في بيت الزعيم عبد الكريم قاسم

Sunday 22nd of October 2023 10:19:11 PM ,
5534 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

هشام المدفعي

بعد عودتي للعراق من الزمالة الدراسية في المملكة المتحدة عام 1957، باشرت عملي في مجلس الاعمار - مصلحة المصايف والسياحة بمهمة وضع التصاميم الهندسية لأعمال تلك الدائرة وكانت تضم عددا من المهندسين المدنيين العراقيين وبعض المهندسين الاوربيين ممن يمتلكون اختصاصات غير موجودة لدى العراقيين

وعندما نُقل ارتباط مديرية المصايف من السكك الى وزارة الاعمار اضيفت كلمة السياحة الى اسمها ليكون مديرية المصايف والسياحة العامة ورأسها مديرها العام السيد احمد شوقي الحسيني وهو احد ضباط الجيش القدامى الذي درس بعض دروس الهندسة في الجيش العثماني ثم التحق بالملك فيصل عند مجيئه العراق وعين بوظائف فنية وهندسية مختلفة

. بما له صلة بالموضوع فان قرارا قد صدر بإحالة المدير العام لمديرية المصايف والسياحة على التقاعد وتعيين السيد رشيد مطلك في مكانه وهو احد الاصدقاء المقربين لقائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم وقيل ان عبد الكريم قاسم كان يرتاد مطعمه الفاخر (مطعم شريف وحداد الواقع عند رأس جسر الاحرار في منطقة حافظ القاضي وتوطدت العلاقة بينهما حتى ان مطلك اصبح صلة الحزب الوطني الديمقراطي بحركة الضباط الاحرارالتي يقودها قاسم قبل قيام الثورة ولم يحدث تغييرٌ كبيرُ في اجهزة مديريتنا مع التغيير الكبير في نظام الحكم ولكن الجو العام الذي يسود المجتمعات بعد التغييرات الكبيرة يؤثر باتجاهين الاول هو الركود العام في الحركة الاقتصادية وتراجع النشاط السياحي لفترة من الزمن والثاني هو محاولة النهوض بالنشاط الاقتصادي من قبل قادة التغيير لإثبات حسن النية تجاه المواطنين ومن هذا المنطلق وضعت خطة واسعة من قبل مجلس الاعمار الذي تم تجديده للنهوض بنشاط الاصطياف والسياحة وتقرر زيادة التخصيصات المالية والمباشرة بتهيئة عدد اكبر من المرافق السياحية من فنادق ودور واستراحات

وذات يوم اُستدعيت لمواجهة المدير العام السيد رشيد مطلك فاخبرني بأنه وقع عليَ الاختيار لأقوم بأعماله بالوكالة طيلة سفره الى الاتحاد السوفييتي مع وفد اقتصادي لتوقيع اتفاقية التعاون بين البلدين اجبته باني قد اكون اصغر المهندسين في مديريته ويوجد من هو اقدم مني خدمة وخبرة وسيكون الامر محرجا نوعا ما قال لي لايمكنني ان اعين من يقوم مقامي ما لم اكون واثقا منه. انك ستقوم بأعمالي لحين عودتي

بعد أشهر من ثورة تموز 1958 واستقرار الزعيم وحكومته في الحكم وعندما كنت منشغلا بأعمالي الهندسية في مصلحة المصايف والسياحة طلب المدير العام للمصايف والسياحة رشيد مطلك مني وأخي قحطان المهندس المعماري المعروف أن نرافقه في زيارة الى بيت الزعيم عبد الكريم قاسم الواقع في منطقة (بستان الخس البتاويين من بغداد للتعرف على واقع البيت ووضع التصاميم لإصلاحه وتحديثه ليكون سكن خاص مريح للزعيم صالح المطلك كان صاحب مطعم شريف وحداد الواقع في مقدمة جسر (الملك فيصل الثاني) من جانب الرصافة.

البيت يقع على ارض سكنية بمساحة حوالي 600 متر، وهو من بيوت أملاك اليهود "المجمدة" بناء الدار يقع على بعد 4 امتار من السياج الأمامي ومحاط بمساحة غير مشيدة بعرض مماثل يتخللها أشجار مرتفعة وقريبة من السياج الخارجي والحديقة الخلفية مساحتها حوالي 200 م2 يحيط بها أشجار مرتفعة قريبة من السياج الخارجي ووسطها ساحة مفتوحة استعملت ساحة يقطنها كلاب اربعة شرسة من النوع المخصص للحراسة.

