مقدمة لرحلة الاتكليزي فريزر للعراق سنة 1834

Sunday 19th of May 2024 09:54:55 PM ,
5674 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

جعفر الخياط

((و لم يهتم بالبلاد الواقعة في القسم الشرقي من البحر الأبيض المتوسط سوى حكومات أوربة الجنوبية البحرية، لأن هذه البلاد كانت مصدرا مباشرا أو طريقا لمصادر الحرير و التوابل و الأبازير التي كانوا يحصلون عليها بمبادلة البضائع من سورية و مصر.

و من جراء هذه الحاجات كانت السفرات البحرية لدياز و دوغاما قد عجلت الاهتمام بالبلاد الهندية و ما جاورها. فمخرت أساطيل البرتغال عباب البحار الهندية قبل انتهاء القرن الخامس عشر، و شيدت في الخليج العربي قلعة هرمز العظيمة في (913 ه) 1597 م. و كان تجار البندقية و جنوة يسلكون باستمرار الطريق البري الذي هو بمقام جسر أرضي يربط البحر الأبيض المتوسط بالسواحل الإيرانية. و كانوا في طريقهم هذه ينزلون في خانات بغداد أو "بابل" و يشاهدون النجف أو يتلبثون أيام مرورهم في الزبير.

و هكذا بقي ذكر العراق خاملا في العالم من قبل أن يعود به، فيجعله قبلة الأنظار من جديد، ظهور الصفويين الذين كانت شهرتهم آخذة بالنمو، و من قبل فتوحات سلطان الترك الشرقية، و توسع تجارة الأمم الغربية و مغامراتها((.

هذا ما كتبه المستر لونكريك في (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) ليأتي به على وصف علاقة العراق بالعالم الخارجي في تلك الأيام التي وقع فيها فريسة في أيدي الفاتحين من المغول و التركمان. و قد تطورت تلك العلاقة بعد ذلك فازداد اتصال البرتغاليين بالبصرة و خليجها بعد أن ثبتوا أقدامهم في هرمز. و كانت النهضة الحديثة في أوربة يومذاك قد دب فيها دبيب الحياة، و راحت أساطيل الأمم الكبيرة تتجه في إبحارها نحو الهند و البلاد

المجاورة لها. فظهر الهولانديون و الإنكليز في موانى‏ء الخليج العربي، و أسس الإنكليز شركة الهند الشرقية، و حمي و طيس المنافسة بين هذه الدول الثلاث حتى وصل إلى الاشتباك و التصادم. فاحتل الإنكليز حصن قشم البرتغالي المنيع في كانون الثاني 1622 م، و ساعدوا الإيرانيين بأسطولهم في الاستيلاء على هرمز بعد عدة أشهر.

و مع أن هذا الحدث كان يعتبر ضربة قاصمة للنفوذ البرتغالي في تلك الجهات فقد ظلت المنافسة قائمة على قدم و ساق حتى استطاع البريطانيون القضاء على قوة البرتغاليين البحرية في 1689 م. و عند ذاك ظلت المنافسة منحصرة بين الإنكليز و الهولانديين، فأظهر الهولانديون مهارة في التجارة بأساليب غير محمودة، و لكنها غير عنيفة. إذ أخذوا يهاجمون الأسواق بكل سلاح الرشوة و الدعاية الزائفة أو المضاربة المغرية. و مع هذا فقد صمد الإنكليز لكل ذلك فكان التوفيق حليفهم في النهاية. و خلالهم الجو فأصبحت لهم سيطرة مطلقة على المنطقة الممتدة من الهند إلى الخليج، ثم إلى داخل‏العراق. و قد تعاظم نفوذهم في أيام الباشوات المتأخرين من المماليك في العراق و من أتى بعدهم بحيث راحوا يتدخلون في كثير من شؤون العراق الداخلية، و يسخرون نفوذهم السياسي في إبقاء هذا الباشا أو ذاك متربعا على دست الحكم فيه.

