محاكمة كافكا

Tuesday 21st of May 2024 09:32:10 PM ,
5676 (منارات) (نسخة الكترونية)
منارات ,

صالح الرزوق

مع أن كافكا كاتب ميتافيزيقي، لكن لا تستطيع أن تضعه في صف أحد الأديان المعروفة. ومنذ روايته "القضية" أول عمل أساسي له، وهو مشغول بقضايا الإنسان البسيط والهامشي الذي يعيش في عالم يحكمه الذنب واللامعقول.

ومهما حاول جورج لوكاتش أن يكشف عن أوجه الشبه بين كافكا والاتجاه النضالي للسريالية، تبقى مؤلفاته دليلا على استسلامه. ورؤية من هذا النوع لا تؤهل أحدا ليحمل سيف الحق، ويدافع به عن عالم شوهته الحروب ورؤوس الأموال وسياسات التوسع، فكافكا، في كل كتاباته، ساخط على عالم القضاء والمحاكم والقوانين، وسعيد بالعدالة الإلهية التي حرمت طبقات المجتمع من التكافؤ، وقد لاحظ دولوز وغوتاري هذه الظاهرة، وأكدا أنها نتيجة لعدة أسباب.

الأولى أنه يهودي في مجتمع مسيحي. الثانية أنه تشيكي ويكتب باللغة الألمانية. والثالثة والأخيرة تسييس عقدة أوديب، وتفسيره لها بضوء النشاط الرأسمالي لمجتمع السوق. ولذلك أصبح كافكا صوتا يعبر عن عذاب وأوجاع الأقليات، أو كما ورد في عنوان كتاب الثنائي الفرنسي: رمزا للأدب المغمور أو الصغير. لكن هذا لا يمنع أنه كتب بلغة استعمار قوي ومزدهر، يشمل مكان إقامته، براغ، ومكان نشاطه اللغوي ألمانيا، فالطرفان (الأرض واللغة) كانا ضمن ما يعرف حينذاك بالمملكة البروسية، التي تفككت نتيجة حرب عام 1918، ولذلك تخلف عند كافكا إحساس بالفضاء المفتوح، أو فضاء بحدود متحركة. وعبّر عن هذه الظاهرة فنيا بالهرب من الواقع الفعلي إلى واقع المعايشة النفسية (عالم ليلي تسوده كوابيس مرعبة وأحلام ينقصها التفاؤل) ووجد المعادل الموضوعي لهذا المحتوى بشكل متحول (لا هو رواية كتل نموذجية – على طريقة ديكنز، كما يقول دولوز وغوتاري، ولا هو رواية محاكاة، واختار الشكل السائل الذي يتخلى عن شرط القوام والصورة – كما في "المسخ" التي تحول فيها سامسا إلى صرصار، أو أنه تنازل عن شرط الإنسان النهاري لمنفعة شخصيات ليلية غامضة غير واضحة المعالم، وتقتات على نفسها وتعيش معظم حياتها في أنفاق وقبور، بمعنى آخر أوجد نسخة مكيافيلية من مخلوق اجتمع فيه حب الذات – ليس بالمعنى النرجسي لكن بسبب الخشية من الآخر- والتآكل ـ فهو يقتات على نفسه وليس من الطبيعة، بلغة أوضح كان إنسان كافكا من الكائنات الرمية التي تعتاش على نفسها وليس على البقايا. وإذا رأى دولوز وغوتاري أن مثل هذا الشخص الضعيف يمتلك عدة رؤوس وأطراف، وأطلقا على هذه الظاهرة اسم إنسان الرايزوم (الجذمور) من الأجدى أن نقول إنه إنسان أميبي ينتمي لعصر الحداثة السائلة، أو ما بعد الحداثة، فهو شخص وهمي، ولا يمكنه حتى أن يتعرف على نفسه، ويقودنا ذلك إلى تهمة طالما طاردته، وهي أنه حامل ومبشر بالإمبريالية الصهيونية، وكان الدليل على ذلك قصته البسيطة "بنات آوى وعرب".

وهي لوحة تمتزج فيها كل مكونات ما قبل السرد – من خرافة وأمثولات وحكايات شعبية. ويستغلها لذم أعرابي تصادف أن داهمه الليل وسط صحراء تأوي إليها حيوانات بنات آوى. لكن إذا وضعنا هذا العمل المحدود أمام عمل أساسي وهو "المسخ" نستطيع أن نجزم أن خيال كافكا لا يفرق بين شخصياته، وهي كلها متساوية عنده أمام غدر وقسوة القدر. وما يدل على الجفاف والتجبر في صورة الصحراء، لا يختلف عن المصير المحزن الذي انحدر إليه "سامسا".

وتهالك إسرائيل على اقتناء أرشيف كافكا لا يعني أنه كاتب ملتزم بقضية دولة – الأمة. وخذ حالة طاغور، على سبيل المثال، مع أنه بنغالي، لم نسمع عنه أنه تغنى ببنغلاديش، أو دعا لاستقلالها عن الهند وإقامة وطن قومي للبنغاليين على أراضيها.