أما الدار فهي مشيدة بالطابوق وفق طراز يعود لعمارة ثلاثينات القرن العشرين ومن طابق واحد. يتكون تخطيط البيت من مدخل أمامي مستعملة غرفة الضيوف على اليمين وغرفة معيشة العائلة على اليسار ومدخل الهول في الأمام يقع على يمين ويسار غرف نوم وعلى اليمين يقع الحمام وعلى اليسار المطبخ بينهما باب تؤدي الى الحديقة الخلفية

أما اثاث بيت الزعيم وهو من كبار ضباط الجيش العراقي فهي بسيطة الى درجة متناهية غرفة النوم خالية من السجاد تحتوي على سرير حديدي ودولاب حديدي أما السرير فهو من الحديد الذي تستعمله العوائل البغدادية للنوم على السطح والدولاب فهو من الدواليب الحديدية البيضاء المزججة مع رفوف المستعملة في المستوصفات الطبية وأما غرفة الجلوس فان أثاثها يتكون من تختين خشبيتين من النوع المستعمل في المقاهي الشعبية. وأما الحمام فيتوفر فيه حوض ماء من الموزاييك شائع الاستعمال لدى ذوي الدخل القليل مع طاسة لسكب الماء على جسم الانسان و تختة خشبيه للجلوس والماء الحار يسخن من الخارج بحرق النفط لم الاحظ اثاث في المطبخ سوى طباخ ذو ثلاثة عيون وبعض الادوات المعتاد وجودها في المطبخ لا يوجد في البيت اثاث اخرى تجلب الانتباه. أما الحديقة الخلفية فلا يمكن الدخول اليها بسبب تواجد كلاب الحراسة الشرسة.

بلغنا رشيد المطلك ان ما يتوفر لدى الزعيم من مبالغ لإصلاح داره هو اثنان وعشرون الف دينار وحذرنا من تجاوز هذا الرقم عند العمل على هذا المشروع

بدأ قحطان بوضع المخططات الأولية والفكرة التصميمية الأولية للتصليحات آخذين بنظر الاعتبار متطلبات سكن رئيس دولة من متطلبات السكن والمعيشة في البيت من تعديلات على الهيكل الانشائي للدار بموجب الاستعمالات المتوقعة من قبل رئيس دولة وما يتطلب من تأثيث مناسب للحياة اليومية ومتطلبات الحياة الرسمية والضيافات العراقية والخارجية كما درست متطلبات الحمايات ان تطلب ذلك.

ومن ناحية اخرى كان علي ان ادرس من ناحية انشائية وخدمية متطلبات الحماية الأمنية الخارجية للدار بصورة عامة وللجدران والسقوف والشبابيك الخارجية ومتطلبات الحماية من الحريق وما يتطلب من دراسات أخرى صارت الفكرة لتطوير الدار وتكييفها كاملة تقريبا وكان من واجبي ان أقوم بحساب كلفة الأعمال على ضوء هذه التفاصيل لتكوين فكرة عن الموازنة العامة لهذا المشروع اتضح لنا ان المبالغ المطلوبة لإنجاز هذه المهمة تتجاوز المبالغ لمخصصة لذلك قدمنا تقرير بهذه الحقائق الى الاستاذ رشيد المطلك لم نتسلم جواب بالموافقة او المباشرة... ولذلك اعتبرنا ان المهمة منتهية

من هذه المهمة الصغيرة اتضح لي مدى بساطة الحياة المعيشية للزعيم عبد الكريم قاسم قائد ثورة 14 تموز 1958، اذا ما قارناها مع الحياة المعيشية للكثير من كبار ضباط الجيش العراقي آنئذ ومنهم ما نعرف من كبار شخصيات العهد الملكي وآبائنا ومعارفنا من كبار قيادات الجيش العراقي لقد أثبت الزعيم عبد الكريم قاسم طيلة فترة حكمه وحتى مقتله في انتكاسة 8 شباط 1963 انه زاهد في الحياة ويطمح كثيرا في رعاية الطبقات الفقيرة والمعدمة من المجتمع وأراد ان يكون نموذجا للإنسان المتعفف في خدمة المجتمع

عن مذكرات المدفعي (نحو عراق جديد سبعون عاماً من البناء والاعمار)