اللقاء الأول مع الصديق الدكتور جابر عصفور

اللقاء الأول مع الصديق الدكتور جابر عصفور

عز الدين المدني
مد يمينك إلى يمينه وصافحه مصافحة الصداقة والمودة والمحبة. يده نظيفة وقلبه نقي طاهر وسلوكه شهم كريم وفكره نور وتنوير. هو احد أهم المثقفين العرب الذين عرفتهم في حياتك الفكرية والفنية.
طالما رأيت في رؤياي طيفة الكريستالي الشفاف يحمل على كتفيه العريضتين عبئاً ثقيل الوزن مرهق الأبعاد والإشعاع،

يصارع به رياح العقم والعجز والإتباع والاستسلام، يمهد به تربة الإخصاب الآتي، يشيد به في كل يوم بناء على بناء، ينحت به ملامح الحرية البارزة في كل يوم، يرسم في كل يوم خريطة ما يجب أن تكون الرحلات والمحطات بل خرائط عدة لسلوك دروب الآفاق والآمال. عرفته منذ عشرين سنة بل أكثر من عشرين سنة بقليل. عرفني به في تونس صديقي الكبير الأستاذ توفيق بكار رأس النقاد وشيخ المثقفين الجامعيين التقدميين. يوم تعارفنا كنت مشغولاً مهموماً مهووساً بربط الصلات بالمبدعين والمثقفين العرب من المغرب والمشرق ولكن على غير القنوات الرسمية العربية وهي اغلبها تندد وتردد وتشكك ووعود من دون انجاز ومما طلات وكلام على كلام! كما هو معلوم. وكنا نحن معشر الكتاب والشعراء الكتاب والشعراء التونسيين قد تمازجنا منذ حرب تحرير الجزائر بزملائنا الجزائريين الملتزمين ثم ربطنا صلات متينة مع أشقائنا الروائيين والشعراء والمفكرين والنقاد والفنانين التشكيليين والمسرحيين المغاربة في أواسط الستينات من القرن العشرين ثم تواصلت إلى مشارف التسعينات. فكان المغرب داراً لنا وكانت تونس داراً لهم ومقاماً. وأثمرت تلك الصلات الجميلة ملياً على صفحات مجلة (أنفاس الطليعية المغربية ومجلة ثقافة الطليعية التجريبية التونسية وعلى جريدة (العمل الثقافي) - وكان أول جريدة أسبوعية أدبية في العالم العربي والملحق الثقافي لجريدة (العلم) المغربية وعلى مجلات أخرى منها مجلة الفلسفة التي أدارها باقتدار المغفور له محمد العزيز الحبابي فيلسوف المغرب، مثلما أثمرت تلك الصلة باللقاءات الفكرية في كل من تونس والدار البيضاء وفاس ومراكش وأصيلة ومكناس والأعمال الفنية المشتركة إلى أن صار الإبداع الفني والأدبي القضية المشتركة الأولى بين المجموعتين.
كانت جلساتي معه قليلة ومقتضبة في صالون الفندق الذي نزل فيه. وهو فندق من الطراز المعماري الاستعماري الفرنسي مفتوح على شارع باريس. اذكر أننا تحدثنا عن إشكالية الكتابة والكتابة العربية يومئذ. تحدثنا مندفعين إلى هذه الإشكالية دون مقدمات ولا تمهيدات بكلمات موجزة جداً وبإشارات مرجعية أجنبية. والحق أني لم اهتم قليلاً أو كثيراً بأنه أستاذ جامعي بل يكفيني أنه مثقف عربي من جيلي فحسب! قد يكون من الكلمات الأولى ومن بعض تعابيره قد فهمت الرجل المتكامل الذي أمامي، قد أدركت تفكيره ومنهاج تفكيره، قد استوعبته تماماً! كأن خيطا شفافاً رهيفاً قد ربط القلب بالقلب. يكفي أن يتلفظ بكلمة واحدة لأدرك في الحال ما يريد. كذلك الشأن بالنسبة إليه حين يستقبلني في مكتبة بالمجلس الأعلى. أكيد لا يحب الثرثرة ولا التباهي بما عرفه وبما مارسه من الآداب والمعارف والعلوم داخل الجامعة المصرية أو الأمريكية أو خارجها ويمقت زخرفة الكلام ومجانية الخطاب وشقشقة الحوار، أكيد ولا شك في ذلك. لكن كيف فهمت هذا الضيف المبجل من كلماته الأولى؟ لابد أنه فهمني أيضاً اذ هذا المثقف المصري إنما هو على درجة عليا من الذكاء والفطنة والألمعية و الحصافة العقلية وقوة الإدراك! أكانت توجد علامات برزت منه أوحت لي وقت جلستنا الأولى بأني فهمته حق الفهم وأعمق الإدراك الباطني. زد على ذلك أن حدسي كان يقول لي: إن صاحبك هذا رجل عملي، انه حركي، إنه فعال، إنه مناضل واقعي لا حماسي والحمد لله ّ ليس من رهط أولئك المناضلين الثقافيين المشتعلين كنار الهشيم سرعان ما تخبو وتنطفئ لأنهم يستندون إلى الظروف الزائلة ولا يعتمدون على القيم الإنسانية القارة كالحرية مثلا مثلما لدى جابر عصفور! وباختصار أقول لنفسي أنت يا أخي في حضرة جيل آخر من المثقفين المصريين غير جيل المؤسسين والرواد، وهو ا لجيل الذي ورث طه حسين وتوفيق الحكيم.