يون فوسه كاتب القلق الوجودي وتناقضات الحياة

Tuesday 10th of October 2023 10:28:07 PM ,
5526 (منارات)
منارات ,

مارلين كنعان

منحت الأكاديمية السويدية مؤخرا جائزة نوبل للآداب لعام 2023 للكاتب والقاص والشاعر والمؤلف المسرحي والروائي والمترجم النرويجي يون فوسه عن "مسرحياته المبتكرة ونثره الذي يعبر عما يعجز العامة عن قوله". وجاء في حيثيات قرار الجائزة، أن فوسه استحق هذه الجائزة على رغم "نظرته السلبية ورؤيته الغنوصية الخاصة للوجود، التي لا يمكن القول إنها تؤدي إلى ازدراء عدمي للعالم. ففي الواقع ثمة قدر كبير من الدفء والفكاهة في عمله، وضعف ساذج أمام صوره الصارخة للتجربة الإنسانية".

هذا الكاتب الذي وقع أعمالاً أدبية مختلفة ولدت من القلق الوجودي وتناقضات الحياة الإنسانية، جمع بين الخصوصية النرويجية وتقنيات الكتابة الفنية بأسلوب مباشر وبسيط، يعزف على تنوعات دقيقة وإحساس معين بالإيقاع اللغوي بغية إيصال أفكاره، وإضفاء المعنى على نصوصه المختلفة.

ويون فوسه هو الأديب النرويجي الرابع الذي يحصل على جائزة نوبل للأدب بعد بيورنشتيرن بيورنسون وكنوت هامسون وسيغريد أوندست، وقد أشادت هيئة المحلفين بافتتانه باللغة النرويجية وسحرها وإيقاعاتها المختلفة، وهو الذي كثيراً ما قال إن "اللغة تعني تارة شيئاً ونقيضه، وتعني تارة شيئاً آخر"، علماً أن كتاباته لا تتضمن علامات الوقف وعلامات الاستفهام والتعجب، مما يخلق شعوراً دائماً بالتوقع لما ستفعله شخصياته أو ما سيفهمه قراؤه من النص المرتب كقصيدة، مؤلفة من أبيات حرة مفتوحة على كل الاحتمالات.

ولد يون فوسه في 29 سبتمبر (أيلول) عام 1959 في مدينة هوجيسوند الواقعة على الساحل الغربي للنرويج. وضع نصه الأول "أحمر وأسود" في الـ23 من عمره، ثم نشر بعد ذلك 15 كتاباً نثرياً في الرواية والمسرح وكتب الأطفال، منها على سبيل المثال لا الحصر "الغيتار المغلق" و"لن ننفصل أبداً" التي كتبها بعد 10 سنوات، و"حلم خريف" و"أرق" و"ميلانخوليا" و"الكلاب الميتة" و"تعب" و"الاسم الآخر" و"أنا هو الآخر" و"اسم جديد"، وغيرها من العناوين التي وصلت إلى العالمية، وترجمت إلى عديد من اللغات بما فيها العربية وهما رواية "ثلاثية" ورواية "عن دار الكرمة ودار صفصافة في القاهرة بتوقيع المترجمتين شيرين عبدالوهاب وأمل رواش، لكن الروايتين صدرتا قبل وقت قصير هذا العام، ولم يتح لهما الانتشار في أوساط القراء العرب.

كل هذه الكتابات، لا سيما المسرحية منها التي تجاوز عددها الـ30، التي تعامل معها مخرجون عالميون كالفرنسيين باتريس شيرو وجاك لاسال وكلود ريجي، والألماني توماس أوسترماير، وضعت قراءه في تماس مباشر مع حضور الروح الإنسانية بكل مكامن ضعفها وعظمتها، بعد أن بنى فوسه مسكنه الدرامي على مفترق الأسلوب القائم على التكرار وعلى عمق الأفكار، فضلاً عن كونه أحد المساهمين الكبار في التعريف بالثقافة وجمال الطبيعة النرويجية وسحرها الخلاب وهو المتجذر في أرضها ولغتها. ونال عدداً من الجوائز الأدبية منها "جائزة أبسن الدولية" (2010)، و"الجائزة الأوروبية للآداب" (2014)، وحاز "وسام القديس أولاف الملكي" (2011)، وهو أرفع وسام في مملكة النرويج.

