بين ثورات العشائر وتدخل الجيش.. جميل المدفعي يؤلف وزاراته في الثلاثينيات

Sunday 10th of March 2024 10:36:39 PM ,
5629 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

د. عمر الطالب

تولى جميل المدفعي وزارة الداخلية في حكومة نوري السعيد الأولى في 23/3/1930 ولمدة ستة اشهر ونصف حتى 29/10/1930، وفي فترته هذه تم عقد المعاهدة العراقية البريطانية في 30/6/1930 والتي تعد اهم المعاهدات في حياة العراق وبقيت حتى عام1955 حين تم عقد ميثاق بغداد.

وعندما ثار العراقيون ضد هذه المعاهدة المجحفة استقال جميل المدفعي من وزارة الداخلية في 29/10/1930 تهرباً من المسؤولية، ثم اعيد تعيينه بمنصب وزير المالية في حكومة نوري السعيد نفسها لمدة ثلاثة أسابيع ثم اعيد وزيراً للداخلية لمدة شهر ونصف. وعين رئيساً لمجلس النواب عشرة أشهر ونصف واستقال منه في 31/10/1931 واستقال من حزب العهد حزب نوري السعيد، ثم أُعيد انتخابه رئيساً للمجلس وبقي في منصبه حتى تشكيل حكومته الأول في 9/11/1933. لقد كان جميل المدفعي يحظى بثقة الملك وحبه واستعان به في أوقات الأزمات وكان المدفعي يكن له الحب والاحترام، علماً بأن دور المدفعي كحاكم دولة يتبع سياسة التهدئة لم يبرز الا في حكومته الرابعة. وعندما شكل علي جودت الأيوبي حكومته الأولى عين المدفعي وزيراً للدفاع في 27/8/1934 ولمدة سته اشهر وخمسة أيام وقد زار بعض الوحدات العسكرية وكافأ العسكريين المتميزين.

وشكل المدفعي وزارته الأولى في 9/11/1933 –20/2/1934 واشرك فيها نوري السعيد وناجي شوكت لضمان دوامها وكان لعلي جودة الأيوبي الدور الاكبر في إسناد الوزارة اليه وكان رئيساً للديوان الملكي آنذاك طلب الملك غازي من جميل المدفعي ان يؤلف حكومة مرة ثانية فألفها في 21/2/1934 وشغل منصبي رئيس الوزراء ووكيل وزير الداخلية، ولم يدخل المدفعي في حكومته الجديدة أحداً من الوزراء الذين كانوا سبباً في الأزمة الحكومية الأولى. وفي عهده شهدت السياسة الخارجية توتراً في العلاقات مع ايران فقد تجاوزت هذه الاخيرة على الحدود العراقية وحققت مطامع توسعية في شط العرب، وقطعت ايران الماء عن مندلي مما ادى الى وقوع معارك غير نظامية بين القبائل في البلدين. وقد أثار تمسك الملك غازي بالمدفعي واسناد الحكم اليه ثانية نقمة المعارضة المتمثلة في نوري السعيد واصحابه والسفارة البريطانية والاخائيين وعلى رأسهم ياسين الهاشمي.

وظهرت تركيبة حكومة المدفعي الثانية من شخصيات لم يكن لهم وزن سياسي ماعدا وزير المالية ناجي السويدي الذي كان يعد العقل المدبر للحكومة، وقد اتبعت الحكومة الروتين في مواجهة الامور. وكثرت شكاوى الناس وتذمراتهم من بعض رؤساء الوحدات الادارية وندد الاعيان والنواب علناً بالاعمال التي كانت ترتكب في بعض الالوية واستشرى الفساد فاقترح مستشار وزارة الداخلية (كينهان كوزمواليس) فصل عدد من الاداريين لتجنب الكارثة ولكن طيبة جميل المدفعي واتباعه سياسة سلمية حال دون ذلك فتمردت العشائر في الفرات الأوسط وحاول رؤساؤهم القيام بحركة ثورية مسلحة للايتان بزعماء المعارضة (ياسين الهاشمي ورشيد عالي) الى الحكم وزج طلاب كلية الحقوق وغيرهم من التلاميذ في اتون السياسة فتوالت الانتفاضات مما ادى الى تهديد الأمن والاستقرار فارسل المدفعي كتاب الاستقالة الى غازي في 25/8/1934. وطلب غازي من علي جودت الايوبي تشكيل الوزارة في 27/آب وعين جميل المدفعي وزيراً للدفاع وكان عهد الايوبي بداية الاضطراب والفوضى اللذين سادتا العراق منذ عام1934-1947 (الاحتلال البريطاني للعراق).