و يقول لونكريك في هذا الشأن، "أما في داخل العراق فإن انتقال البلاد من حالة القرون الوسطى إلى حالة دولية حديثة قد زاد في اتصاله و تعاونه مع الممثلين الأجانب. فقد كانت المشاريع البريطانية من جهة تقوم بخدمات جليلة للعراق من دون أن تطلب شيئا في مقابل ذلك سوى تأمين توسع التجارة البريطانية. و كان حكام العراق المتعصبون من جهة أخرى مستائين من وجود هؤلاء الأجانب و امتيازاتهم، و صداقاتهم للقبائل، لكنهم لم يقووا على منع كل ذلك. فإن كبيرهم "المقيم" كان بوسعه أن يحطم كل شخص بكلمة واحدة تصدر منه إلى استانبول.. و بينما كان القنصل- التاجر في القرن الثامن عشر غير قادر على شي‏ء سوى دوام "الامتيازات" و تركه حرا دون تعرّض له أصبح مقيم القرن التاسع عشر و هو المتكلم نيابة عن شركات البواخر، و هيئات إنشاء التلغراف، و الأثريين، و مؤسسات الهبات الخيرية. و لم تفتأ بعض استنجادات القبائل بالحماية البريطانية تزعج الباشا أشد الإزعاج.. ".

على أن نشأة التغلغل البريطاني هنا في بداية القرن التاسع عشر كان يتأثر إلى حد كبير بالمنافسة التي كانت موجودة بين بريطانية و فرنسة النابوليونية في الشرق الأوسط جميعه. و قد ظلت بريطانية على وضعها هذا حتى استطاعت القضاء على نابوليون أيضا، و تخلصت من شر الخطط التي وضعها لتهديد مركزها في الهند و ما جاورها. و في حوالي 1830 م تبدأ المنافسة البريطانية الروسية في هذه الجهات من العالم، و تمتد إلى نهاية القرن تقريبا، لتحل محلها بعد ذلك المنافسة الإنكليزية الألمانية.

و في خلال هذه المراحل و الأدوار كلها كثر اتصال العراق بالعالم الخارجي و تعدّدت أوجهه، و صار الكثيرون من الأوربيين يقصدون هذه البلاد أو يمرّون بها. و يتجوّلون في أرجائها. أو يقيمون فيها مدة تقل أو تزيد تبعا

لنوع العمل الذي يأتون من أجله أو المهمة التي يندبون لها. و قد عمد الكثيرون من هؤلاء إلى كتابة مذكرات أو يوميات عن رحلاتهم و سفاراتهم هذه، فكان بعضها مهما و بعض الآخر تافها لا قيمة له. فتوفرت من ذلك كله ثروة تاريخية غير يسيرة، لها قيمتها في توضيح الحوادث التي كانت تقع في شتى الأدوار التي مرت بها هذه البلاد و لا سيما في "عصورها المظلمة"، على ما فيها من تحيّز و تحامل في بعض الأحيان.

و لو أردنا أن نحصر الغايات و الأغراض التي كان أولئك السياح المسافرون يقصدون هذه البلاد من أجلها في تلك الأيام نجد أنها لا تخرج عن النقاط التالية: "التبشير، التنقيبات الأثرية، السياحة و المغامرة، الأغراض التجارية، التمثيل السياحي، و الانتداب لأغراض فنية أو عسكرية أو طبية، هذا فضلا عن المرور من هذه البلاد الواقعة بين القارات و خاصة في الطريق إلى الهند و إيران. و لذلك فقد أورد لونكريك وحده في قائمة مراجعه عن العراق للفترة ما بين 1553 م و 1914 م أسماء لثماني و تسعين رحلة و تقرير و مقالة مسهبة، و كلها تصف العراق و أوجه الحياة فيه بطريقة أو بأخرى. أما أصحاب هذه الرحلات فهم بين برتغالي و فرنسي، و هولاندي و ألماني، و إيطالي و إنكليزي، و أرمني و هندي، بالإضافة إلى أربعة من الأتراك. غير أن قسما كبيرا من أولئك هم من الإنكليز بلا شك.

