من حياة الزعيم عبد الكريم قاسم الخاصة

Sunday 2nd of July 2023 11:55:25 PM ,
5459 (ذاكرة عراقية) (نسخة الكترونية)
ذاكرة عراقية ,

المقدم قاسم الجنابي

مرافق الزعيم الخاص

طعامه

كان الطعام الذي يتناوله يعد من المطبخ الملحق بمكتبه في مبنى وزارة الدفاع، وفيما عدا ذلك كان الطعام يأتيه معداً داخل (سفرطاس) من بيت شقيقه حامد او احدى شقيقتيه، اما عندما كان مجلس الوزراء يجتمع ليلاً برئاسته في مبنى وزارة الدفاع وتصادف ان تطول جلسات الاجتماع

فقد كان المجتمعون يتناولون طعام العشاء الذي كان احد افراد الانضباط العسكري يقوم بجلبه من احد مطاعم الكباب الشعبية المنتشرة في ساحة الميدان قرب مبنى الوزارة دون ان يدر في خلدنا اتخاذ اي ضوابط او احترازات مانية إذ كان بامكان صاحب المطعم او احد العاملين فيه تسميم الطعام وقتل الزعيم ووزرائه وبالتالي القضاء على الحكومة كلها.

ملابسه

كان الزي العسكري (الخاكي) هو الزي المفضل لديه واللون الاصفر كان لونه المفضل، وقد قاد ثورة 14 تموز وهو يرتدي الزي العسكري ولاقى وجه ربه بالزي نفسه، وعلى ذكر ازيائه اتذكر انني عندما عدت الى العراق اواخر عام 1962 بعد ان امضيت في بريطانيا مدة عشرة اشهر شاركت خلالها في دورة الاركان جلبت له من هناك بعض الملابس كهدايا ومنها ملابس نوم كانت مصنوعة من الحرير الطبيعي لكن لم يتسن له ارتدائها فبقيت محفوظة في خزانة ملابسه بجناح سكنه في مبنى وزارة الدفاع، والغريب انه بعد استشهاده في ظهيرة يوم 9 شباط استغل الانقلابيون ذلك محاولين التشهير به حيث عرضوا تلك الملابس على الصحفيين الاجانب مدعين ان الزعيم كان يعيش حياة البذخ والترف مشيرين الى ان اقمشة ملابس نومه كانت مصنوعة من الحرير.

زواجه

ما اعرفه حول هذا الموضوع هو انه عندما كان برتبة مقدم ركن اراد الزواج من فتاة كانت معلمة في احدى المدارس ومن اسرة عراقية معروفة، وكان هو يومها ضابطا عسكريا ضمن قطعات الجيش العراقي المشارك في حرب فلسطين انذاك، وحسب علمي ان الفتاة المذكورة لم ترغب بالزواج من رجل عسكري تتطلب ظروف عمله الابتعاد عن البيت والاسرة، ونتيجة ذلك أجل هو فكرة الزواج انذاك، اما بعد توليه زعامة العراق فقد انشغل كليا بمسؤولية ادارة البلاد وتخلى عن فكرة الزواج.

حلاقه الخاص

كانت حياة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم تتسم بالبساطة وتبتعد عن مظاهر البذخ والترف المعهودة في حياة الرؤساء والحكام، وعلى سبيل المثال انه بعد توليه زعامة العراق لم يغير حلاقه الذي كان اسمه عبد الرحمن ومحله في شارع الرشيد قرب ساحة حافظ القاضي، فقبل قيام الثورة كان الزعيم زبوناً قديماً لهذا الحلاق الذي اصله من مدينة مندلي حيث كان يتردد عليه في محله لحلاقة شعر رأسه كلما قدم من جلولاء الى بغداد خلال اجازاته الاعتيادية وبعد قيام الثورة ظل الحلاق نفسه يزور الزعيم في مبنى وزارة الدفاع ويقوم بمهمة الحلاقة له هناك.

وعلى ذكر اسم هذا الحلاق فقد كان للزعيم صديق قديم اسمه (حسن التتنجي) يمتلك محلاً لبيع التبوغ قرب محل الحلاق المذكور وكان الزعيم يزوره قبل قيام الثورة ويجلس عنده احياناً في محله خلال اجازاته الاعتيادية التي كان يقضيها في بغداد.

وشاء القدر ان يتوف صديقه هذا في يوم 18 تموز 1958 اي بعد مضي اربعة ايام على قيام الثورة وعندما علم الزعيم بذلك حضر شخصياً مجلس الفاتحة على الرغم من مشاغله الكثيرة والظروف الحساسة التي كانت تمر بها البلاد في تلك الايام.

