وداد سالم وأديب القليجي نجمان ساطعان في عالم النسيان

Wednesday 15th of November 2023 10:58:15 PM ,
5552 (عراقيون)
عراقيون ,

رزاق عبود

لا ادري ان كان ذلك قلة معلومات، ضعف متابعة، ام واقع مرير احس، واشعر به، واتألم له، واقاسي منه. نقرأ الكثيرعن الفن، والفنانين. عن المبدعين، والمضحين ممن تركوا الوطن حفاظا على شرفهم السياسي، ولمواصلة النضال بطرق اخرى خارج الوطن. ولكني لم اقرأ، ولو مرة واحدة، ذكرا للمبدعين الجسورين وداد سالم، واديب القليچي. واتمنى ان اكون مخطئا!

في بداية سبعينات القرن الماضي، كنت ادرس في بغداد، لكني كنت اتردد كثيرا على البصرة، مدينتي الحبيبة. في احد الايام طلب مني الصديق الشاعرعلي العضب ان انتظره عند " كراج باصات بغداد" الجديد، قرب ساحة سعد في االبصرة القديمة. التقيته هناك وكان ممن حضرالفنان الكبير طالب غالي. كنت احد تلاميذه في الابتدائية (لكنه كان ولا زال يبدو اصغر مني عمرا، وعين الحسود بيها عود). سافرنا الى بغداد كوفد من الشبيبة الديمقراطية في البصرة (شلون شبيبة اصغرهم عمره 24 سنة). في بغداد كان موعدنا في مقر الثقافة الجديدة في باب الشرقي. التقينا وقتها(كان يوم اسود) ماجد عبد الرضا. توزعنا الى مجموعات ممن يعرف بغداد جيدا لاستصحاب اشخاص، او مجاميع اخرى لنذهب بعدها الى مكان الاحتفال في سنوية ثورة اكتوبر(ماعلاقة الشبيبة باكتوبر). كان من حصتي زيارة مقر مسرح الستين كرسي لاصطحاب الاستاذ اديب القليچي. دخلت قاعة المسرح بهدوء.عرفت انهم يتدربون ولا اتذكر ان كانت "جنرال بروفة" ام لا. وكمسرحي هاو، ولي معرفة بسيطة في العمل المسرحي المدرسي، والمحلي في البصرة جلست، احتراما، انتظر انتهاء التدريب لاصطحب بعد ذلك الفنان اديب القليچي. لم التق به سابقا سمعت عنه من اعضاء فرقة المسرح الفني الحديث لاني كنت اعيش لفترات في بيت الفنانة زينب. قرات كثيرا في الصحف عن فرقة المسرح الشعبي، ومسرح الستين كرسي. شدني المشهد، وما كان بودي مقاطعته. "زيوس" كبير الالهة اليوناني بكل هيبته، وبجدية، وحرص شديدين يدرب نفرا من فرقة المسرح الشعبي.هيئة مهيبة، وشخصية جذابة، شعر يتطاير، ويد تتحرك بين فترة، واخرى لترفع الشعر الطويل المتهادل على العيون. لا اتذكر أي شئ الان عدا هيئته الوقورة، وهو يقف، وكانه مايسترو امام فرقة سمفونية. كان بودي الاستمرار بالتمتع بمشاهدة التدريب. لكن الساعة تشير الى قرب الموعد اضافة الى ضرورة الانتظار في مكان اخر لاصطحاب مجموعة اخرى كنت مكلفا بمرافقتها ايضا، قرب سينما النصرعلى ما اتذكر. كان هو الاخر ينظر الى ساعته بقلق بين الحين والاخر. طلب استراحة قصيرة بعد ان لاحظ وجه غريب يتطفل على التدريب. اقتربت منه لازيل سوء الفهم، واخبرته بصوت هادئ انني مكلف باصطحابه الى مكان الحفل، وان وقتنا ضيق. اجل التدريب على عجل، واتفقوا على موعد اخر. لااتذكر بعدها أي شئ عنه خلال الحفلة. اتذكر فقط انني جئت في احد ايام العرض ولم يسمح لي بالدخول لان المسرح "مقبط". كان الحفل في منطقة راقية ربما تكون العرصات في الكرادة. في بيت احد الرفاق من بيت الزنبوري. من ضمن الحضور كان الرفيق عبدالستار الصافي واخرين. هناك التقيت لاول مرة بالفنان جعفر حسن بتسريحته القديمة يحاكي بها انجيلا ديفز. شاب نشط، ودود، وطيب، ودائم الابتسام، وخدوم بشكل غير طبيعي. كلفنا، انا واياه، اثناء الحفلة باحضار شخصيات اخرى، وكان جعفر يملك سيارته الصغيرة. ومازحته وقتها: هاي قبطت السيارة الجماعة وين انحطهم؟!

