تأسيس مدرسة الحقوق في بغداد.. الفكرة والتنفيذ

Sunday 19th of May 2024 09:48:17 PM ,
5674 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

أحمد مجيد الحسن

يُعَد تأسيس مدرسة الحقوق في اسطنبول سنة 1874 أول مدرسة عليا تخرج فيها الطلبة العراقيون، وظلت هي المدرسة الوحيدة التي ترفد الدوائر العدلية المختلفة في أرجاء الدولة العثمانية - التي كان العراق جزءاً منها الى سنة 1918 - بالمختصين في مجال القانون،

إلّا أنها غدت غير قادرة على تلبية الطلبات المتزايدة من الولايات المختلفة، لا سيما بعد التوسع الذي تحقق في مجال المحاكم النظامية في أواخر عهد السلطان (عبد الحميد الثاني)، كما ان قسما من خريجيها كانوا لا يرغبون في الخدمة في أماكن بعيدة عن أهاليهم، فضلا عن ان الكثير من أبناء الولايات البعيدة كالولايات العربية من الراغبين في إكمال تحصيلهم في الحقوق، لم يكن في وسعهم الالتحاق بمدرسة الحقوق في إسطنبول، لبعدها وما تتطلبه من مصاريف باهظة للنقل والدراسة والسكن والمعيشة.

لكل ذلك سعت الدولة سنة 1907م إلى تأسيس ثلاث مدارس في ارجاء الدولة المختلفة في كل من حلب وقونية وسلانيك - مدينة يونانية حالياً - لكنها قامت بتأسيس مدرسة للحقوق في كل من بغداد وبيروت وصرفت النظر عن فتح المدرسة في حلب.

وكان لبعد مدينة اسطنبول وصعوبة السفر وكلفته التي لا يقدر عليها إلا القليل، وكذلك ندرة وسائط النقل وصعوبة العيش في الغربة، ورغبتهم في الاخذ بأسباب العلم والرقي، كل ذلك دعا العراقيين الى طلب تأسيس مدرسة للحقوق في بغداد.

وقد تحقق ذلك بعد زيارة اللجنة الإصلاحية للعراق سنة 1907م برئاسة (ناظم باشا) الذي قام بعد وصوله إلى العراق بالتشاور مع كبار موظفي بغداد ووجهائها الذين اقترحوا عليه فتح مدرسة للحقوق في بغداد.

وجاء في مذكرات (توفيق السويدي) رئيس وزراء سابق وعميد مدرسة الحقوق في عشرينات القرن الماضي- ان والده (يوسف السويدي) قصد الوالي (ناظم باشا) يرجوه ان يتوسط لدى الحكومة المركزية بأن يجعل كلية حلب في بغداد، لان حلب متصلة بالبحر وبوسائط أخرى باسطنبول، فأهلها لا يعانون مشاق الذهاب الى العاصمة والدخول في مدارسها العالية، أما بغداد فان بعدها عن العاصمة وانزواءها يجعلانها بحاجة اشد الى كلية حقوق تؤسس فيهـا.

وكان للطلبة العراقيين الدارسين في مدرسة الحقوق في اسطنبول التي أسست سنة 1882م أثر بالغ في إنشاء المدرسة في بغداد حيث أتيحت الفرصة لعدد من الطلبة للدراسة في اسطنبول الذين شغلوا مناصب مهمة في العراق بعد تخرجهم في تلك المدرسة، وهي مناصب إدارية وقضائية فضلاً عن العمل في المحاماة، وذلك في دعوتهم لإنشاء مدرسة في بغداد تدرس فيها القوانين وتوفر على الطلبة مشاق السفر والإقامة للدراسة في اسطنبول.

إن افتتاح مدرسة الحقوق في بغداد هو خطوة هامة في تاريخ التعليم العالي في العراق فهي أول مدرسة عليا في العراق، ولأنها أصبحت الرافد الاصيل للحقوقيين والمحامين العراقيين، فقد مارس معظم خريجيها المحاماة، كما قام قسم منهم بالتدريس في المدرسة بعد افتتاحها، وتولى القسم الاخر الوظائف الحكومية الهامة التي ساهمت في تأسيس وبناء العراق الجديد في مطلع القرن العشرين بعد زوال الحكم العثماني.

تأسـيــس المـدرســة

تعود فكرة تأسيس مدرسة للحقوق في الولايات العربية العثمانية إلى سنة 1879م حيث قدم المفتش (باشا))مذكرة إلى السلطان (عبد الحميد الثاني) يقترح فيها تأسيس مدرسة للحقوق في كل من ولايات بغداد والشام وقوصوة – كوسوفا، وقبول مائتي طالب في كل واحدة منها، فأحال السلطان (عبد الحميد الثاني) المذكرة إلى الباب العالي - رئيس الوزراء - لبيان رأيه، إلا أن الباب العالي أبدى تحفظه على تأسيس هذه المدارس، فبيّن أن تأسيسها لا يتوقف على المال فقط، بل على عناصر أخرى مازالت مفقودة هذا الوقت في هذه الولايات، فهذه المدارس تندرج ضمن المدارس العالية، ويتطلب من المقبولين فيها حيازتهم على شهادة الدراسة الإعدادية أو امتلاكهم معلومات تعادل المعلومات التي يمتلكها خريجو الدراسة الإعدادية، والحال أن الولايات المذكورة ما زالت تفتقر إلى المدارس الإعدادية، ولهذا لا يمكن إيجاد طلاب بالمواصفات المذكورة لهذه المدارس عند تأسيسها، ومن غير الممكن توفير معلمين لهذه المدارس، ولهذا فإن إقامة هذه المدارس في ظل هذه الظروف لن تجدي نفعاً، ولن تحقق النتائج المرجوة عنها، فاقترح صرف النظر عن تأسيس هذه المدارس في هذا الوقت، والاكتفاء بمدرسة الحقوق باسطنبول التي ترفد محاكم الدولة بولاياتها المختلفة بالحكام وغيرهم من موظفي الدوائر العدلية، وتوسيعها وذلك بتشجيع الطلاب من الولايات المختلفة للدراسة فيها.

فأقر مجلس الوزراء تلك المقترحات، وطلب من وزير العدلية الأخذ بها، لارتباط مدرسة الحقوق بوزارة العدلية في ذلك الوقت، والعمل على تطوير موادها الدراسية والارتقاء بها إلى مستوى مدارس الحقوق الأوربية، ولكل ذلك تأجل تأسيس مدرسة الحقوق في الولايات ومنها ولاية بغداد إلى أجل غير مسمى.

وفي سنة 1907م طرح موضوع تأسيس مدارس الحقوق على بساط البحث ثانيةً حيث تقرر تأسيس ثلاث مدارس حقوق في سلانيك وقونية وحلب، ولم يدرج اسم بغداد ضمن هذه المدن كما مر بنا سابقاً.

ولم تتم إثارة موضوع تأسيس مدرسة حقوق في بغداد إلا في سنة 1908م، بعد أن أخذت الدولة العثمانية بمسألة الإصلاحات في الولاية على محمل الجد عندما فكرت في أواخر عهد السلطان (عبد الحميد الثاني) في تأليف هيئة أطلق عليها اسم (الهيئة الاصلاحية للخطة العراقية) ارسلتها السلطة لدرس أوضاع البلاد ورسم منهج للنهوض بها من النواحي الإدارية والاقتصادية والثقافية، وألفت لجنة استشارية في ولاية بغداد ساعدت الهيئة الإصلاحية في تسهيل مهامها..

وبعد ان طافت في ارجا العراق قدمت اقتراحات عدة في الامور التي درستها، ومن بين هذه المقترحات تأسيس مدرسة حقوق في بغداد.

وقد مربنا سابقاً موقف أهالي بغداد من تأسيس المدرسة في بغداد من خلال سعي السيد يوسف السويدي لدى والي بغداد (ناظم باشا) لتحقيق ذلك.

ورأى (ناظم باشا) أن هذه الإصلاحات لا يمكن تحقيقها إلا بتوافر الكوادر المتخصصة واللازمة لها، ولهذا أرسل في 11 شباط 1908 برقية إلى الصدر الأعظم وإلى المابين السلطاني - مقر السلطان - أكد فيها على ضرورة تأسيس مدرسة للحقوق في بغداد، وذلك لعدم الاستفادة من مدرسة الحقوق المزمع تأسيسها في حلب لبعد المسافة بينها وبين بغداد.

ويبدو أنه وضع بنظر الاعتبار أن الحكومة قد تعترض على مقترحه لأسباب مادية، فاقترح أن تتم تغطية نفقات تأسيس المدرسة بما يفيض عن موارد الرسوم المستوفاة في المحاكم العدلية في الولايات الثلاث: بغداد والموصل والبصرة والمخصصة للمعارف، على أن تتحمل نصف نفقاتها ولاية بغداد والنصف الآخر ولايتا الموصل والبصرة بالتساوي. وهذا نص الاقتراح:

"برقيــة"

التاريخ: تموز 1907

الرقم: 8392

"حضرة الصدر الأعظم"

"من أجل زيادة العلوم والمعرفة لأهالي مدينة بغداد ونشر الثقافة والتعرف على الأنظمة والقوانين العدلية، نقترح تأسيس مدرسة للحقوق في بغداد على غرار مدارس الحقوق التي تم افتتاحها، وأيضاً في الموصل والبصرة، راجين من حضرتكم إصدار أمر عثماني بشأن تأسيس مدرسة الحقوق في بغداد".

رئيس هيئة إصلاح القوانين العراقية - ناظم

وقد لقي الاقتراح قبولاً حسناً من الحكومة العثمانية، وأقرّ مجلس الوزراء هذا المقترح، بعد أن كان المقرر تأسيس المدرسة في حلب كما مر بنا سابقاً، فصدر في 1 آذار 1908 مرسوم تأسيس المدرسة في بغداد على وفق ما ورد في برقية رئيس الهيأة الإصلاحية، وهذا نص المرسوم:

مجلس الوزراء العثماني

"بناءً على الطلب المُقدمّ مِن أهالي بغداد والهيئة الإصلاحية الحقوقية في بغداد بشأن تأسيس مدرسة الحقوق، فقد نَظر المجلس في ذلك خلال اجتماع موسع بجلسة خاصة، وتداول الموضوع من جميع جوانبه الإدارية والمالية، ووافق على تأسيس مدرسة الحقوق في بغداد فقط، حيث طلب أهل الموصل والبصرة نفس الطلب، لكن الموافقة صدرت بفتح مدرسة الحقوق في بغداد وتم إبلاغ وزارة المعارف العثمانية بذلك من أجل المباشرة بافتتاح المدرسة، وإعداد الكادر اللازم لها"

صدر في 1 آذار 1908.

ثم صدرت الإرادة السنية - الامر السلطاني - بتأسيس المدرسة في بغداد في 4 آذار/ مارس 1908.

وفي 14 آذار وافق الباب العالي على تعيين مدير معارف بغداد (توفيق بك) مديرا لمدرسة الحقوق إضافة إلى وظيفته، فيكون بذلك أول مدير يتولى إدارة المدرسة.

ويبدو أن وزارة المعارف بعد صدور قرارها بتأسيس المدرسة وتعيين مدير لها لم تذهب أكثر مما ذهبت إليه، فلم تبلَّغ ولاية بغداد بالإجراءات المتعلقة بتأسيس المدرسة، فاضطر (ناظم باشا) الى رفع برقية إليها في 19 أيار/ مايو1908، استفسر فيها عن الجهة التي تقوم بتحديد مناهج مدرسة الحقوق ورواتب المعلمين، وفيما إذا كان اختيار المعلمين يتم من قبل الولاية أم لا.

مقدمة مذكرات محمود صبحي الدفتري عن تأسيس مدرسة الحقوق.