متطلبات النهوض بالاقتصاد

Monday 30th of August 2010 05:01:29 PM ,

ملحق الاقتصادي ,

حسين علي الحمداني
إن أية عملية تغيير شاملة في أي بلد من البلدان تحتاج لجملة من الاصلاحات في مجالات عدة في مقدمتها السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها، وعملية التحول التي حصلت في العراق كانت شاملة لمختلف جوانب الحياة من حيث تغيير نظام الحكم الذي أنعكس على تغيير الفلسفة الاقتصادية التي يسير عليها البلد قبل التغيير ،

مما كان يعرف بدعم الدولة للكثير من القطاعات وفق النظريات الاشتراكية التي كانت سائدة نظريا على الأقل في العراق.
ومنذ عام 2004 وحتى يومنا هذا كثيرا ما نسمع عن مداولات إقتصادية مع منظمات دولية إقتصادية كصندوق النقد الدولي ونادي باريس وغيرهما من أجل إصلاح الاقتصاد العراقي من جهة ومن جهة ثانية محاولة إحداث تحول اقتصادي كبير في العراق عبر إنعاش قطاع الاستثمار في هذا البلد وفي المجالات كافة بما فيها قطاع النفط، هذا القطاع الحيوي الذي يمثل عصب الحياة في العراق، لهذا نجد بأن البلد يتطلع إلى مرحلة من الاستقرار، تتيح له في ظل حكومة طموحة تمتلك رؤيا اقتصادية متكاملة لاحتياجاتنا لكي تحقق الانطلاق نحو آفاق جديدة، عنوانها النمو الاقتصادي والتنمية والازدهار، خاصة وان العراق كان بمنأى عن تداعيات الأزمة المالية العالمية بحكم حداثة تجربة الاقتصاد العراقي وعدم ارتباطه بشكل كبير ومؤثر بمنظومة الأسواق العالمية وتجارتها المحفوفة بالمخاطر الكثيرة.
لذا وجدنا مجموعة من المصطلحات تتداول بسرعة منها كما قلنا ( الاستثمار والخصخصة) تلك المصطلحات التي تبدو للبعض مبهمة وتحتاج إلى إسهاب في الشرح لتأخذ مداها الحقيقي وتفعيلها عمليا في الواقع .
وأكثر ما يهمنا في هذه المرحلة التي نمر بها هي مسألة الخصخصة بمفهومها الاقتصادي العالمي بعيدا عن النظريات السابقة التي تحاول النيل من هذا المفهوم الاقتصادي .
وعندما نبحث في قواميس التعريفات العالمية عن مفهوم الخصخصة فأننا نكتشف أنه لا يوجد مفهوم دولي متفق عليه لكلمة الخصخصة، حيث يتفاوت مفهوم هذه الكلمة من مكان إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.
ولكن لو أردنا تعريف هذه الظاهرة التي أصبحت موضوعا رئيسا يتم استخدامه في معظم الدول، فإنها فلسفة اقتصادية حديثة ذات ستراتيجية، لتحويل عدد كبير من القطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية التي لا ترتبط بالسياسة العليا للدولة من القطاع العام إلى القطاع الخاص. فالدولة في المفهوم الاقتصادي الحديث والسائد في أغلب دول العالم المتقدمة ، يجب أن تهتم بالأمور الكبيرة كالسياسية والإدارية والأمنية والاجتماعية التي ترتبط بسياستها العليا، أما سائر الأمور الأخرى فيمكن تأمينها من قبل القطاع الخاص وذلك في إطار القوانين والأنظمة التي تضعها الدولة وتنظم من خلالها عمل هذا القطاع الذي يمثل ركيزة مهمة من ركائز تدعيم الاقتصاد الوطني للبلد، لهذا نجد بأنها أداة لتفعيل برنامج إصلاح اقتصادي شامل ذي محاور متعددة يهدف إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية في دولة ما أو تحسين النوعية والإنتاجية أو للقضاء على أمراض اقتصادية وإدارية متفشية كالفساد الإداري وغيره..