البغدادي يقود انقلاباً في اسطنبول!

Sunday 11th of September 2011 07:21:10 PM ,

ذاكرة عراقية ,

محمود شبيب
في عام 1872 عين "مدحت باشا" الذي كان واليا على "بلغاريا" ثم "بغداد" حيث اجرى اصلاحات كثيرة، بمنصب الصدر الاعظم (رئيس الوزراء) في عهد السلطان "عبد العزيز" ولم يلبث ان قاد ثورة عام 1876 التي ادت الى مجيء "مراد الخامس" للسلطنة ولم يلبث "مدحت باشا" ان اسقطه بعد شهور قلائل من ارتقائه العرش لاصابته بلوثة عقلية لمصلحة شقيقه عبد الحميد الثاني (1842 – 1918).

بعد ذلك استطاع "الصدر الاعظم" اقناع السلطان الجديد على منح اول دستور في التاريخ التركي ولكن "عبد الحميد" اقاله بعد ان ثبت اقدامه على العرض ثم ارسل به الى اعماق السجن بتهمة قتله السلطان "عبد العزيز" ولم يلبث "مدحت" ان مات في السجن مخنوقا وذلك عام 1884.

سلطة مطلقة
* ولم يلبث "عبد الحميد" ان منح نفسه سلطة مطلقة باعتراف سائر المصادر التاريخية، فكثرت العيون وانتشرت السجون واضطهد الخصوم بدون رحمة مما جعله موضعا للنقمة التي عمت سائر ارجاء الامبراطورية الممتدة من "البلقان" غربا حتى "الخليج العربي" غربا ومن "الاناضول" شمالا الى تخوم "اليمن" جنوبا.
ترى ماذا كان عليه وضع الامبراطورية مع حلول عام 1908 شبه الحاسم؟ كانت الدولة التي تحمل بحق اسم رجل اوروبا المريض تعاني من التفكك ولم يحل دون انهيارها من التفكك سوى عدم اتفاق الدول الاوروبية الاستعمارية (روسيا القيصرية، وفرنسا، وايطاليا، والمانيا وبريطانيا) فظلت على قيد الحياة عشر سنوات فقط قبل انهيارها التام والنهائي عام 1918 نتيجة لخسارتها الحرب العالمية الاولى التي نشبت عام 1914 وتحالفها مع "المانيا" وما اطلق عليها اسم "دول الوسط الاوربية" التي خرجت مغلوبة بدورها.

ثورات واطماع
* وعلى اية حال فان هذا الواقع لم يحل دون استيلاء "فرنسا" على "الجزائر" و"مراكش الجنوبية" واسبانيا على "مراكش الشمالية" وامتداد سيطرة الاولى الى "تونس" وفي ذات الوقت استحوذت بريطانيا على وادي النيل وان كانت السيادة العثمانية فيه اسمية و"عدن" و"حضرموت" و"عمان" ووضعت الخطط للمزيد من لتوسع في الشرق العربي خاصة "العراق" في الوقت المناسب.
وكانت "ايطاليا" في غضون ذلك قد اخذت بالتعبير عن اطماعها بدورها فهاجمت اقليم "ارتريا" وضمته الى املاكها واستعدت لغزو "ليبيا" ولم تحاول اخفاء نواياها عن احد اذ كان ذلك حديث الصحافة الايطالية علنا وفي ذات الوقت نشبت ثورات في "اليونان" التي حصلت على استقلالها واعقبتها "بلغاريا" التي اعلنت استقلال شطرها الشمالي بينما ظل الجنوبي عثمانيا مدة من الزمن.

