جابر عصفور.. حارس التنوير

جابر عصفور.. حارس التنوير

علي حسين
كتب جابر عصفور في زاويته الاسبوعية بصحيفة الاهرام إن"معركة التحديث الثقافى اللازمة لاكتمال تأسيس الدولة المدنية، ينبغى أن تخوضها كل القوى الديموقراطية، سواء كانت تيارات إسلام سياسى أو تيارات مدنية، فالأهم هو مستقبل الدولة الوطنية الديموقراطية التي هي دولة مدنية بالضرورة. والأهم - والأمر كذلك - أن تسهم كل قوى المجتمع المدنى ومؤسساته وتجمعات مثقفيه فى إشاعة"ثقافة المواطنة"،

ونشر ثقافة الديموقراطية، وربطها بثقافة حقوق الإنسان، وليتنا جميعا نحارب فى هذا الاتجاه التنويرى الذى يقضى على ثقافة الاستحواذ والغلبة والإقصاء والتخوين جنبا إلى جنب ثقافة الاتباع والتقليد الجامدة والنظرة الماضوية التي تحجب عن العيون التطلع إلى أفق جديد من المستقبل "
في القاهرة التي وصلها منتصف الخمسينات حاول الفتى القادم من مدينة المحلة الكبرى أن ينطلق في الآفاق الشاسعة التي اتسعت أمامه و كان كلما تقدم في سبل المعرفة، يكتشف سعة الهوة بين عالم القناعات البليدة والراسخة وعالم العقل الذي يعمل من أجله ويصبو إليه، كما لو أن عليه أن يجتاز قرونا في سنوات معدودة، إلى أن وقع ذات يوم على طه حسين،"أبي الروحي والثقافي، الذي تعلمت منه فكراً ونقداً وتأريخاً ودرساً أدبياً وسيرة حياة- أن الحرية هي أصل الوجود والطاقة الخلاقة التي ينطوى عليها الإنسان، كي يتأبى بها على شروط الضرورة، ويقهر بها العدم،"، ليجد في صاحب الايام القربى والسلوى، وانصهار الفكر في الإبداع، ويكتشف أوجه المثقف المتعددة، المؤمن والمتفكر، والفيلسوف والمؤرخ، ورجل الاقتصاد وعالم الاجتماع. كلها في هيئة رجل اعمى مشى في اروقة جامعة القاهرة قبله، بعقود، وصفه سلامة موسى بأنه" مثال حي لقدرة الإنسان على صنع المعجزة التي تحرره من قيود الضرورة والتخلف والجهل والظلم, بحثًا عن أفق واعد من الحرية والتقدم والعلم والعدل."
أتأمل مؤلفات جابر عصفور التي أخذت حيزا على الرف، وأسأل: هل يريد هذا الناقد والمترجم والباحث عن جذور الثقافة العربية أن يقول لنا انه لايزال يحتفظ بنصيحة استاذته سهير القلماوي انبه طلبة طه حسين": عليك بالتبصر في المعرفة والدقة في البحث" ؟، هل كان يريد أن يدلنا على نفسه وهو يعيد على اسماع طلبته الحكمة الجميلة التي نطق بها ابراهيم بن سيار النظام استاذ الجاحظ حين قال: العلم لا يعطيك بعضه الا اذا اعطيته كلك؟ فنراه يمضي في دروب الثقافة يسعى الى اشياء من هنا وهناك من بعض العلم هذا، أليس هو الذي كتب عن كل شيء في الادب والتراث العربي والإسلامي، ما هي المسألة الفكرية أو الاجتماعية أو المنهجية التي لم يمخر جابر عصفور عبابها؟ وكم فيه من خصال طه حسين وحبه للعلم ثم الشقاء في سبيل الفضول والمعرفة؟ وأي عام هو العام الذي مر ولم يصدر فيه كتاب للرجل القاهري الروح، العربي الهوى والانتماء؟
واسأل عن جديده فيخبرني صديقي علي عبد الهادي أن هناك كتابين صدرا حديثا لجابر عصفور وهما:"الدولة المدنية والتنوير"و"زمن جميل مضى"، فالرجل وقد تجاوز االسبعين من عمره إلا أن فكره لا يزال متوقدا نعرف نحن قراؤه ان كاتبنا المفضل كان مريضاً، يكتب، ويتألم ويفكر. يرفض أن يترك قلمه ، انه إصرار شيخه طه حسين، العقل يجتهد ليعطي الكثير من نفسه من أجل أن يحررنا من الرواسب.
يكتب فوكو:"إحدى مزايا المفكر هي أنه لا خيار له سوى المزيد من المعرفة"
المعرفة التي قادت أركون لان يحدث ثورة في الفكر العربي الحديث طارحا السؤال الكبير: لماذا تخلى العرب والمسلمون عن سؤال العقل؟
كعادة الكبار يوغل جابر عصفور في اثارة الاسئلة ، لكن أية اسئلة تلك التي يطرحها مثقف، يواصل طوال اربعة عقود ملء الحياة وشغل الفكر بكل ماهو جديد الحياة ،فهو حين يوغل في الاسئلة فإن آثاره ومعاركه الفكرية وكتبه ودراساته وطلبته يوغلون في الحوار، وهم يحفظون بكل حب كلمات معلمهم وينتزعون منها طريقاً للمستقبل، ومهما تنوعت الأساليب التي استخدمها في التعبير عن آرائه وأفكاره،بقي عنده مقصد واحد جلي لم يمل عنه إطلاقا هو الوجود الإنساني وكما كان اساتذته الأوائل سهير القلماوي وشكري عياد وعبد العزيز الاهواني وعبد المحسن بدر يسعون إلى أن يكونوا (حراس المعرفة ) في كتاباتهم سعى جابر عصفور إلى أن يكون حارس التنوير.