مرت الايام والسنين سراعا، وابتدأت الهجمة الارهابية على القوى الوطنية المعارضة لديكتاتورية صدام حسين، ونهجه الاستبدادي. طورد رفاق، واصدقاء، وانصار الحزب الشيوعي العراقي، والقوى الديمقراطية الاخرى بشكل همجي. كنت قد اضطررت الى السفرالى بلغاريا بعد ان حوصرت في كل مكان وضاق مجال الحركة. في صوفيا جند الطلبة الديمقراطيين لمساعدة الوافدين هربا من بطش سلطات صدام الفاشية. احد الايام دفعني احدهم معلقا: "روح لذاك الفندق وهسة تلگة كل جماعتك هناك"! عندما وصلت فهمت ما يعني! شاهدت الاستاذ اديب القليچي، والى جانبه الفنانة المشهورة زوجته المخلصة، الوفية، الطيبة وداد سالم. الى جوارهم كان الفنان منذر حلمي الذي تذكرني مباشرة رغم انني التقتيه قليلا في فرقة المسرح الفني الحديث وبيت الفنانة زينب. لا اعتقد انني اخبرت الاستاذ اديب وقتها بلقائي به في بغداد، ولا اظنه تذكر ذلك. ولكننا ارتبطنا منذ تلك الساعة بصداقة دامت طويلا، وود، واحترام متبادل، وتعاون. يومها مازحته: "معقولة مصلاوي وشيوعي". فرد بجدية مصطنعة، وكانه احد شخصيات شكسبير: "اولا موصلي وليس مصلاوي! ثانيا الشيوعية مو احتكار لاهل البصرة"! ضحكنا كثيرا. واستمرت العلاقة حسب وقت الفراغ. فالاف العراقيين يحتاجون المساعدة، وانا كنت طالبا ايضا. ذهب بعدها مع زوجته الى احدى المدارس الحزبية مع اطفاله الثلاثة ميديا و .. و... ما اروعهم من عائلة.

بعد سنة من هذا اللقاء اجتمعنا مجددا في مدينة روسا البلغارية حيث نقل اليها كل الطلبة الديمقراطيين، بعد مشاكل ستوكهولم، لدراسة اللغة البلغارية. منها يتوزعون الى مدن اخرى حسب الفرع، ونادرا ما يرسل احدهم الى صوفيا. لقد خصصها "الرفاق" البلغار الى طلبة الاتحاد الوطني. في روسا كلفت بتدريب فرقة المنظمة، والجمعية رغم دراستي في مدينة اخرى. توليت التدريب على الغناء، والرقص، وفعاليات اخرى. وقتها طلبت من الاستاذ القليچي ان يساعدني في تدريبات مسرحية. ورغم انه مسرحي مشهور، وقدير، ومتمكن الا انه لم يعترض ابدا على قيادتي للنشاط الفني. وداد سالم تلك الانسانه الرائعة المغرمة بالفن، التي كان ملايين العراقيين تجلس لمشاهدة تمثيلياتها في تلفزيون بغداد تقف بكل بساطة وتواضع، ودون أي اعتراض تطبق توجيهاتي، وتتبع ارشاداتي. تحملت كل ثوراتي، ومزاجي العكر احيانا، لانها تعودت من عملها الفني ان لاعلاقة للامور الشخصية بالتدريب فالمخرج، المسؤول، المدرب يريد ان تمضي الامور بشكل سلس، وتنتهي، كما يتصور. وكانت تحترم هذا الوضع بشكل عجيب يدعو للاحترام والاشادة. طلبت مرة من الاستاذ القليچي ان يحضر التدريبات ويعطيني بعض النصائح، والتوجيهات فهو الخبير القدير، والعارف المهني. فغمزني: "أي غير تگول من الاول، انا حسبالي انت ستاليني حتى بالعمل الفني". اوضحت له انني لا اريد لاحد من الشباب الذي ربما لايعرف مكانته، وخبراته، وامكانياته، ان يغلط بحقه، او يتجاوز عليه. احترم اديب القليچي ذلك التكتيك، وهو يعرف ان الالتزام الحزبي كان عاليا جدا. وهو يحضر التدريبات طلب مني ان يستمع لاحدى عضوات الفرقة، على انفراد، وقال لنجعل منها "صولو" فيبدو ان صوتها مدرب لدرجة ما. قلت: اصبت أيها المتمرس انها من عائلة فنية، وشاركت في اوبريتات المطرقة ونيران السلف باشراف الفنان طالب غالي.اتذكر انه اخرج لها وصلة خاصة بها، نالت اعجاب الجميع، كان الشباب يشعرون بزهو كبير، وفخر لا يوصف، ان بينهم الفنانة الكبيرة وداد سالم، والفنان القدير اديب القليچي. كنت اشعر بخجل، واحراج كبيرين، وانا ارى تلك العملاقة تقف مع شابات، بعضهن، بعمرابنتها دون تكبر، ولا تعالي. كانت هذه المواقف الرائعة تزيدني حبا بهذين الشخصين.