الاوضاع الداخلية
* هذا على النطاق الخارجي اما في الداخل فان الاوضاع وصلت من التدهور حدا لم يسبق له مثيل فالفقر والبؤس هما السمة العامة لجماهير الشعب. وانتشرت المحسوبية والمنسوبية والرشوة الى درجة.
كان بامكان اي شخص يمتلك المال اللازم ان يشتري منصب الوالي الشاغر في اية مقاطعة مع اطلاق يده للسلب والنهب بالشكل الذي يريد ولكن على اساس تزويد الخزانة في "اسطنبول" بالحصة المقررة سنويا مع ارسال الهدايا المناسبة لرجال الدولة كبارهم وصغارهم!
وكانت العاصمة تعج بالجواسيس من كل نوع، خاصة اليهود ، ولا يمر يوم واحد دون تدبير مؤامرات واحداث فتن واضطرابات ليس في الولايات البعيدة فحسب بل وحتى في "اسطنبول" ذاتها وفي هذا الجو تألفت جمعية "الاتحاد والترقي" التي ضمت عددا من كبار العسكريين والمدنيين ابرزهم "انور" و "جمال السفاح" و"طلعت".

ارغام
* واعلن "الاتحاديون" عددا كبيرا من الاهداف كان ابرزها ما يلي:
اولا: القضاء على الحكم المطلق.
ثانيا: انقاذ تركيا مما وصلت اليه من حال وتحويلها الى دولة حديثة على غرار ما وصلت اليه الدول الاوروبية المتقدمة.
ثالثا: اصدار دستور على النمط الاوروبي يطلق عليه اسم "المشروطية" يهدف الى تقييد صلاحيات السلطان وايجاد هيئة برلمانية لقبت "بالمبعوثان" وتضم ممثلين عن جميع ولايات الامبراطورية يتم اختيارهم من جانب السلطة المركزية بالاتفاق مع الولاة وهم في الغالب من الامراء والوجهاء وضباط الجيش المتقاعدين اذ كان من المستحيل في تلك الايام اجراء انتخابات من اي نوع لاتساع رقعة الدولة وتخلف وسائط النقل اذ كان الناس اذا ارادوا السفر الى العاصمة عليهم اما استخدام القوافل المؤلفة من الحمير والبغال او السفن العتيقة البالية من الولايات التي تقع على البحرين الاحمر والمتوسط، وكان الوصول الى هدفهم، في الحالتين، يستغرق عدة اسابيع!
في شهر آب 1908 استطاع "الاتحاديون" تنظيم مظاهرة عسكرية في "اسطنبول" واقتحم قادتهم قصر "يلدز" الشهير حيث يقيم السلاطين ومنهم "عبد الحميد" وهددوه بالخلع عن العرش اذا لم يستجب لدعوتهم بتأليف حكومة جديدة تاخذ على عاتقها تنفيذ مهمة وضع الدستور المطلوب للبلاد وتشكيل "المبعوثان" تمهيدا لتحقيق الاهداف التي ادرجت في دستور الجمعية، فوعدهم بذلك.

البغدادي!
* وعلى اية حال فان السلطان اعلن عن الدستور المطلوب، بيد انه تلكأ في تأسيس "المبعوثان" ولم تمر سوى اسابيع حتى شعر الاتحاديون انه يريد التملص من وعوده وانه يقوم بالتعاون مع باقي قادة الجيش والشرطة السرية، بتدبير خطة للقضاء عليهم قضاء مبرما كما سبق له ان فعل مع الكثير من خصومه طوال فترة وجوده في دست الحكم. وهنا اعد اقطاب "الاتحاد والترقي" خطتهم الخاصة للقيام بانقلاب ضد "عبد الحميد" بكل براعة واتقان، وقد استفادوا في ذلك من وجود الفريق "محمود شوكت باشا" الملقب "بالبغدادي" على رأس الفيلق الثالث ومقره في مدينة "سالونيك" العثمانية التي اصبحت يونانية فيما بعد، وهو من ابرز قادة الاتحاديين واكثرهم نشاطا.
ولد "محمود شوكت باشا" في "بغداد" عام 1858، وهو اخ غير شقيق للسياسي العراقي المعروف "حكمت سليمان" فتعلم في "المدرسة الرشدية العسكري" ببغداد ثم تخرج من الكلية الحربية في "اسطنبول" وترقى في المناصب العسكرية حتى وصل رتبة فريق وعين واليا على مقاطعة "طرابزون" التركية المطلة على البحر الاسود فقائدا للفيلق الثالث وهو من اقوى وحدات الجيش العثماني الضاربة.

