نص نادر.. مشاهدات الحفر والتنقيب في أطلال بابل سنة 1912

Sunday 12th of November 2023 10:17:11 PM ,
5549 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

لويس الكرملي

أول ما يشتاق إليه المتطال إلى معرفة أخبار التاريخ ودقائقه إذا ما ألقى عصاه في بابل العظمى، هو الوقوف على مصير قصر يخت نصر الملك (نبو كدر أصر) ذلك القصر الشهير الذي بنى في نحو سنة ٦٠٠ قبل ظهور المسيح، والذي خطت على أحد حيطانه أنامل لم تر، تلك الكلم الثلاث السرية الغامضة التعبير التي قامت الملك وأقعدته، لا بل أقامت وأقعدت جميع أشراف مملكته وكل من ينتمي إليه. فهذا الشوق هو الذي دفعنا حال قدومنا إلى استطلاع طلع تلك الإطلال لنشاهد ما فيها بأعيننا.

وأول كل شيء يجب علينا حفظه قبل أن نتغلغل في البحث ونستقصي في ذكر التفاصيل المختلفة هوان نعلم مرة واحدة استغناءً عن التكرار أن ما تطلق عليه اسم (اخرية) هو عبارة عن أسس الأبنية القديمة التي ندعوها بأسمائها وقد كشفها قبيل بضع سنوات علماء المانيون راسخو القدم في التاريخ وقراءة الآثار العادية وقد أتوا إلى هذه الديار حباً بالوقوف على صحيح الأخبار وإفادة لأبناء وطنهم المشهورين بالحرص على العلوم باختلاف أنواع مواضيعها.

فما نورده إذاً مأخوذ عن أوثق المصادر وقد تلقفناه في مواطن التاريخ عينها من أفواه الذين أوقفوا قواهم وحياتهم خيرا للعلم تحت شمس وقادة تصهر الأدمغة صهرا ونذيبها ذوباً كل ذلك ليعيدوا تاريخ تلك الحاضرة الشهيرة إلى نصابه الأول.

اجل، أن الأبنية نفسها التي كانت قائمة على أديم الأرض هدمت منذ عهد عهيد، ليستخرج منها الأجر فاستخرج منها شيء لا يتصوره العاقل لكثرته وبنيت به أبنية، ليتها لم تبن ولم تكن، إذ نقلت أولا تلك الأنقاض إلى سبوقية (على ما رواه جلة المؤرخين) وذلك في عهد خلف إسكندر ذي القرنين ثم إلى طيسفون (المعروفة اليوم باسم سلمان باك وهو سلمان الفارسي وعند الإفرنج باسم اكتيسيفون الراكبة دجلة ومنها إلى بغداد، إذ وجد الناقبون ولا يزل يجدون في بغداد أبنية قد شيدت قواعدها وأسسها باجر عليه كتابات وخطوط آشورية أو مسمارية مصدرها أو مأخذها مدينة بابل الشهيرة ولعل القارئ يستغرب قولنا هذا فنقول له: إذا علمت السبب، بطل العجب. ولا تستغرب هذا النقل من مدينة إلى مدينة أخرى، لأنك إذا أغرت في العراق، وانجدت، واسهلت وأحزنت، وصعدت وحدرت، لاتعثر فيه على حجارة للبناء كما تعثر في سائر الديار، وعليه فالعثور على آجر هو إليك اقرب من حبل الوريد يعد بمنزلة العثور على كنز دفين، أو علق ثمين ولذلك جميع عمائر هذه الديار من قديمة وحديثة مبنية كلها بالأجر الذي يسميه العراقيون (الطابوق أو الطاباق) بتفخيم الألف الثانية. يدخل في تلك الأبنية مع الطابوق الخشب بأقدار وافرة وفي بعض الأحايين لا ترى أجراً في تلك المشيدات، بل ليناً لندرة الوقود وفي هذه البلاد ولغلاء أسعار الخشب. فيتخذ حينئذ الوطنيون الشمس بمنزلة الوقود. لكن ما كان اللبن لا يصبر على طوارئ الجو صبر الأجر فتتهور الأبنية في زمن وجيز. هذا فضلاً عن أن البناء باللبن لا يستعمله إلا المتحضرة من الإعراب المجارة للمدن أو المنبثة في أرياضها وأرجائها. وأما المنازل القوراء، والقصور الفيحاء، والأبنية الشاهقة، والمعاهد العمومية العالية فلا تشاد إلا بالطاباق الحسن المتخذ من صلصال أرض بغداد والمشوي في مواف منتشرة في حوالي الحواضر والقرى. ومما لا ينكر أن ما يشوي اليوم من الأجر هو دون ما كان يشوى سابقاً أن من جهة الشيء، وان من جهة الصلابة والصبر على مساوئ الزمان وفتكاته ومما يفوق آجر جميع هذه الديار جميع هذه الديار هو طاباق بابل لان الأقدمين كانوا قد جادوا عن يد ندية ليكون لهم معدات من احسن معدات البناء ولهذا لما أراد سلوقوس بناء مدينته المسماة باسمه (أي سلوقية على عدوة دجلة نثل كنانة وسعه لينقل معدات بابل الجليلة إلى مدينته الجديدة، فنجح كما نجح في نقل أهاليها أيضاً إلى حاضرته هذه.

