بتول الفكيكي.. إستخلاص الضوء من الروح

Wednesday 8th of November 2023 10:46:00 PM ,
5547 (عراقيون)
عراقيون ,

أحمد فرحات

لا ينسحب اللون من اللوحة إلا إذا أراد صانع التكوين التشكيلي غيابه، و لن ينسحب إلا إذا صار لدى الفنان حس مختلف يطير في المطلق باحثا عن شبق جديد و إحساس آخر لظهور اللون على لوحته، فتصيبك بدهشة غياب اللون لوحات التشكيلية بتول الفكيكي إذ يصير الضوء هو الباعث الأول لظهور اللون و ليس اللون في حد ذاته،

قد يتسم الفن التشكيلي العراقي بتلك الحرفية في إظهار تأثير اللون و حفر مجرى له داخل إطار هلامي للوحة إلا أن التشكيلية البديعة بتول الفكيكي تأخذ منحى مختلف بعيدا عن المدرسة العراقية في مزج مختلف للون باعتباره أداة وصف للشعور و ليس ردة فعل للعين، تستخدم اللون بمنطق داخلي يختزل المسافة بين العين و العقل ليمنح فرصة جيدة لا للإبهار لكن للبحث عن معطيات لوحتها و ما يمكن أن تقدمه من دهشة مخزونة تطفح بما تود قوله و ما تسعى لأن تعلنه من فضيحة شعورية هنا أو هناك، تستخدم اللون المنسحب من التأثير البصري ليوضّح مدى العلاقة بين شعورها و عمقها النفسي و بين ما يظهر على الإطار الهلامي للوحة.

أشعر أنه لا لون في لوحات الفكيكي إذ أتصور الأحمر أسود و الأخضر أصفر باهت، هذا ما أصابني بالدهشة و مازال عند مراقبة لوحة أو لوحتين لها، تتداخل الألوان لتعبّر عن تناقض رهيب بين الاستخدام التاريخي للون و التكوين الذي بحثت عنه الفكيكي لأنه في الأساس ليعبر عنها إذ ابتعدت عن تشكيل متهم بالغوص و الإغراق في التعقيد لتبيح رمزية الذات و السؤال الفلسفي العميق بداخلها و لتعبر عن ميثيولوجيا و ثقافة مازالت تسيطر على لوحاتها لتحتفظ بشكلها بعيدا عن إغراءات الحداثة و ما بعدها لكن روح اللوحة النابع من تشكيل شفاف و عشق للضوء قبل اللون ليسرد دون فاصل زماني أو مكاني نسيج ثقافتها بالرغم من استنادها للمثيولوجيا أكثر من البحث عن التأصيل للحضارة الآنية لأنها تبحث عن ما تريد أن تشعر به لا ما يراد له أن يكون، هنا تظهر حرية اللوحة بعيدا عن نقاش قضية التشكيل الحديث لتذهب بلوحاتها بعيدا كعزلة الفضاء البصري في لوحاتها.

تدخل لتجذب روحك بأصابعها الفنانة، تعرف جيدا بوعيها المطلق في بناء اللوحة كيف ستجذب العين لنقطة الوضوح و الشفافية التي تقصدها، و بلاوعيها تختزن كل الطاقات الممكنة لطرح إحالات مختلفة و متفرعة لتحصد في النهاية لوحة يمكنها أن تعبّر عن طاقة مخزونة تسرد حكايتها مع العالم و عذابات الواقع بين الأرض الوطن و ما يشغله من حيّز ضخم و بين منفى اختارته و تفاعلت معه لتنتج مزيج لم يتأثر بثقافة مختلفة لكنه مهّد لتصوير ميثيولوجيا بحثت عنها طويلا فيما قبل، بين البابلية و الآشورية و رمزيتهما البصرية العملاقة.

بين لوحة و لوحة ثمة علاقة، ديناميكية التشكيل هي ما تحيل إلى تلك العلاقة حيث ترى اقتطاع لوحة من لوحة تكامل لوحة بلوحة، و كأنها فصول رواية تبحث الفكيكي عن رصدها و تشكيلها للعالم، إلا أن العالم الذي ترصده مجمّعا في لوحة من لوحاتها لا يؤمن بروايتها في لوحة أخرى لتخرج مشروخة كشروخ الوطن الذي خرجت منه الفكيكي بكل طاقتها البديعة في استخدام الضوء ليعبّر كمرايا عن داخلها و عمقها الإنساني المتناقض حتما و قلقها المستمر قبل خروج اللوحة من حيّز البناء إلى حيّز المتابعة، صورة مطابقة لنشيجها الملحمي تنبثق بين لوحة و أخرى، في جمود الموت يمكن أن تحوّل الفكيكي الصورة البصرية من خلال استخدام الألوان المتفرعة و الخارجة لتوها من رحم الأرض و ترابها و بديناميكية و طراوة الحس يتحول العنصر الميت إلى عنصر فعال يروي ككل عناصر السرد التشكيلي لدى الفنانة البديعة بتول الفكيكي، بالرغم من أن نقوشها لدعم الحركة تمثل تيار كبير داخل تشكيلها إلا أنها تصدمك لوهلة بجمود و شلل عنصرها السردي في لوحة ما لتثبت أنها تعبّر عن عالم يتسم بالحركة و الثبات و توارد الزمن و المكان و باختفائهما أيضا، تؤكد على أن اللون يمكنه توضيح و إخفاء معالم المسرودة التشكيلية.