الماسونية
* هنا لابد من تسجيل حقيقة تاريخية وهي نقطة ايجابية في السلوك السياسي للسلطان "عبد الحميد" فقد رفض جميع المحاولات الصهيونية لاقناعه بالسماح لليهود باقامة "مستوطنات" في "فلسطين" ادراكا منه للاهداف النهائية التي حددها "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة رغم العروض المالية المغرية للغاية والتي قدمها له الاخير اثناء مقابلة جرت في "استطنبول" عام 1903.
وعلى اية حال، فان معظم سكان "سالونيك" كانوا من اليهود الذين اعلنوا اسلامهم يوما ما، وان بقوا على دينهم في الباطن، واطلق عليهم الناس اسم "الدومنة" وكانوا من ابرع الدعاة الى "الماسونية" وهي مؤسسة نشأت في "بريطانيا" بشكل سري تحت شعار "الحرية" والاخاء والمساواة بين البشر، وان كان الهدف الحقيقي لها هو تجنيد من تستطيع من الساسة والعسكريين لخدمة الاهداف الصهيونية في الاستيلاء على "فلسطين" وجعلها قاعدة للتوسع في سائر ارجاء العالم.
ومن المعروف، تاريخيا، ان بعض قادة "الاتحاد والترقي" كانوا اعضاء في "المحفل الماسوني" اما عن عمد او تورط، فهذا امر متروك للمستقبل، بيد انه مما لاشك فيه ان موقف السلطان من "هرتزل" كان احد العوامل التي ادت الى وقوع الانقلاب عليه.

نهايات
* في التاسع من ايلول ، 1909، زحف الفيلق الثالث من "سالونيك" بقيادة "شوكت" على "اسطنبول" واقتحمها عنوة في اليوم التالي، وارغم "عبد الحميد" على التخلي عن العرش لمصلحة ابن عمه وولي عهده "محمد رشاد" واقتاده الى السجن في قلعة تقع وسط جزيرة في "البحر الاسود" وظل هناك حتى وفاته عام 1918، وقيل انه لقي مصيره مسموما خشية من قادة "الاتحاد والترقي" ان يعود الى السلطة بدعم من الحلفاء الغربيين خاصة وانه باتت نذر الهزيمة في الحرب واضحة في الافق.
نعود الى "البغدادي" فبعد نجاح الانقلاب تالفت وزارة جديدة برئاسة "حقي باشا" فاصبح الاول ناظرا (وزيرا) للحربية وظل في نفس المنصب ايام حكومة سعيد كوجوك باشا عام 1911، ولم يلبث السلطان الجديد ان عهد اليه "بالصدارة العظمى" اواخر عام 1912.
ويبدو من الوثائق التاريخية المتوفرة لدينا ، ان "شوكة" لم يكن على استعداد للتحالف المطلق مع الالمان او خوض اية حرب معهم، وهو موقف لم يتفق مع رأي بااقي قادة "الاتحاد والترقي" مما ادى، في نهاية المطاف الى تدبير انقلاب جديد بدا باغتيال "البغدادي" امام باب وزارة الحربية (التي ظل محتفظا بها) على يد "انور"
شخصيا.
في نفس اليوم، تألفت حكومة جديدة برئاسة "طلعت" وكانت قائمة اسماء الوزراء معدة مسبقا، فصار "انور" وزيرا للحربية و"جمال" للبحرية وقيادة القوات في الشام (سوريا ولبنان وفلسطين) ولم يلبث هؤلاء ان دخلوا الحرب الى جانب "المانيا" وكانت الهزيمة التامة فيما بعد.
اما "انور" فقد ترك "اسطنبول" الى اقليم "تركستان" الروسي حيث انضم الى خصوم السوفيت الذين كانوا قد جاءوا الى السلطة عام 1917 وهناك لقي مصرعه واعقبه "طلعت" الذي اغتيل في "برلين" عام 1922 على يد احد خصومه وحدث نفس الامر بعد سنتين بالنسبة الى "جمال السفاح" فقد قتل في بلدة "تفليس" عاصمة "جورجيا" الروسية عام 1924 عندما استجار باقاربه هناك.
مجلة الف باء وكانون الاول 1982