليوم السادس من شهر تشرين الثاني سنة 1914 واشتبكت مع القوة العثمانية المحتشدة في الفاو، في حدود الساعة العاشرة صباحاً، ورغم المقاومة الكبيرة التي أبدتها القوة العثمانية الصغيرة المتمركزة في المنطقة، استطاع البريطانيون إسكات نيرانها والسيطرة على الموقع بعد ساعة من الاشتباك، واخذوا بالإنزال بالقرب من محطة البرق... وبذلك تحققت الخطوة الأولى للاحتلال ونتيجة لقطع الاتصال البرقي بين القوة العثمانية المتقدمة وقيادتها في البصرة، نجد إن هذه القيادة لم تعلم بسقوط الفاو إلا في اليوم التالي عن طريق السكان الذين هجروا المنطقة.

خطوات الاحتلال

خاض البريطانيون ثلاث معارك مع العثمانيين في طريقهم إلى البصرة، وهي معركة السنية ومعركة سليمان ومعركة سهل (كوت الزين). وقد دارت المعركة الأولى في صباح يوم 11 / 11 عند منطقة السنية، وقد خسرها العثمانيون وانسحبوا شمالاً إلى منطقة سيحان، حيث كانت المعركة الثانية، في صباح يوم 15 / 11، وقد تراجع بها العثمانيون اثر خسارتهم إلى بلدة سهل في منطقة كوت الزين، حيث كان الصدام العسكري في 17 / 11 وقد تقدمت القوات البريطانية إلى أمام وضمنت حماية تامة إلى للمحمرة وحقول النفط في عربستان، ولم يعد للعثمانيين من قوة عسكرية مؤثرة في المنطقة سوى صغيرة كانت ترابط عند البلجانية، وهي المنطقة التي اغرق فيها العثمانيون ثلاث سفن منذ أيام التعبئة المبكرة، في شهر آب ـ بقصد غلق الشط وعرقلة التوغل البريطاني، ولكن هذا العائق لم يكن في واقع الحال، بالكفاءة المنتظرة منه، لأنه ترك ثغرة في النهر تبلغ سعتها (50) ياردة (أي 45 متراً) كما إن العثمانيين لم يزرعوا منطقته بالألغام، وفضلا عن هذا وذاك معنويات القوة العثمانية ضعيفة بتأثير الخسائر المتكررة ولذلك نجدها لم تصمد أمام أول تعرض قامت به السفينة الحربية (اسبيكل) في 19 / 11، حين أطلقت النار عليها فتراجعت إفراد القوة العثمانية بشكل مضطرب.

الانسحاب العثماني من البصرة

نتيجة لهذه الهزائم ولموقف القوات العثمانية الضعيف بدأ العثمانيون الانسحاب من البصرة في ليلة 19 ـ 20 / 11 / 1914، بطريقي القرنة والناصرية، وقد بدأت مغادرة القوات العثمانية، مع المأمورين في الليلة نفسها وصباح اليوم التالي، وقد تركت البصرة بدون أي سلطة إدارية رسمية، الأمر الذي عرضها للكثير من الاضطرابات الأمنية، وقد دعا ذلك رئيس البلدية صالح بك آل عبد الواحد وعدد من كبار الملاك إلى تأليف قوة محلية مؤقتة للحفاظ على الأمن في المدينة.

وقد علم البريطانيون بالانسحاب العثماني من خلال الشيخ خزعل ليلة 20 / 11 / 1914، وفي صباح اليوم التالي توجه جماعة بينهم رئيس البلدية واحد كبار الجار ويدعى محمد آغا جعفر كازروني مع السيد توملسن وكيل محل حوك الأميركي والسيد ويلسن وكيل محل بريتش انديا البريطاني، في سفينة صغيرة إلى منطقة العائق النهري حيث أكدوا للبريطانيين بالانسحاب العثماني وعرضوا لهم حالة الاضطراب التي تسود البصرة وعلى الأثر تحركت السفن البريطانية (اسبيكل وأدون) نحو البصرة، وقد وصلتا في الساعة الخامسة والنصف مساءاً.

وأعلن رئيس البلدية، حينذاك عن مجيء البريطانيين إلى البصرة وعلى الرغم من إن عدداً من الجنود البريطانيين نزلوا إلى المدينة في حينه، إلا أنهم عادوا إلى سفنهم في الليلة نفسها وكان نزولهم بشكل كبير في ليلة (22تشرين الثاني) الذي وصلت فيه القوات البريطانية الزاحفة براً، وجرى احتلال المراكز الرسمية فيها ورفع العلم البريطاني عليها. واسر القنصل الألماني وكاتبه وأربعة من الألمان وسفروا إلى الهند.

لقد كان الدفاع العثماني عن البصرة دفاعاً ضعيفاً اتسم بضعف التحشيد وكذلك نقص التجهيزات وضآلة المعلومات المتوفرة لدى القيادة العثمانية سواء ما يتعلق منها بالأراضي العراقية التي كانت تحارب عليها ـ من خرائط وغيرها ـ وما تعلق بالقوات البريطانية الزاحفة، وقد أضاع هذا عليها الدقة المطلوبة في تقدير حجم القوات المقابلة اللازم توفيرها والوسائل التي تحتاجها في البر والنهر وكذلك قلل من صحة تقديراتها لحجم القوات البريطانية المهاجمة ونظراً لكثرة أعوان البريطانيين في المنطقة ولاسيما الشيخ خزعل ـ شيخ المحمرة ـ وجدنا إن البريطانيين كانوا يحصلون على المعلومات العسكرية اللازمة عن الجانب العثماني، بشكل اقرب ما يكون إلى الحقيقة. ولقد عزز البريطانيون قواتهم التي أنزلت في الفاو (في 6 / 11) بقوات إضافية تحركت من الهند في الأيام الثلاثة التالية للإنزال على إن تجهز بقوات أخرى تلحق بها بعد ذلك وقد وصلت التعزيزات إلى شط العرب في 13/11 بقيادة الفريق آرثر باريت Sir A. Anold Bbarrett قائد الفرقة السادسة الهندية. وتولى القيادة حين وصوله.

دخل الفريق باريت البصرة رسمياً، صباح اليوم الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني سنة 1914، واستعرضت القوات البريطانية في شوارع البصرة وانتهت إلى مكان عند جسر العشار، حيث دعي كبار الشخصيات البصرية المتنفذة اقتصادياً واجتماعياً، وقد رفع العلم البريطاني، وألقى نعوم عبو، مترجم القنصلية البريطانية السابق (بعد إخراجه من السجن العثماني) خطاباً سبق وان أعده سير برسي كوكس، وهو يؤكد المضامين السابقة ذاتها للبيانات البريطانية، وطلب تعون الجمهور ووعد بحرية الحياة والعبادة وندد بالسلطة العثمانية وحملها كل أوزار البصرة في الحرب.

عن كتاب: البصرة في الحرب العالمية الاولى