وأما الوسائط التي اتخذت لنقل تلك الأنقاض فكانت في ذلك العهد كما هي اليوم (السفن) من النوع المألوف الذي نشاهده وهي مصنوعة صنعاً بدون إحكام ولا هندام؛ ومقيرة من الخارج بدون إتقان وهي تنحدر انحداراً ناصبة الأشرعة وسائرة سيراً متئداً متبعة جرى الماء، وإذا أريد اصعادها جرها الرجال بالفلوس والحبال المتينة جراً بزهق الارواح، على حد ما يرى اليوم بدون أدنى تغيير. ولما كان هذا النقل لا يكلف مبالغ باهظة استسهله الأقدمون والمحدوثون وجروا عليه جرياً مطرداً، سنة الله في خلقه ولن تجد لسن الله تبديلا.

هذا ولولا وقوف بعض العقبات في وجه المخربين لما بقى اليوم في ديار العراق حجر من حجارة الأقدمين وبعض هذه العقاب فراغ أيديهم من معاول وآلات هادمة تنسف الأبنية من أسسها ولهذا افلت من أيديهم ما افلت، وما ذلك إلا لان ربك أراد أن يثبت لك حقائق كنت تنكرها كل الكير، لو لم تقع على آثارها اليوم، تلك الآثار الناطقة بسابق وجودها.

قصر بخت نصر

لقد حان لنا الآن أن ننظر إلى ما بقى من قصر نبو كدر أصر (بخت صر) الذي كشف اليوم عنه الناقبون كل ما كان يغشاه من النبائث والنثائل، والأنقاض والاردام، التي تراكمت عليه منذ قرون مديدة عديدة، وقد أميطت عنها بنفقات لاتقدر، وباتعاب لاتعبر، ولاتسطر؛ كل ذلك على أصول مقررة في هذه الصناعة الحديثة الوضع بحيث لو يتلف شيء من كل ما كانوا يبحثون عنه.

والبناية واسعة الأرجاء، رحبة الأبهاء، على هيئة مربع مستطيل، وفيها أربعة قصور مبنية في زواياه الأربع يجمعها كلها سور في غاية الثخن. قيدانا زيارتنا في القسم الشمالي الغربي وهو دون سائر الأقسام حفظاً، إذ لا يوجد منه إلا بعض إطلال حيطان منها ساجدة راكعة، ومنها قد ألقيت على ظهرها نجداً برقيم أو كنز يجده في بطنها أحد المتطالين إلى الغرائب التاريخية أو الدفائن العادية ومهما يكن من أمراً غاية صرع هذه الجدران وجندلتها، فهذا الهدف من القصر يعد اقدم من سائر ما هناك من الأبنية ويظن انه يرتقي على الأقل (نبويل أصر) والد (نو كدر أصر) الكبير مؤسس مملكة بابل الحقيقي.

ولم نقف كثيراً على هذه الدوارس المواثل لقلة جدواها، فانتقلنا إلى القسم الشمال الشرقي، وهو احسن منه حالاً ومشهور بأسد موجود عليه، وقد قطع ونحت في الحجر الاصم، كبير الجثة، أكبر مما هو عليه في الحقيقة، ويرى تحت أرجله عدو صريع مقهور، وكان هذا الليث الغضنفر مستلقياً مدفوناً في الارض، فلما وجد أمرت الحكومة العثمانية أن يقام على أرجله فأنهضه المسيو موجيل مهندس ولاية بغداد الفرنسوي، ونصبه على أحد تلك الحيطان وهو جدار محفوظ احسن الحفظ بالنسبة إلى سائر الأسوار ويشرف على تلك الاخربة كلها. أما نحت هذا الأسد فهو وان لم يكن متقناً أتم الإتقان إلا أن سمت هذا السبع حسن أي حسن حتى انه يخال الناظر إليه أنه يرى عظمة بابل السابقة السامقة التي يمثلها أبدع تمثيل ملك الحيوانات هذا، ويصورها لأهل عصرنا هذا كما تصورها أهل تلك القرون الخالية.

وفي زاوية هذا الصرح المنيع تبتدئ الجادة السلطانية التي كانت تؤدي السائر فيها إلى عدوة الفرات التي تتشطط الجهة الشرقية من القصر الثالث الذي يسميه اليوم المهندسون (قصر الجنوب الشرقي) وهذه الجادة عريضة بعرض طرقنا الإفرنجية العمومية ومحدودة بحائطين عظيمين هائلين، وقارعتها مفروشة بطبقة قير ثخينة وعليها آجر عريض تكسير وجهه المربع خمسون سنتيمتراً وثخنه اثنا عشر سنتيمتراً. وفي وسط الجادة بين القصرين قصر الشمال الشرقي وقصر الجنوب الشرقي.

مجلة (لغة العرب) ،العدد ٨ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٢