ومن هذا المنطلق عادة ما يتزامن مع تنفيذ برامج الخصخصة تنفيذ برامج أخرى موازية ومتناسقة تعمل كل منها في الاتجاه العام نفسه الداعي إلى تحرير جميع الأنشطة الاقتصادية في القطاع العام تجاه القطاع الخاص بغية تفعيله ليأخذ دوره المهم في بناء اقتصاد البلد، أي إن الخصخصة يجب أن تواكبها تغييرات جذرية لمفهوم أو فلسفة مسؤولية الدولة من إدارة الاقتصاد ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي تجاه المزيد من المشاركة للقطاع الخاص..وللخصخصة منظوران اقتصادي وسياسي فمن المنظور الاقتصادي تهدف عملية الخصخصة إلى استغلال المصادر الطبيعية والبشرية بكفاءة وإنتاجية أعلى واستيعاب الأيدي العاملة مما يسهم في القضاء على البطالة بدرجة كبيرة، وكذلك بتحرير السوق وعدم تدخل الدولة إلا في حالات الضرورة القصوى، وعبر أدوات محددة لضمان استقرار السوق والحد من تقلباته. أما من المنظور السياسي فالتخصيص يدعو إلى اختزال دور الدولة ليقتصر على مجالات أساسية مثل الدفاع والقضاء والأمن الداخلي والخدمات الاجتماعية خاصة وان العراق كبلد خرج للتو من مخاض كبير وعقود طوال غير مستقرة، إذ إن هذا البلد كان مسرحا لثلاثة حروب كبيرة الخليج الأولى والثانية وحرب 2003 مضافا إليها التحديات الأمنية الكبيرة والعمليات الإرهابية التي عطلت ودمرت الكثير من المشاريع ذات النفع العام، وأيضاً ذو بعد سياسي مهم وهو إيجاد مصالح مشتركة مع دول أخرى لديها استثمارات عبر شركاتها في البلد بما يؤمن علاقات دولية متينة.
لذا فان التخصيص يتجاوز مفهومه الضيق المقتصر على عملية بيع أصول أو نقل ملكية ليكون بمثابة نقلة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة وفلسفة جديدة لدور الدولة، ونحن أعتدنا أن نربط الخصخصة بمفهوم تخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه المواطنين وهذا ما يجعلنا نتخوف من تطبيقاتها أو مجرد طرحها على طاولة النقاش.
والعراق في مرحلته هذه يحتاج لخصخصة الكثير من القطاعات الحيوية والمهمة وفي مقدمتها قطاع الكهرباء الذي يعاني كثيرا ، حيث إن المواطن يعتمد بنسبة 75% على القطاع الخاص في تأمين الطاقة الكهربائية عبر مولدات توليد الطاقة الكهربائية التي تدار من قبل القطاع الخاص وما تبقى يأتي مستوردا من دول الجوار كما هو الحال مع الخط الإيراني بعقد سنوي يضاهي مبلغه السنوي تكاليف بناء محطة توليد طاقة في محافظة من المحافظات . وبالتالي فأن خصخصة قطاعات غير إنتاجية تستنفد الكثير من موارد وموازنة البلد السنوية يعني فيما يعنيه توفير هذه المبالغ لمشاريع أخرى من جهة ومن جهة ثانية تنشيط القطاع الخاص وتفعيله طالما انه يؤدي هذا العمل منذ سنوات وأكتسب خبرة كبيرة فيه.
ولنا في تجربة الهواتف النقالة دليل على هذا، ما نريد أن نقوله علينا أن نفكر مليا بالحلول التي تقودنا جميعا لتوفير سبل بناء الدولة الحديثة عبر الاستفادة القصوى من التجارب العالمية الناجحة في هذا الميدان الحيوي والمهم، خاصة وان نسبة عالية جدا من المنشآت والمعامل العراقية متوقفة عن العمل ويتم سد حاجة السوق العراقي عبر الاستيراد كما هو حاصل في مواد البناء كالأسمنت والطابوق وحديد التسليح .
إذاً، الحاجة قائمة لبحث موضوعي الاستثمار والخصخصة من اجل إنعاش الاقتصاد وامتصاص البطالة في البلد.