وإذا كانت بنات آوى رميات ضخمة، فإن الصرصار حشرة رمية صغيرة أيضا، ويكفيها الفتات. وفي الحالتين نكون أمام مشكلة إنسان ملقى خارج نطاق الرحمة الإلهية والتعاطف البشري. وهذا هو حال بقية أعماله كلها. مثل جوزيف كاف في "القضية" الذي يصوره على هيئة إنسان ضائع في سراديب وأنفاق قدره الشخصي. ومثل كاف في "القصر" الذي لا يختلف عن أي بورجوازي كادح صغير يقف على أعتاب قصر منيف. ولا تخلو كل أعمال كافكا من هذه الفلسفة التي يتحكم بها عاملان اثنان: الشعور بالدونية والانتظار المضجر، ولذلك هو لا ينتظر شيئا خارقا، بالعكس يتنبأ دوما بحروب مؤهلة لحصد الأرواح وتهجير موجات من البشر. ومع أن كافكا ليس كاتبا مهجريا، فهو اغترابي بكل معنى الكلمة. ولا أعتقد أنه يوجد فرق أساسي بين الإحساس بالمجتمع الغريب والمكان الغريب. وإذا كانت يهوديته غير مثبتة وليست واضحة، من الأولى أن ننفي عنه فكرة صهيونيته، ولديّ عدة قرائن.

أولا ـ حديثه عن البيت اليهودي، في رسائله إلى خطيبته فيليس، لا يتعدى الكلام عن مأوى يوفر للمحتاجين الرعاية والإحساس المفقود بالأمان، ولهذا المعنى يقول لها برسالة مؤرخة في 29 تموز/يوليو عام 1916: "ما يهمني ليس الفكرة الصهيونية. بل ذاك الشيء تحديدا". (يقصد بيت الخدمات اليهودية في براغ). ويضيف في رسالة مؤرخة في 11 أيلول/سبتمبر 1916: "العنصر الإنساني هو الأساس. العنصر الإنساني فقط". ثم يتابع في رسالة بتاريخ 12 سبتمبر 1916 "إذا أدركتِ أنني لست صهيونيا لن يقلقني هذا الأمر".

كما أنه في كل كتاباته، والكلام الآن للأمريكي ليسلي فيدلر، ينظر غربا وليس شرقا نحو سيناء ليذكرنا بمأساة خروج اليهود من مصر. كما أنه يهتم غالبا بمأساة الإنسان المفرد النمطي الأعزل وتناقضات حياته الرأسمالية الحديثة التي سلبت منه طفولته الأولى ورومانسية الإحساس بها.

ثانيا ـ مع أن ما سبق لا يخلو من الانتقائية لا توجد تصريحات جدية تنقضه أو تخفف من معناه الواضح، وهو فصل الحياة الوجدانية والروحية عن النشاط الدعوي والأيديولوجي، وإذا قارب كافكا فكرة الوطن القومي لليهود، فقد كان ذلك بحدود التفكير الاجتماعي. بمعنى أنه لم يؤمن بدواعي إنشاء دولة وطنية، واكتفى بتصورات عن بيت صغير أو حي في مدينة، ولا يمكن لكاتب متحمس للفكرة الصهيونية أن يتناولها، وهي في أوج ازدهارها، بهذا النحو السطحي والباهت، حتى إن جوديت بتلر نقلت عن يومياته المؤرخة عام 1914 قوله: "ما الذي يجمعني باليهود؟ بالكاد لديّ ما أشترك به مع نفسي". ثم تنقل عنه سؤالا يطرحه أمام الجميع بصيغة التعجب: "اليهود قومي؟ وهل لي قوم أنتمي لهم".

ثالثا ـ الإيمان بالأرض يستوجب الاهتمام بالفكر الرحماني أو تجسيد صور الأم بكل مراحلها، منذ الكدح في خدمة البيت – العائلة، وحتى التفاني في سبيل الأب – الإله، والاستماتة برعاية الابن – الرعية. وهذه إحدى أهم صور الأرض/الأم، منبع الخصوبة، ومسقط الرأس، ومكان الدفن بعد الممات. فالأرض سرير لحضانة المولود ولحماية الميت الذي لا يمتلك حق الدفاع عن النفس. لكن لا يوجد أي عناية من كافكا بأمه. وفي كل أعماله اهتم بصور نساء يشاركهن السرير، لكن ليس أمهات – زوجات ومربيات. وزد على ذلك أنه ترك لنا تراثا ضخما من الرسائل التي وجهها إلى أبيه وإلى خطيبته وأخته، ولم يكن بينها بند خاص بمراسلة أمه. وربما كانت الأم أكثر إنسان تنكر له، حتى إننا علمنا أشياء كثيرة عن والده وأخته ومحبوباته، وترك أمه في جيب مجهول أو ملف أسود.

وتهالك إسرائيل على اقتناء أرشيف كافكا لا يعني أنه كاتب ملتزم بقضية دولة – الأمة. وخذ حالة طاغور، على سبيل المثال، مع أنه بنغالي، لم نسمع عنه أنه تغنى ببنغلاديش، أو دعا لاستقلالها عن الهند وإقامة وطن قومي للبنغاليين على أراضيها. بالعكس كانت حساسية طاغور الشعرية عابرة للأجناس والأعراق، ولم يكن يرى في كل كتاباته إلا ما يساعد على الاندماج والتعايش.

· عن القدس العربي