مع أشقائه

كان حامد قبل قيام ثورة 14 تموز يعمل في مجال تجارة الحبوب ويتواجد في محل عمله بشارع السموأل في بغداد، وصادف خلال الاشهر الاولى لقيام الثورة ان زار حامد شقيقه الزعيم في مبنى وزارة الدفاع بعض المرات مما حدا بالزعيم ان يطلب منه التقليل من تلك الزيارات لانه كان يرى ان مثل هذه اللقاءات بينهما يجب ان تتم في البيت وليس في الدوائر الحكومية واثناء الدوام الرسمي وعلى اثر ذلك انقطع حامد عن القيام بتلك الزيارات ولم يعد يأتي الى مبنى وزارة الدفاع.

والغريب انه بعد انقلاب 8 شباط 1963 جرى اعتقال حامد بتهمة استغلال نفوذه خلال حكم شقيقه الزعيم لتحقيق منافع شخصية وبقى في المعتقل نحو عامين ثم اطلق سراحه دون ان تثبت عليه التهمة لانها كانت باطلة اساساً وكان الانقلابيون يريدون من خلالها الاساءة اليه والى الزعيم ليس اكثر. اما شقيقه الاصغر عبد اللطيف قاسم - كان عبد اللطيف يعمل نائب ضابط في الجيش قبل قيام الثورة ويسكن داراً صغيرة في منطقة تل محمد ببغداد وقد استمر في عمله في الجيش وبقي يسكن الدار المذكورة طوال مدة حكم الزعيم، ولم يكن عبد اللطيف يأتي الى مبنى وزارة الدفاع الا خلال مناسبات الاعياد حيث كان يقدم التهاني للزعيم وقد احيل عبد اللطيف على التقاعد بعد مضي مدة على انقلاب 8 شباط 1963.

سرعلاقته بالصحفي يونس الطائي

كان يونس الطائي صاحب جريدة (الثورة) البغدادية السياسية اليومية يحب الزعيم لدرجة تفوق التصور وكان من اشد مناصريه وبالمقابل كان يحظى بالتقدير من لدن الزعيم، وقد عبر الطائي عن اخلاصه ووفائه للزعيم عندما جازف بحياته وتمكن من الوصول الى مبنى وزارة الدفاع مساء يوم 8 شباط 1963 اثناء احتدام القتال بيننا وبين الانقلابيين حيث اقترح على الزعيم وبأصرار القيام باجراء المفاوضات مع قادة الانقلابيين في محاولة منه لانقاذ حياة الزعيم. وتوجه لهذا الغرض الى دار الاذاعة في الصالحية حيث مقر الانقلابيين ثم عاد الينا حاملاً ردهم بضرورة استسلام الزعيم تمهيداً لايقاف القتال بين الجانبين، وكان الطائي هو المدني الوحيد الموجود بيننا في تلك الساعات العصبية، وبعد ان تعثرت جهوده في انجاح المفاوضات اعتقله الانقلابيون وبقي قيد الاعتقال طوال الاشهر التي اعقبت انقلاب 8 شباط 1963 ثم اطلق سراحه.

رجل النظام القوي

ربما يجهل الكثيرون او ليست لديهم معلومات كافية بأن العميد الركن طه الشيخ احمد مدير الحركات العسكرية انذاك كان هو رجل النظام القوي لكن الزعيم قام بتحجيم دوره فيما بعد، فقد كان هذا الرجل مسيطراً على بعض اجهزة الدولة الحساسة ومن خلال نفوذه كان يتابع الانشطة والتحركات المعادية لمناوئي نظام حكم الزعيم من بعثيين وقوميين وغيرهم وكان هؤلاء يرتدعون خوفا منه وهم في بيوتهم!

واتذكر ان الزعيم استدعاه ذات مرة وسأله عن عدد الموقوفين لديه من البعثيين والقوميين فاجابه العميد الركن طه بأن عددهم يزيد عن (120) شخصاً فاجابه الزعيم بقوله: (عليك اطلاق سراحهم في الحال)، وكان ذلك ايذانا بنهاية نفوذ طه الشيخ احمد حيث تم بعدها تحجيم دوره وبقي مهمشا في وزارة الدفاع وحتى يوم مقتله الى جانب الزعيم في 9 شباط 1963، ان التسامح المفرط للزعيم مع خصومه من اعداء البلاد ونظام حكمه وكذلك اعتماده مبدأ (عفا الله عما سلف) و(الرحمة فوق القانون) كان احد الاسباب التي مكنت الانقلابيين من الاطاحة بنظام حكمه في 8 شباط 1963.

مجلة (الصوت الآخر) 2006