كان بيتهم مفتوحا للجميع، كرم حاتمي. كانت له قدرة عجيبة على النكات، والنوادر، والطرائف وسرعة بديهية عالية. في "برزية" ابكى الجميع، واذهلهم في ادائه توليف مسرحي اخرجه الدكتور فاضل السوداني. كانت ايام برزية من اجمل، واصعب، واغرب ايام بلغاريا. كنا محتجزين في مركز استراحة في غابة منعزلة (سواح رغم انفنا) لان السلطات البلغارية كانت لديها معلومات ان بعضنا مستهدف للاغتيال من قبل سفارة النظام الصدامي. كان وجود الاستاذ اديب بيننا، وقتها، فرصة كبيرة لنتعرف اكثرعلى شخصيته، وامكانياته، وثقافته، وقدراته الفنية خاصة في التمثيل، والاخراج. توزعتنا المدن بعدها في بلغاريا، وحرمنا من "اللمة" الكبيرة التي ضمتنا لفترات طويلة. كنا نلتقي بين الحين والاخر في المؤتمرات، او السفرات الجماعية، او الحفلات السنوية. كان يعاني كثيرا مع وداد بسبب الابتعاد عن بغداد، والعمل المسرحي، والاجواء الفنية، وغربتهم، وفرقتهم عن الاهل، والاحباب، والاقارب. خاصة وان لهم اطفال ينشأون في مجتمع غريب، وقيم اخرى لا يرون فيه العم، والخال، او الجد، والجدة. لكنهما كانا عملاقين في الصمود مثلما هما عملاقين في الفن.

تركت بعدها بلغاريا مع العشرات من العراقيين الى السويد، ورفض وداد، واديب ترك بلغاريا. سمعت انهما تطوعا للعمل في اذاعة المعارضة العراقية اثناء انتفاضة اذار ضد الحكم الصدامي الى جانب الفنان فؤاد سالم وغيره. عادا بعدها الى بلغاريا يحلمان بالعراق الحبيب، والمسرح الشعبي، واظنهما الان يقضيان اوقاتا حالمة مع احفادهما.

انها رسالة وفاء، وتقدير، واحترام، واعتذار لسوء فهم ما، او كلمة طائشة غير مقصودة! فانا لا زلت اتذكر هذين الملاكين الرائعين ذوي الامكانيات الفنية الرائعة تمنعهما الغربة، والبعد عن الوطن من ممارسة مواهبهما، وقدراتهما البارعة. فاذا كان الوطن، وحكامه الجدد تنكروا لمن ناضل، وضحى، وقدم، ووفى لعراقه دون كلل، ولا تعب، فاولى بمن يعرفهما ان يقدم لهما العرفان والاكبار. وهناك العشرات والمئات من مبدعي شعبنا ممن فضلوا الغربة والتشرد على ان يتحولوا الى ابواق، او مهرجين لنظام الفاشيين وبقوا، وباقل، واضعف الامكانيات، واصعب الظروف اصواتا لوطنهم الجريح، وشعبهم المنكوب. انني انحني امام صديقي وداد سالم وزوجها اديب القليچي واستغل الفرصة لاقدم الاجلال، والاعتبار لامثالهما من مبدعي شعبنا الذين فضلوا ظلمة الغربة على شمس الارتزاق. لكنهم سيبقون نجوما رغم اتساع سماء النسيان.