وجوه، سواقي، حروف.، جميعها عناصر تفهم جيدا طرقها للوحة بمجرد أن تستعد الفكيكي لطرح تساؤل جديد على إطار أبيض، لحظتها يصبح على عاتقها كسر الإطار المحدود للون الأبيض على قطعة القماش أو الورق أو الجدار الذي سيصبح حكاية جديدة فتصنع إطارها الهلامي الممتد من مكان غير مفهوم و غير مرئي من الضوء الممزوج بلونها المسيطر على اللاوعي و الشعور العمق لحظة البداية، يمكنه أن يتفرع و أن يختفي و أن يتسق مع الضوء و يتأثر به و يؤثر في اتجاهه ليعبّر كما تعبّر عناصر الوجه أو الحرف عن حكاية التشكيل الذي تبتغيه، ربما تجده يتسق مع ذاتك أو لا يتسق لكن في النهاية عندما تفتح مجرى لروحك داخل اللوحة لتلج إليها يمكنك أن تطرح مثلها تساؤلاتك عن العالم و عن التاريخ الذي تحمله اللوحة، فقد يكون وجه الفكيكي هو نفسه الوجه العنصر في اللوحة لكنه وجه من وجوهها المخفيه كطبقات في الروح، أشعر أمام كل وجه في لوحاتها أنني أمامها هي ذاتها بكل تفاصيل و عناصر وجهها لكنه يحمل شعور واحد و كأنها أخذت قطاع طولي في روحها لتظهر الوجه على اللوحة بشعور منخلع من كل شعورها، و قليلا ما تجد عناصر متعددة في لوحاتها، فالعزلة سمة خفية بين ثنيات الإطار الهلامي للوحة.

حين تضج اللوحة بمجموعة عناصر من السرد التفصيلي للحكاية الموشومة، يتأكد أن بتول تحكي ميثيولوجيا و لكنها حين تنعزل فهي تحكي ذاتها، و في كلا الحالتين فهي تسرد تشكيل مبهر معتمد على الجذور اليقينية التي تؤمن بها و تود أن تسود العالم مستخدمة في ذلك عمق لوحاتها لتصل لعقل المتلقّي البصري.

الانبثاق والتكشف المتأني للشكل، و تعاقب منظومة الأشكال بديمومة في مختلف موضوعاتها دون الإشارة إليها بالاسم، و إنما وصفها و تحليلها و محاكمتها و تقديرها. بمعنى أن وحدة إبلاغاتها المتعلقة بالميثولوجيا لا تنبني على موضوع بالميثولوجيا، أو على نشأتها في أفق وحيد الموضوعية، بقدر ما هي فكرة تسمح بإمكانية ظهور الموضوعات و المضامين الإنسانية التي تشتغل عليها.

لقد لاح لي أن تشكيلاتها تتميز بأسلوب شكلي محدد و بخصائص و سمات أسلوبية ثابتة تطبع طريقتها في التعبير أكثر من تفردها بموضوعاتها و مفاهيمها. مما يؤكد أن فنون الحداثة و ما بعدها لم تعد قائمة على مجموعة من القواعد و النظم الأكاديمية، و المقولات القبلية المتعارف عليها و وصفاتها الجاهزة. و إنما أصبحت تستند إلى رؤية الفنان الذاتية و استعاراته المجازية المنسجمة مع طبيعة الأشياء لا الأشياء ذاتها، و تنظيمها في الحقل الإدراكي حسب ما هو معروف عنها لا هو منظور منها.

لهذا لم تكن تعبيرية الفكيكي تعبيرية وصفية محضة، و إنما هي تعبيرية انفعالية ذاتية، أعادت فيها قراءة ما هو معطى في الواقع و أعادت بناءه بعد تحليل، و لكن ليس على شاكلته القديمة و إنما برؤية جديدة بفعل تغيير موقعها كذات مفكرة و ليست ذاتاً تكتفي بالنظر، فجاءت متحولاتها الشكلية على وفق نظام تعبيري مقنن بأسلوب يتلاشى الشكل الواقعي فيه بمجرد ظهوره.

جسد مبتور، جسد ناقص، جسد متكاثف و جسد آخر داخل الجسد، هكذا طاوع الجسد و الوشم الإنساني ريشتها لتعرف كيف تقص آلمها الموروثة و الحضارية في آن واحد، هي إذا تعرف و بوعي كامل يكاد ينقلب إلى لا وعي بماهية الجسد العنصر المهم الذي طرحت به المبدعة بتول الفكيكي عدة تساؤلات هامة حول ماهية الجسد و دخوله عوالم أخرى تكاد الروح تدبّ فيه لتظهره كائن حي لكنه كائن ليس مبتور بالشكل الفيزيقي و لكنه مبتور بالحس، أي أنه مصاب بحالة من الشيزوفرينا، هذه النفسية المعقدة التي تظهر جلية في عنصر الجسد المتصف بأنه أنثوي و خصب بثقافته الضاربة بعمق الأصول و المتضاربة بعمق النفي.

الإطار الهلامي الذي يضم كل تلك العناصر هو روح المبدعة التي لا تنفك من بناء تشكيلها إلا و فكّرت في إعادة بنائه، أشعر أن ثمة تعديلات متتالية طرأت على اللوحة النص لتعيد بنائها أو لتصير لوحة أخرى و هذا يؤكده توالي الفكرة في لوحات مختلفة و امتزاج المضمون العقلي و الفلسفي للمبدعة التشكيلية بكل عناصر لوحاتها لتنتج في النهاية على ما يبدو أنها فكرت في ذلك نص كامل معتمد على وحدة عضوية و وحدة الروح التي هي في الأصل خلقت لتزيح الستار عن روح الفكيكي التي تصمم على انتهاء تجربتها في كل لوحة إلا أنها تبزغ من جديد لتؤكد على اتساقها مع رأسها و جسدها و روحها.

عن العربي الجديد