و من جملة السياح الإنكليز هؤلاء، أو الرحالين، صاحب هذه الرحلة المستر جيمس بيلي فريزر، الذي كتبها بجز أين و سماها "رحلات في كردستان و بين النهرين" . و هو رجل مهنته الكتابة، و قد قام برحلته في عام 1834 م، فسافر من استانبول إلى إيران بمهمة ديبلوماسية و قطع المسافة على ظهور الخيل ثم تجول فيها حتى حط الرحال في تبريز. و أخذ يكتب منها إلى زوجته على ما يظهر رسائل متتالية فيها شي‏ء غير يسير من التفصيل عن كل ما يرى في‏طريقه أو يفكر فيه. و تبدأ الرحلة المطبوعة هذه بالرسالة الأولى من تبريز، التي أرّخها في 4 تشرين الأول 1834 م. فيتطرّق في رسائله الخمس الأولى إلى وصف الحالة في تبريز و كردستان الإيرانية كلها و خاصة منطقة أردلان. و بالنظر لأن هذه المناطق تقع في إيران فقد ضربت صفحا عنها و لم أقم بترجمتها لأنها لا تمت بصلة قوية إلى تاريخ هذه البلاد. لكنني وجدت من المناسب، بل من الضروري، أن أقوم بترجمة قسم كبير من رسالته الثالثة (المؤرّخة في 17 تشرين الأول 1834 م) لأنه يتطرّق فيها عرضا إلى شؤون راوندوز من تاريخ الأصقاع الشمالية من العراق نفسه. و قد أهملت كذلك قسما غير يسير من الرسالة الخامسة عشرة (الأخيرة) المطبوعة في الجزء الأول لأنها تتطرّق في بحثها إلى عشائر عربية تدخل في داخل الحدود التركية أولا، و لأن البحث المتروك يعدّ شيئا تافها لا قيمة تاريخية له.

أما الرسائل الأخرى التي يحويها الجزء الأول من الرحلة، أي الرسالة السادسة إلى الخامسة عشرة، فهي التي تؤلف مجموع هذا الكتاب الذي أطلقت عليه تجاوزا اسم (رحلة فريزر إلى بغداد في 1834 م). و لهذه الرسائل، عدا ما فيها من طرافة، أهمية تاريخية غير يسيرة. لأنها تجلو لنا كثيرا من مراحل التاريخ العراقي في أواخر أيام داود باشا أو أوائل العهد الجديد الذي دخل فيه العراق، بعد أن تعاونت الأقدار و جيوش السلطان في القضاء على باشوات المماليك و عهدهم و وضعت حدا لاستقلالهم في الحكم عن الباب العالي في استانبول.

و لمجتمع بغداد و محلاتها و طبقات السكان فيها، مع العادات و الأزياء و الملابس. هذا و قد علّقت على كل ذلك ما أمكن التعليق توضيحا للحقائق و ربطا لها بالحوادث التاريخية العامة على قدر الإمكان.

أما الجزء الثاني من الرحلة ففيه تسع عشرة رسالة أيضا، و هي تتناول سفرات أجريت إلى سلوقية و طاق كسرى، ثم إلى آثار بابل و الحلة و ما جاورهما، و إلى مخيم زبيد و بعض العشائر الأخرى، و إلى منتفك و سوق الشيوخ و ما حوله. و يلاحظ من هذه الرسائل أن صاحب الرحلة يعود إلى بغداد ثم يغادرها متوجها إلى إيران ثانية عن طريق ديالى التي يكتب عنها شيئا أيضا.و لم يسمح لي المجال مع الأسف أن أقوم بترجمتها.