تناولت معظم أعمال فوسه التي تجاوزت الـ100 موضوع الموت في محاولة منه لاستكشاف "الوجود عند درجة الصفر"، لكن كتاباته وسردياته ومسرحياته ليست متشائمة على الإطلاق، بل هي مليئة بالأمل، مضيئة ومفتوحة دوماً على القراءات المتعددة، تشع منها موهبة فذة وإحساس مرهف بالوجود. فأياً يكون نوع النص الذي نقرأه ليون فوسه، فإن استخدامه اللغة هو ما يجعلنا نتمتع بقراءته، وهو ما يجعله بنظر عديد من النقاد أديباً مبدعاً للغاية، ذلك أن الألفاظ والتعابير البسيطة تتحول لديه إلى ألفاظ مصقولة إلى أقصى الحدود، تخدم حبكة روايته أو نصه المسرحي المختزلة في خيميائية عجيبة، تخطف القارئ، فيتلاشى فيها كما الريح في الظلام.

الروح الإنسانية

تحضر الروح الإنسانية كما سبق وأشرت في كل نصوص فوسه، وهو القائل إنه يكتب "عن البشر". ولعله صدى كتابة شخصية تقتلعنا من ذاتيتنا لتلقينا في مكان آخر كلياً، فريد واستثنائي. هذه الفرادة والاستثنائية اللتان تلمسان بمعنى ما، حقيقة العالم وحقيقة الوجود، هما موضع الأدب ومكان تكوينه، إذ شخصيات غير معروفة تقريباً، لا أسماء لها يتم تحديدها بطريقة فريدة كأن تصبح "هو" و"هي" و"الأب" و"الابن" و"الابنة الصغيرة" و"الزوج" و"الزوجة"... شخصيات لا ماضي لها ولا مظهر، شخصيات بلا وجوه وملامح، تختزل بأصواتها كما اعترف فوسه نفسه في مقابلة أجرتها معه صحيفة "لوموند" الفرنسية عام 2003 حين قال "أبداً... هذه أصوات. إنها أصوات. أنا لا أصف الشخصيات بالمعنى التقليدي للكلمة. أنا أكتب عن البشر".

تحاول إذاً كتابات يون فوسه الإحاطة بالإنسان في كل تفاعلاته وتناقضاته والتعبير عن هواجسه وقلقه وخوفه وفرحه ووجوده الذي يتبدى بكل تعقيداته من خلال اللغة، وهي بحسب تعبير هايدغر "منزل الوجود" وتجسيد الفكر الإنساني، ويستخدمها فوسه استخدام من يعي وجوده من خلالها، مذكراً إيانا بقول فتغنشتاين بأن "التعبير اللغوي الصحيح عن معجزة الوجود في الدنيا، هو وجود اللغة نفسها". وهذا بالضبط ما حاول فوسه أن يظهره لنا حين سلط الضوء على لحظات التوتر بين الكائنات التي يحبها، كلحظات الغيرة والقلق والشعور بالوحدة والتمزق والانفصال والهجر، في مبنى جميل ولغة مكتوبة بطريقة بسيطة وأليفة، ينبثق منها نور يلامس ويغري، يقرع ويلوم، ويعبر بدقة عن تعقيدات الحياة الإنسانية برمتها. لغة تصور لنا في الآخرين ما صوره الأديب في نفسه، لغة تدور بثبات حول الجوهري، تجعل من نصوصه المسرحية والروائية والشعرية أدباً من الطراز الأول.

إلى جانب هذا الاشتغال على اللغة وصنعة الكتابة ثمة في كتابات فوسه عديد من الموضوعات التي تعالجها نصوصه الروائية والمسرحية، كالوقت والذاكرة والموت وغيرها من الموضوعات التي تدور في فلك الإنسان. وها هو ذا يعترف في مقابلة صحافية أنه غالباً ما يكتشف الأشياء "من خلال كتابتها"، قائلاً: "ليس للأمر علاقة بالكتابة التلقائية، غير أنني عندما أجلس للكتابة في الصباح، لا أعرف حقاً إلى أين سأذهب. إن كتابتي نوع من الارتجال الموسيقي على طريقة موسيقى الجاز".

لا تشبه نصوص فوسه وكتاباته في أسلوبها أية كتابات أخرى. هي فريدة في نوعها، أمينة لما كتبه من قبل، وما سيكتبه من بعد. حضوره فيها ليس حضور سيرته الشخصية، بل هو الحضور المتعلق بقبول معين ويقظة معينة ومزاجية معينة، يفتحه لنا النص، حين تختفي الذات ووحدة الأنا في إعادة تشكيل للكينونة الداخلية بطريقة جديدة غير مألوفة، ترتبط بالكتابة ذاتها، التي يعتقد فوسه أنها تتصل بشيء آخر، مثل صخرة أو صدع في جدار. فلغة فوسيه وتفكيره اللذان تشكلا في نظريات الأدب في أواخر ثمانينيات القرن الـ20 ينظران من الداخل إلى الخارج، إلى العالم والقارئ في وقت واحد. صوته فيها واضح تماماً، إذ لا وجود بحسبه لأي شيء إن غاب الصوت. ولئن كان صوت يون فوسه في مقالاته ودراساته معاصراً لزمانه، فإن صوته في رواياته وأعماله المسرحية التي يدين لها بشهرته هو حضور منفصل عن زمانه المعاصر.

أطلق على فوسه لقب "إبسن النرويج الجديد". فهو يختلق في نصوصه مساحة كتابية تشبه إلى حد كبير لوحة من قماش. يعمد من خلال إجراء بعض التعديلات الطفيفة على مصطلحاتها وبنائها النحوي، إلى إضفاء بعض من سحره على رسومها وألوانها. سحر يدركه القارئ كضوء لا يمكن لمسه في فضاء كتابي بسيط، تركز عقدته على شعور واحد وحدث واحد وشخصيات بلا أسماء وألقاب وبالكاد يتم تعريفها، تعبر عن أنفسها بمفردات ضئيلة وحوارات مقتضبة مليئة بلحظات التردد والفشل والتشنجات اللاإرادية اللغوية. شخصيات تعيش أحداثاً تحصل في أمسية واحدة أو في يوم واحد، شخصيات محصورة في مساحة ضيقة تتحرك ضمنها، كغرفة في منزل منعزل ليس له إلا نافذة واحدة، تلقي من خلالها نظرة على ضجيج العالم وضوضائه.

هذه الأمزجة والنغمات والتعابير والإيقاعات الموجودة في سرديات أو مسرحيات الكاتب النرويجي، تضع قارئ الرواية أو القصيدة أو المسرحية أمام "آخر"، ليس أقل منه تجربة وجودية حقيقية، يتواصل من خلاله مع العالم، في امتزاج صريح بين النفس والخارج.

إن نصوص يون فوسه الروائية والشعرية والمسرحية تقربنا بعضنا من بعض ومن العالم. نشعر حين قراءتها أننا نكتشف بعضاً من أنفسنا، كأن ضوءاً ما لفحنا فجأة، فانجلت رؤيتنا وأصبحت أكثر وضوحاً، لكنها ضاعفت في الوقت عينه الأسئلة وعمقت لغز الوجود.

· عن الاندبندنت عربية