طه حسين ومحاكمة الخيال

Tuesday 31st of October 2023 11:02:27 PM ,
5541 (منارات)
منارات ,

د. نادية هناوي

أولى طه حسين تاريخ الأدب اهتماما خاصا يخالف اهتمام الذين سبقوه وجايلوه، فلقد جاء إليه محملا بفلسفة عقلية لا تبارح المنطق في النظر إلى الحياة على اختلاف مجالاتها، ومنها مجال الأدب المتصل(بطبيعته اتصالا شديدا بأنحاء الحياة المختلفة سواء منها ما يمس العقل وما يمس الشعور وما يمس حاجاتنا المادية).

ولكن إذا افترضنا أن العقل هو منتج الخيال، فان المنطق سيكون هو المعيق لهذا الخيال. والسبب أن المنطق قياسي علمي، أداته القانون وأساسه الاستدلال الذي عليه يقوم منهج الشك الديكارتي(الكوجيتو) بداهة واستنباطا وتحليلا بقصد الوصول إلى العلم وإحلاله محل الخرافة والأساطير.

ومعلوم أن طه حسين تأثر كثيرا بأستاذه غوستاف لانسون(1857ـ1934) فتبنى منهج الشك في دراسة ظاهرة الانتحال في الشعر الجاهلي. ولان البحث عن الحقيقة يستدعي تطبيق مقاييس المنطق المعهودة، عامل طه حسين الأدب معاملة علمية تصادي الخيال وتحاكمه أيضا، مؤكدا أن أمر الانتحال ليس مقصورا على أمة العرب فلقد عرفته الأمم القديمة كاليونانية والرومانية. وفرَّق منذ البدء بين الخيال الشعبي والخيال الرسمي. فأما الأول فلا علاقة له به لأنه نتاج العقل الجمعي الميثولوجي كخرافات وأساطير، فقال:(للعرب خيالهم الشعبي وهذا الخيال قد جد وعمل وأثمر وكانت نتيجة جده وعمله وإثماره هذه الأقاصيص والأساطير التي تروى لا عن العصر الجاهلي وحده بل عن العصور الإسلامية التاريخية). وأما الثاني فمقصود طه حسين وهو الذي سيشمله بالمحاكمة، لأنه نتاج العقل الفردي المنتج للشعر والناقل له مشافهة أو تدوينا.

وعلى الرغم من أهمية هذا الفصل بين العقلين الجمعي والفردي، فإن المسؤولية في هذه المحاكمة العلمية تلقى على عاتق الناقل أي(الحكاء الذي يروي الشعر سماعا أو كتابة) اما رواية النثر كقصص وحكايات فلم يدخلها طه حسين في قضية الانتحال لان السرد نتاج الخيال الشعبي ولا مؤلف له محددا والجميع يمارسه. أما القرآن فهو وحده المطمئن إلى عجيبه (إكبارا وإجلالا وتقديسا لنصوصه وإيمانا بعربيته. وحده النص الصحيح الصادق الذي يستدل بعربيته القاطعة على تلك العربية المشكوك فيها).

إذن اتجه طه حسين صوب الشعر وأخضعه لمنهج الشك لأنه نتاج الخيال الرسمي في التمثيل على العصر ولان مؤلفه معروف اما بالإشارة إلى اسمه مباشرة أو اسم قبيلته كما أن رواته محددون، نقل التاريخ أسماءهم وأبان عن بعض أفعالهم في مجال حفظ الشعر وتدوينه. ولم يوجه طه حسين سهام الشك إلى الشاعر الجاهلي، فالمبدع منتج للخيال ولا تفرض على الخيال اقيسة المنطق العلمية، معتبرا الشعر(من أصدق مصادر التاريخ إذا عرفنا كيف نقرؤه ونفهمه.. وهو بهذا يمكننا من الموازنة والمقارنة واستخلاص ما يجمع بين الناس من صلة وما يفصل بينهم من فروق نجدها بين خاصتين قويتين في الشعر العربي الأموي والعباسي والأندلسي.) ولذلك وجه طه حسين عنايته نحو الروايات المدونة ولم يهتم بالروايات الشفاهية لان من الصعب الاستدلال عليها، ولان العصر الجاهلي هو امتداد لعصور عرفت الخرافات وأساطير. فبحث في المرويات المدونة عن اليقين من خلال الشك بالأحاديث التي فيها خيال ولا يقبلها العقل ولا تماشي المنطق، مؤكدا أن الوقت آن للأدب العربي وعلومه ان تقوم على أساس متين (وخير للأدب العربي ان يزال منه في غير رفق ولا لين ما لا تستطيع الحياة ولا يصلح لها من ان يبقى مثقلا بهذه الأثقال التي تضر أكثر مما تنفع وتعوق عن الحركة أكثر مما يمكن منها).

وطبّق طه حسين أدواته المنهجية على رواة الشعر الجاهلي الذين نقلوا إلينا أدب العرب ودونوه. وهم أما من العرب كحماد الراوية أو من الموالي كخلف الأحمر، وألفوا (انتحلوا) قصصا حول الشعراء لأهواء سياسية وحزبية واعتمدوا على مصادر مختلفة ومختلطة.

وإذا كان طه حسين قد شخّص أسباب الانتحال كالعصبية الدينية والمنافع السياسية والشعوبية، فانه حاكم خيال القصاصين والرواة وعدهم أهم أسباب الانتحال، فلقد اتخذوا من الشعر وسيلة من وسائل الجهاد السياسي لصالح بني هاشم أو بني أمية، ونقلوا شعرا منسوبا إلى الجن والى أمم بائدة ونسبوا الى شعراء الجاهلية أخبارا وقصصا تثير الشك. ومنها ما نقله الرواة عن امرئ القيس حتى صارت شخصيته ــ كما يقول طه حسين ــ من كثرة الانتحال كشخصية الشاعر اليوناني هوميروس، لا يشك مؤرخو الآداب في أنها موجودة ولها تأثيرها القوي في الشعر القصصي ولكن لا يعرفون من أمرها شيئا يمكن الاطمئنان له وكذلك هو امرؤ القيس الملك الضليل الذي لا يعرف عنه شيء يمكن الاطمئنان إليه.

ورفض طه حسين نظرية تنقل الشعر بين القبائل لأنها غير طبيعية ولا تلائم الواقع وطبيعة الأشياء. ولم يطمئن إلى اتخاذ العلماء الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القران فـ(كأن هذا الشعر إنما قد على قد القران والحديث كما يقد الثوب على قد لابسه لا يزيد ولا ينقص عما أراده طولا وسعة). وبهذا الشكل حاكم طه حسين جموح الخيال وجعل رواة الشعر وعلماءه في مرمى قوانين المنطق الأرسطي ومبدأ الشك الديكارتي. وأول ما أخذه عليهم أنهم(زعموا ان القمحة كانت في العصور الذهبية تعدل التفاحة حجما. وزعموا ان الرجل من الاجيال القديمة كان من الطول والفخامة والقوة بحيث كان يغمس يده في البحر فيأخذ منه السمك.. وزعموا ان أهل الاجيال القديمة كانوا من الفخامة والجسامة بحيث استطاع بعض الملوك أو بعض الأنبياء ان يتخذ فخذ احدهم جسرا يعبر عليه الفرات).

وما نراه هو أن هؤلاء الرواة هم مبدعون أيضا وأهل بلاغة وأدب تلقفوا قواعد النظم وأدركوا دور التخييل في التعبير عن المقاصد. وهو ما يدلل عليه أسلوب القرآن الكريم الذي أعجز العرب ببلاغته مع أنه جاء على ذات القواعد والتقاليد التي عرفها العرب وخبروها وتميزوا فيها ومع ذلك لم يستطيعوا أن يأتوا ولو بعشر سور أو حتى سورة واحدة مثله.

وراوي الشعر حكاء وهو امتداد لذلك القاص الأول الذي اتخذ من السرد أداة لنقل الخبرات وتوصيل الدروس والعبر، يمتلك خيالا حرا، لا حدود له وبغض النظر عن الغايات سواء كانت لأجل الاستمتاع والمسامرة أو كانت لغير ذلك. وهو أمر ينطبق لا على رواية الشعر حسب، بل ينطبق على الشعر أيضا بيد ان وجود محددات النظم الموسيقية هو ما يحول دون انطلاق التخييل حرا. ويظل التخييل سمة فنية موروثة ومتناقلة عبر الأجيال وليست متكلفة، ولا هي مقصورة على الرواة والقصاصين كي يكونوا وحدهم المتأثرين بـالتنافس السياسي والعصبية الجنسية وخصومات لا حد لها شجرت بين العرب. وما إخضاع رواة الشعر وحدهم للمقايسة العلمية أو المحاكمة الكوجيتية بحثا عن المنتحل والصحيح سوى إنكار لما في التخييل من جموح ومطالبة قسرية له في أن يكون في حدود المعقول بعيدا عما هو غير معقول ومستحيل.

وبالطبع ليس طه حسين وحده من فضل الاعتدال على الغلو في التخييل سواء في التصوير الشعري أو النثر السردي، فلقد كان نقاد العرب القدماء ومنهم عبد القاهر الجرجاني من الرافضين للغلو ومن المعتبرين أحسن الشعر هو ما صدق في التعبير والإحساس. بيد أن بعض الدراسين المحدثين فهم هذا الاعتدال فهما تجزيئيا، فتصوروا ان العرب لا يفضلون الخيال الجامح أو أنهم لا يعرفونه ولذلك قلدوا ــ برأي طه حسين ــ فلسفة اليونان. فكأن العرب تظاهروا بالخيال الجامح نحلا واختراعا وكذبا، تعويضا عن نقص فيهم؛ يقول طه حسين:ـ(الشعوب تتكلف الرفع من شأن قديمها حين تذل لتمحو عن نفسها ضيم هذا الذل ولتتعزى عن الحاضر بالماضي والشعوب تفعل هذا نفسه حين تعز لتلائم بين قديمها وحديثها ولتقطع السنة هؤلاء الخصوم الذين يستطيعون أن يعيروها ما كانت فيه قبل الفوز من ضعة وخمول).