جميل حمودي.. رائد الحروفيَّة العراقية

Wednesday 24th of January 2024 10:50:52 PM ,
5598 (عراقيون)
عراقيون ,

ليلى مراد سرحان

لسنوات طويلة ولوحته الفنيَّة التي أهداها إلى المتحف العراقي وكانت بعنوان (إنسان النيادرتال) تزيّن واجهة المتحف. وما زال التصميم الذي قدمه الفنان الراحل جميل حمودي متفرداً ومعتمداً على الرغم من أن عقوداً مرت وهو مستوحى من التماثيل العراقية القديمة، ويصور تلك اليدين التي تدل على التعبد ووقفة الاحترام، و(الإناء الفوار) الذي يرمز إلى نهري (دجلة والفرات).

وبعد أن تم تكليف الراحل بتصميم شعار خاص بالمتحف العراقي طبع على ميداليات صنعت خصيصا في إيطاليا ووزعت على الحضور في يوم الافتتاح مع طابع خاص بالمتحف وحظي ذلك التصميم بقبول واسع، وكتب له الخلود فلم يتم تصميم أي شعار آخر للمتحف من بعده. ولا يزال شعاراً خاصاً بمطبوعات هيئة الآثار العراقية.

ولد جميل حمودي الحاج عبود آل المنذري في بغداد عام 1921، دخل الكتاتيب (الملا) في عمر 4 سنوات ومن ثم أتم دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد. وحصل على درجة الشرف من معهد الفنون الجميلة / بغداد عام 1945- 1946، وقبل ذلك عين أستاذا في دار المعلمين/ بغداد عام 1944 - 1947 وسافر بعدها إلى فرنسا.

تابع دراساته في باريس إلى جانب نشاطاته الثقافيَّة ومنها: تاريخ الفن/ مدرسة اللوفر (على يد الاستاذ اندريه بارو) لمدة سنتين (اختصاص الحضارات الرافدينية والشرقية) وتخرج في معهد الدراسات العليا (السوربون) وقدم أطروحة حرة عن (الفن في المجتمع العراقي) – تخصص التراث الشعبي والفلكلور، ومن ثم قدم على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس (قسم الفلسفة في السوربون) عن موضوعة (الرموز الآثارية السومرية والآشورية).

أسس جميل حمودي عام 1956 جمعية الصداقة بين فرنسا والعراق وهي جمعية ثقافية أدبية جمعت العديد من الشخصيات الثقافية من كلا البلدين تحت اسم (جمعية فرنسا - عراق) ومن أهم هذه الشخصيات (بيير بارانجه وفؤاد التكرلي) وغيرهم وشغل وقتها حمودي منصب السكرتير العام لهذه الجمعيَّة.

بعد عودته من باريس عُيِّن في وزارة الإرشاد مسؤولاً للأمور الفنية وكان أول من تولى الأمور الفنية في بناية المتحف الوطني للفن الحديث لدى افتتاحه الأول. وفي نهاية عام 1965 – 1966 عُيِّن في مديرية الآثار العامة أمينا للمتحف ليتولى الأمور الفنية الخاصة بإعادة تنظيم المتحف العراقي في بنايته الجديدة التي بقي فيها لأكثر من سبعة أعوام ونصف حتى عام 1973، وعند افتتاح المتحف رسميا كلف بتصميم كارتين وثلاث طوابع أصلية خاصة بالافتتاحية وصمم دليل المتحف ومجلدا ضخما عن المتحف وآثاره وقام بترجمتها إلى اللغة الفرنسية وله مساهمات كثيرة في مجال الفعاليات الثقافية والحضارية التي تخص الآثار والحفريات الأثرية مع بعض البعثات الآثارية الأجنبية ورافق اندريه بارو في التنقيبات وفي ذلك الوقت تم تصوير فيلم عن الآثار العراقية في (أور). وصمم أول عدد لمجلة المسكوكات والأعداد التي تلته عام 1969. وأسس دورات في مجال الرسم.

له دراسات وبحوث في مجال تاريخ الحضارات والآثار العراقية القديمة في (مكتبة المتحف العراقي 1942 – 1944) والفنون ونشرت له بحوث عديدة بمختلف اللغات منها بعض البحوث والمقالات عن الحضارات القديمة عن مصر والعراق عام 1952.

أصدر مجلة (الفكر الحديث) وترأس تحريرها وأسس دار الفكر الحديث – بغداد سنة 1945- 1947 ورأس تحرير نشرة (ستوديو) ومجلة (اشتار – الشرق والغرب – باريس سنة 1957- 1962 وهي مجلة أممية تعمل على إيجاد وتوثيق تفاهم إنساني بين الشرق والغرب وأفرد باباً فيها للآثار)، كما وأصدر عن دار نشر عشتار كتبا فنية ومجموعة شعرية ورواية.