وشكل جميل المدفعي حكومته الثالثة لمدة اثني عشر يوماً فقط وهي اقصر حكومة شكلها المدفعي 4-16/3/1935 وكان التوتر سائداً في البلاد، وكانت اهم المشكلات التي واجهتها الحكومة في سياستها الداخلية تدخل العشائر في الامور السياسية بأسلوب العنف المسلح، واعلن عبد الواحد سكر-شيخ عشيرة ال فتلة-في المشخاب في 9/3/1935 أنه لايرضى الا بحكومة يترأسها ياسين الهاشمي لتأمين مصالحهم وأمر اتباعه بتخريب القناطر والجسور القائمة على الانهر المتشعبة بين الفيصلية ابي صخير والشامية في منطقة الفرات الاوسط. واحتلت عشائر الاكرع بقيادة الشيخ شعلان العطية قلعة الدغارة، وتمكنت قبائل العزة وشيخها حبيب الخيزران من احتلال منصورية الجبل في لواء ديالى واتخذ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مواقف حازمة ضد السلطة وارادت وزارة الداخلية الاسراع في ضرب العشائر واستعانت بالعشائر الموالية للحكومة للوقوف ضد الثائرين وكان رئيس الجيش طه الهاشمي يسعى الى ابعاد الجيش عن محاربة العشائر تضامناً مع أخيه ياسين، وطلبت العشائر الصلح مما قوى كتلة الهاشمي وشكل الوزارة بعد سقوط وزارة المدفعي الثالثة. وانتقل المدفعي الى صفوف المعارضة لحكومة ياسين الهاشمي الثانية التي جاءت خلفاً لحكومته الثالثة والتحالف مع شيوخ العشائر الا ان حكومة الهاشمي بادرت الى قمع الحركة العشائرية التي قام بها خوام العباس وريسان كاصد لحساب المدفعي بعنف شديد قضت فيه على النفوذ العشائري وسيلة قد تفكر المعارضة باللجوء اليها فاختفى بعد ذلك دور العشائر في ميدان الصراع السياسي ليحل محله دور الجيش كقوة جديدة اخذت تؤدي دوراً على المسرح السياسي واصبح ضباط الجيش هم النجوم اللامعة في الميدان بعد ان افل نجم الشيوخ. وتعاقبت الانقلابات العسكرية لتسقط حكومة وتصعد اخرى.

وزار حكمت سليمان المدفعي في منتصف تشرين اول عام1936 وعرض عليه المشاركة ضد الحكم القائم في البلاد الا ان المدفعي لم ينجرف مع المعارضة وفضل الاستمرار على سياسة العزلة التي اختارها لنفسه في الآونة الاخيرة وعرض عليه ياسين الهاشمي وزارة الدفاع في حكومته الثانية فاستغرب المدفعي وقال له الا تدري ان الجيش يتكتل ضدك بصورة علنية؟ فخرج الهاشمي صامتاً ووقع انقلاب بكر صدقي العسكري في 29/10/1936 وكان رئيساً لأركان الجيش وكان بكر صدقي يعاني من ضعف الاعصاب وداء العظمة بعد ان قام بدور بارز في القضاء على تمرد الآثوريين في صيف1933 واعتقد بأنه اكثر كفاءة من غيره للقيام بالانقلاب. واتضح ان وزارات المدفعي الثلاث كانت تواجه الازمات بكتاب الاستقالة بدلاً من مواجهة الازمة وحلها وان المدفعي عجز عن اصلاح الفساد الاداري الذي استفحل في حكومته.

قبل ان يشكل جميل المدفعي حكومته الرابعة في 17/8/1937 كان متقاعداً ثم عين عضواً في مجلس الاعيان وبعد الانقلاب العسكري الأول 1936 لبكر صدقي وقع الانقلاب العسكري الثاني في 11/8/1937 الذي اودى بحياة بكر صدقي وقام به امير اللواء محمد امين العمري آمر حامية الموصل، وكان جميل المدفعي اثناء تلك الاضطرابات يصطاف في مصيف بحمدون في لبنان مع محمد مهدي كبة وتلقى برقية من وزارة الخارجية تستدعيه للحضور بالسرعة الممكنة فقدم المدفعي الى بغداد وصلها في 16/8/1937 واستقال حكمت سليمان بعد يوم واحد، ووجد المدفعي الجو ملائماً لتشكيل حكومة برئاسته وخاصة بعد ان حظي بتأييد حامية الموصل وعلى رأسها محمد أمين العمري والملك غازي الذي عده من اتباعه المخلصين. وكانت السياسة العراقية موزعة بين ثلاث فئات:(1)الكتلة التقليدية وزعيمها ياسين الهاشمي الذي توفي أثر نوبة قلبية في بيروت بتاريخ 11/1/1937 (2)جمعية الاصلاح الشعبي وفيهم عناصر الحزب الوطني وجماعة الاهالي والتقدميون والشيوعيون وقد اختفت هذه الكتلة في عهد بكر صدقي وسافر الكثير من عناصرها الفعالة خارج القطر (3)المعتدلون: ومنهم جميل المدفعي، وهي الفئة التي تبنت اسدال الستار، الا ان المدفعي لم يعلن موافقته الرسمية على تأليف الحكومة الا بعد ان زار معسكر الوشاش وطلب تأكيداً من الضباط بعدم تدخلهم في السياسة فحظى على التأييد من بعضهم وأصبحت الاوضاع ممهدة لتشكيل حكومته الرابعة 17/8/1937-25/12/1938 وهي من اهم الحكومات التي شكلها جميل المدفعي وانتهى العصيان في حامية الموصل ومعسكر الوشاش في بغداد بنفس اليوم. وترك انقلاب بكر صدقي العسكري في نفوس اقطاب محترفي السياسة التقليديين في نقمة كبيرة تجاه الملك غازي ورجال الانقلاب بمن فيهم جميل المدفعي الذي يعد من المقربين للمك غازي وهو مقبول من جانب الكتلة القومية (صلاح الدين الصباغ، محمد فهمي سعيد،كامل شبيب ومحمود سلمان) وهو مقبول من المؤيدين لحكمت سليمان. وعده الملك غازي رجل الاستقلال الذي يعمل بروية ورزانة. ثم قامت الكتلة العسكرية القومية في 24/12/1938 إنقلاباً في معسكر الرشيد وطالبوا جميل المدفعي بالاستقالة فاستقال في اليوم التالي وخلفتها حكومة نوري السعيد الثالثة.

(موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين)