نجاح سلام... بصمة خاصة في كلّ أنواع الغناء

Tuesday 3rd of October 2023 09:41:16 PM ,
5521 (منارات) (نسخة الكترونية)
منارات ,

شادي علاء الدين

قد تكون نجاح سلام المطربة اللبنانية المعروفة التي فارقت الحياة مؤخرا عن 92 عاما آخر الفنانات اللواتي يثير خبر رحيلهن حزنا عربيا عاما وشاملا. ما إن انتشر خبر الرحيل حتى عمّت بيروت موجة حزن عارمة أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي والمحطات الإخبارية وكأن فقدا شخصيا وخاصا قد أصاب الناس في علاقتهم مع ذاكرة متراكمة وحميمية متناقلة من الأجداد، ومع ذاكرة جديدة حية وجارية تتمثل في ذلك اللقاء الدائم والمتجدّد مع أغانيها الحاضرة على الدوام داخل دائرة واسعة تضمّ مختلف أنواع الجماهير.

قدمت نجاح سلام كل أنواع الغناء بدرجة عالية من التمكن والبراعة واستطاعت أن تجمع بين الطربي والشعبي والحماسي والموال والقصائد والغناء باللهجتين اللبنانية والمصرية، تاركة إرثا يطاول كل محبي الغناء، ارتبط بعضه بمحطات بارزة في التاريخ العربي المعاصر وانتشر مع صعود السينما الغنائية في خمسينات وستينات القرن الماضي، كما ظهر قسم منه في قالب الغناء الروحي والديني الذي قدمته طوال مسيرتها واقتصرت عليه بعد اعتزالها الغناء العاطفي في التسعينات.

تنتمي نجاح سلام المولودة في 13 مارس/ آذار 1931 إلى بيئة تجمع بين الفن والصحافة والتدين فوالدها هو الملحن المعروف محيي الدين سلام، وعنه تلقت أصول الغناء وتدرّبت على إتقانه وشقيقها هو الصحفي عبد الرحمن سلام، كما أنها حفيدة أمين دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية عبد الرحمن سلام. بدأت الغناء مبكرا في الحفلات المدرسية قبل أن تتجه إلى مصر وتسجّل عام 1949 أغنيتها الأولى من كلمات وألحان إيلي المتني "حوّل يا غنام" على أسطوانات "بيضافون". عرفت الأغنية شهرة واسعة ونالت نجاحا فوريا ومباشرا شجّعها على متابعة تسجيل الأغاني فكانت ثاني أغنياتها "على مسرحك يا دنيا" التي سجّلتها في الإذاعة اللبنانية عام 1950.

كان لتلك النشأة المحافظة تأثير لجم انطلاقتها في بدايتها وحدّد خياراتها خصوصا مع انتشار موجة الفيلم الغنائي مطلع الخمسينات فكان أن اعتذرت عن إكمال بطولة فيلم "العيش والملح" عام 1949 لعدم توافقه مع تربيتها المحافظة، فقامت بدور البطولة مكانها الفنانة نعيمة عاكف.

لكنّ الأمر لم يستمر ولم يتسبّب بوقف مسيرتها الفنية وانطلاقتها السينمائية، بل على العكس من ذلك، استفادت من هذه الخصوصية لتقدّم سلسلة أدوار في أفلام خفيفة ظهرت فيها في هيئة الصبية المرحة وليست الحبيبة الملتهبة، نجحت في أن تخلق لنفسها صورة تتسم بالمقبولية والشيوع وفي أن تخرج أفلامها وأدوارها من دائرة النقاش الأخلاقي وتجعلها منتجا فنيا منتشرا ومقبولا ولا يمثّل حرجا ولا يثير نقاشات خلافية بل يتلقاه الجميع كما هو وضمن منطق يقوم على الاستمتاع الخالي من محمولات كبرى وقضايا عريضة.

انتمت أفلام نجاح سلام في طبيعتها ومنطقها إلى المرح والكوميديا البسيطة التي ينظر اليها الآن على أنها حاجة وضرورة قصوى، بعد أن صار كل منتج فني ولو كان منتميا في تصنيفه إلى الكوميديا يشحن رغما عنه بما لا يحتمله من إحالات تقضي على طابع البراءة والعفوية والسذاجة اللطيفة والمحبّبة التي كانت سمة الأعمال التي شاركت فيها، والتي تدافع عن فكرة المرح البريء والعفوي وتمثلها، والتي يحضر الغناء فيها بوصفه ذروة هذا النزوع ودفع له إلى حدوده القصوى.

من هنا قد يكون من الممكن القول إنها أول من عبر عن فكرة السينما النظيفة بشكل يغاير المنطق القمعي الذي يدعو إليه مطلقو هذا المصطلح حاليا. فالسينما التي قدمتها كانت بشكل من الأشكال سينما نظيفة ليس لخلوها من الأحضان والقبل والعناق والمشاهد الساخنة بل بسبب خلوها التام من الخبث الأيديولوجي والحذلقة الفنية وانتمائها إلى ذاتها وموضوعها.

كانت أدوار المراهقة أو الحبيبة الدلوعة أو غيرها من الأدوار التي طبعت مسيرتها تعرض جمالية البراءة والخفة وتقدمهما كمشروع حياة ينسجم مع الجو المحافظ الذي لم يكن يعبّر عن خلفية نشأتها البيروتية فحسب، ولكنه كان مزاجا عربيا عاما نجحت في مخاطبته والتفاهم معه والتعبير عنه وهو يغاير مفهوم التطرّف ويتناقض معه.

لذلك نجحت في أن تنتزع لنفسها ألقابا من قبيل ألقاب "صوت العرب" و"ساحرة العرب" التي لم ينلها غيرها من الفنانين، فهي تجسّد طبيعتها الشمولية التمثيل والتلقي، وتؤكد خصوصية فريدة في هذا الصدد.

كان أوّل أفلامها "على كيفك " مع النجمة ليلى فوزي عام 1952 وفي 1953 شاركت نجم الكوميديا الشهير إسماعيل ياسين بطولة فيلمي "ابن ذوات" و"الدنيا لما تضحك" وخاضت تجربة مع المطرب كارم محمود في فيلم "دستة مناديل" عام 1954، ليليه بعد عام فيلم "السعد وعد" وفي 1957 قدمت أحد أفلامها الأكثر شهرة وهو "الكمساريات الفاتنات".

في 1960 قدمت فيلم "عنتر يغزو الصحراء" وفي 1962 قدمت فيلم "مرحبا أيها الحب" ليليه "يا سلام عالحب" وكلاهما من إخراج زوجها محمد سلمان الذي ارتبطت به في العام 1955.

بعدها شاركت سعاد حسني وكمال الشناوي بطولة فيلم "سرّ الهاربة" وظهرت ضيفة شرف في "إنت عمري" عام 1964 و"الشيطان" في 1969، واقتصر حضورها على الشاشة الصغيرة في مسلسل تلفزيوني وحيد هو مسلسل "إنت الحب" الذي صدر عام 1976 وتشاركت فيه البطولة مع المطرب السوري فهد بلان.

وعلى الرغم من أن تجربة سلام السينمائية لم تكن عريضة واقتصرت على ما يقارب 15 فيلما، لكنها نجحت في أن تنتزع لنفسها مكانة خاصة في تاريخ الفيلم الغنائي العربي، حيث حملت تلك الأفلام قسما كبيرا من أغانيها الشعبية الشهيرة والمعروفة، إضافة إلى أنها كانت واحدة من أبرز من قدّموا أدوار الكوميديا الخفيفة في تلك المرحلة، والتي صارت نمطا تم العمل على تطويره وإعادة تقديمه بأشكال كثيرة لا تزال تشكل نوعا من الثيمة الأساسية التي يعاد العمل عليها بأشكال مختلفة وبأساليب جديدة.

في رثائهم لنجاح سلام التي منحت الجنسية المصرية عام 1974 تذكر المصريون أغنيتها "مصر يا أغلى اسم في الوجود" من كلمات إسماعيل الحبروك وألحان محمد الموجي التي أطلقتها إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

اللافت أن رصيد سلام الغنائي من الأغاني الحماسية المباشرة والعالية اللهجة يصل إلى حوالي 200 أغنية كان من أبرزها أغنية "أنا النيل مقبرة الغزاة" من ألحان الموسيقار رياض السنباطي وكلمات الشاعر محمود حسن إسماعيل، وقد بلغ انتشار تلك الأغاني ووقعها الحماسي درجة دفعت برئيس الأركان الإسرائيلي في تلك الفترة الى أن يطالب في إحدى جلسات الكنيست بـ "وقف هذا الصوت لأنه يهزّ عرش إسرائيل". وكذلك يضم أرشيفها أغنية "سوريا يا حبيبتي" التي تعتبر بمثابة النشيد الوطني الموازي للنشيد الرسمي السوري وقد قدّمت سلام هذه الأغنية بالاشتراك مع محمد سلمان ومحمد جمال بعد العام 1973.

هذا النوع من الغناء كان حماسيا وعالي النبرة ومباشرا وصاخبا في كلماته وفي لحنه وفي طريقة أدائه، وكأن صاحبته تشاء له أن يكون جزءا من المعركة ومشاركا فيه وهو يختلف عن مشاريع الغناء الوطني التي كانت قائمة في الخمسينات وحتى في مرحلة السبعينات، إذ أن المزاج الذي حمله جاء مغايرا للنكهة التي كان يمثلها عبد الحليم حافظ الذي يعدّ أبرز من قدّم هذا النوع من الغناء، ولكنه حاول أن يجعله متسقا مع أسلوبه الغنائي العاطفي العام ومتواصلا معه في نبرته ومنطقه، وكأنه كان يرغب في تقديم أغنية عاطفية بعنوان ثوري ووطني. غناء نجاح سلام كان ميدانيا ومنتميا إلى وظيفة هذا النوع من الغناء بشكل منضبط وصارم، يكاد يشعر من يسمعه أن المطربة لا يمكن أن تجيد نوعا آخر من الغناء أو أن تعبّر عن نمط مغاير من المشاعر.

مسار سلام الغنائي المتشعب والرحب يُشعر المتلقي بأنه أمام مراحل فنية شاملة وليس أمام شخصية واحدة، فخلافا للغناء الحماسي كانت قد دخلت عالم الرحابنة الذين لحنوا لها قبل أن يلحنوا لفيروز وانتقلت إلى الرقة والغنج في مجموعة أغان شهيرة مثل "برهوم حاكيني" و"الشب الأسمر جنني" من كلمات يوسف صالح وألحان فيلمون وهبي، وقدمت غناء شجيا وصعبا في أغنية "غزالي" من ألحان عفيف رضوان.

في "عايز جواباتك" من كلمات حسين السيد وألحان رياض السنباطي دخلت إلى منطقة التطريب، واقتحمت عالم بليغ حمدي المشحون بالتعبير العاطفي والبناء الإيقاعي بأغنيات من قبيل "حاسب ما تلمنيش" و"على إيه حاسديني" من كلمات عبد الوهاب محمد وأغنية "لما بتنام المدينة" من كلمات علي سليمان.

مع سامي الصيداوي أطلت على مناخ رحب شعبي وطربي مع أغان مثل "يا جارحة قلبي" و"ميل يا غزيل". وخلال كل هذه التجارب الغنائية لم تتوقف عن تقديم المواويل والميجانا كما كان لها ثنائيات مع زوجها محمد سلمان ومع وديع الصافي وتجارب مختلفة مع ملحنين سوريين مثل سهيل عرفة وشفيق شكري. ولم تتوقّف طوال مسارها الغنائي عن تقديم الابتهالات والأغاني الدينية وأبرزها "يا ملاذ الغريب" و"سبحان علام الغيوب" و"يا أمة الإسلام" و"يا مرحبا شهر الهدى" و"أتينا لبابك خاشعين".

في قراءة تجربة نجاح سلام تتكرر في أوساط الباحثين مقولة أن كل ما قدمته بقي أقل من حجم قدراتها الفعلية، وربما قد تكون قد انتبهت لهذا البعد الذي رافق مسيرتها فعملت على تسجيل أغاني أم كلثوم في مرحلتها الذهبية التي امتازت فيها بقدراتها الاستثنائية وأدائها الإعجازي بطريقتها الخاصة فقدّمتها بسلاسة وخصوصية تصعب مضاهاتهما.

ويسجل لها أنها وعلى الرغم من تعاونها مع كبار الملحنين لكنها لم تصبح أسيرة أو بنت مدارسهم، فقد بقيت مستقلة عن النطق باسم تيار أو التعبير عن نموذج أو مشروع واضح المعالم، وهاربة من شراك المدرسية والمؤسساتية.

كان الملحنون المصريون يقدمون لها ألحانا تعكس تجاربهم مع غيرها من المطربين ويمكن تلمس ذلك في ألحان السنباطي وبليغ حمدي، لكن تجربتها الشعبية اللبنانية مع الصيداوي وفيلمون وهبي قد تكون التعبير الأبرز عن خصوصيتها، لأنها قدمت فيها صيغة خاصة ومميزة لم ينجح الملحنون في تكرارها مع سواها. من يطلع على ألحان فيلمون لفيروز ويقارن بينها وبين ما قدمه لنجاح سلام يعثر على تجربة فريدة قد تكون الشاهد الأبرز على قدرة نجاح سلام على جر الملحنين إلى مناطق مميزة أنتجت ذلك الشعبي الشجي والمتماسك والذي يحضر باستمرار وكأنه لم يغب يوما أو كأنه الجديد المطلق.

· عن مجلة المجلة