شارك في مؤتمرات عدة مختصة بالآثار منها مشاركته باسم مدينة بغداد في المؤتمر الثاني (الحضارات المتوارثة) الذي أقيم عام 1951 في السوربون بمناسبة مرور ألفي عام على تأسيس مدينة باريس. ومشاركته في الندوة العلميَّة (الحضارات المتوارثة) عام 1952 وألقى فيها محاضرة عن (تأثير حضارات الشرق في الفنون البيزنطية). ولبى دعوة منظمة اليونسكو للمساهمة في الندوة العالمية عن الثقافة العربية بوصفه خبيرا وطرح موضوع التربية الجمالية والاستفادة من المتاحف المختلفة.

أُنْتُخِبَ رئيسا للهيئة التأسيسية لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب/ في دمشق عام 1972، وإعداد أول دليل للفنانين العراقيين 1973، بمناسبة انعقاد مؤتمر الفنانين التشكيليين العرب/ البينالي الأول.

وتكررت تنقلاته في ديوان الوزارة ودائرة الفنون التشكيلية ودار الأزياء العراقية بدرجة مستشار ثقافي وأسهم في مختلف الفعاليات الثقافية والفنية التي أقامتها وزارة الثقافة والإعلام وأنْتُخبَ رئيسا للحلقة الدراسية التي نظمتها اليونسكو في بغداد عن (التربية الجماليَّة) عام 1976. وفي عام 1984 أسهم في مهرجان بغداد للأزياء وألقى محاضرة مهمة عن (الأزياء في الحضارة السومريَّة).

نظم العديد من المعارض والأمسيات المسرحية العالمية وصمم أزياءها، كما نشر مطبوعات وأقام فعاليات مختلفة ومحاضرات في فرنسا وبعض البلدان الأوروبية خاصة في السويد، واسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا.

أرسلت الدولة العراقية جميل حمودي عام 1984- 1987 الى فرنسا - باريس بوصفه مستشارا ثقافيا /المركز الثقافي العراقي.

ونشرت منظمة اليونسكو كتابا عنه عام 1987 في فرنسا تحت عنوان (جميل حمودي) بمناسبة معرضه الفني. واعتبره اندريه بارينو السريالي الوحيد في العراق في ذلك الوقت.

وفي عام 1988، أسس قاعة إينانا للفنون وأقيمت فيها محاضرات ثقافيَّة عن الفن والمواضيع الأدبيَّة بحضور ومشاركة شخصيات ثقافيَّة مهمة منهم نوري الراوي ومحمد غني حكمت وعادل كامل ومحمد الجزائري وغيرهم وشهدت إقامة حفلات موسيقيَّة تراثيَّة عراقيَّة وجلسات شعريَّة إلى جانب إقامة المعارض الفنيَّة.

منحه وزير الثقافة الفرنسية ميدالية الثقافة عام 1987 وفي عام 2001 تسلّم من الدولة الفرنسية بقرار من الرئيس جاك شيراك ميدالية الشرف ووسام الأدب والفنون وهي أعلى ميدالية في فرنسا.

وكان الراحل أول من أدخل الحرف في أعماله الفنيَّة وكان ذلك عام 1942. وله إسهامات مهمة في المجال الثقافي والفني فهو يجيد النحت والرسم والحفر والتزجيج وتصميم السجاد والطباعة الفنيَّة وتنظيم المعارض والمتاحف والأمور الهندسيَّة وديكور المسرح. واقتنيت أعماله الفنيَّة في المتاحف العالميَّة والمجموعات الخاصة والمؤسسات الثقافيَّة وغيرها وجمعيات ثقافية مختلفة داخل وخارج العراق.

وللفنان والنحّات والآثاري حمودي دواوين شعريَّة منها (أحلام من الشرق) باللغة الفرنسية مزوَّقة بريشته و(آفاق) مزوَّقة بالحفر الملون للفنانة الهولندية نونو رينهولد. وله مؤلفات عن الفنان سعدي الكعبي والفنان خالد الجادر والفنان النحات محمد غني حكمت والخزاف سعد شاكر.

مارس أيضاً النقد الفني منذ بداية الأربعينيات ونشر بعض الكتب الفنية باللغة الفرنسية وكذلك أقام ندوات ومؤتمرات عدة تخص تاريخ الفن العراقي والآثار والفلكلور والتربية الجمالية. وألقى محاضرات عالمية عن (غويا وبيكاسو وهنري مور وغيرهم).

حققت دار الإذاعة والتلفزيون الفرنسية عنه فيلما بعنوان (واحد منهم) باللغة العربية. وكتبت عنه اقتباسات عالمية من آراء نقاد وباحثين منهم اندريه بارينو والدكتور بشر فارس عضو المجمع المصري والمستشرق لويس ماسنيون وجاك لاسين و ر. ف. وريمون بايير أستاذ الفلسفة في السوربون والبروفسور جاك بيرك في كتابه (العرب من الأسس إلى الغد) وبايرد هاستنكس و ر. ف. كندرتال وجان – جاك ليفيك وروبير فرينا سكرتير نقابة نقاد الفن – فرنسا، واندريه ميكيل والحبيب السالمي وهادي جبنون وسحر حجار والياس ديب. أشارت له القواميس في قاموسين وكتب عنه في المؤلفات. توفي جميل حمودي في بغداد التي خلّدها في نتاجاته الثقافيَّة.