جوهر المسألة..ما بين التوثيق لحقائق واقعية ومخيلة السارد الأدبية

جوهر المسألة..ما بين التوثيق لحقائق واقعية ومخيلة السارد الأدبية

بغداد/ أوراق
إنسان حائر مرهق يبحث عن السلام ويتخيله طويلاً, لكنه ما ان ينغمس فيه, حتى يتمنى بشدة لو أن يداً تأتي وتنتشله منه.. احداث نعيش لحظاتها مستشعرين مرارة حيرتها بين أجواء رواية (جوهر المسألة) للكاتب غراهام غرين والصادرة عن دار (المدى) بترجمة سليم عبد الأمير حمدان،

حيث نتعرف على هنري سكوبي مفوض شرطة انجليزي يمثل أحد عناصر الأمان في مستعمرة أفريقيا الجنوبية, لديه زوجة تشك باستمرار أنه ما أحبها يوماً.. وذكرى تمر كطيف صاخب لابنة توفيت بعيداً عنه قبل ثلاثة أعوام.. سكوبي كاثوليكي يحب خالق الكون لكنه لا يملك لهذا الحب ايماناً كافياً يليق به.. فهو يتخيل السلام على أنه بيت بلا زوجة, او خادم أمين في دار خالية من الأثاث.. وفي الواقع الحال هو مستمر باسعاد زوجته ولا يتوقف عن مسؤوليته تجاها، ويبدو على نحو ما انه مصاب بمرض الشفقة الذي يطارده ويدفنه أكثر في التشتت عندما يتصور أنه غارق فجأة في حب أرملة صغيرة, شاهد عملية انقاذها من مركب بحري محطم.. يتم تقاذف مصير الرجل المتعب ما بين لويز الزوجة وهيلين العشيقة ويوسف التاجر السوري الذي أرغمه على الصداقة, ودفتر اليوميات بذكرياته القاسية والذي يضبب الأجواء في عينيه الغارقة بالدموع كلما يتصفح وريقاته ينساب الى مسامعه صوت ابنته الصغيرة تناديه في فراشها، صوت صغير ناعم يكرر بهدوء: يا أبتِ.. واذ نظر إلى أعلى رأى العينين الزرقاوين اللتين أعماهما الدمع تراقبانه, فكّر برعب: هذا ما ظننت أنني فوته.. كان سينادي السيدة باولز, كل ما هنالك أنه لم يكن عنده صوت ينادي به.. كان يمكن أن يرى صدر الطفلة يناضل من أجل النفس كي يكرر الكلمة الثقيلة, جاء فأطل على السرير وقال: نعم ياعزيزتي, لا تتكلمي. انا هنا.. رسم ضوء الليل ظل قبضته المضمومة على الملاءة, فلفت نظر الطفلة. زلزلها جهد لأن تضحك , فحرك يده بعيداً: نامي ياعزيزتي, أنتِ نعسانة نامي.. غادرت ذكرى كان قد دفنها بعناية, وجعل وهو يخرج منديلاً ظل رأس أرنب يسقط على الوسادة جنبها: ها هو أرنبك , قال: لكي تغفي معه, سيبقى حتى تنامي, نامي , سالت عذوبة من وجهه وأحس طعمها في فمه مالحاً كالدموع نامي, حرك اذني الأرنب الى أعلى و الى أسفل, عالياً سافلاً, ثم سمع صوت السيدة باولز يتكلم خفيضاً وراءه مباشرة: أوقف هذا، فالطفلة ميتة.. احداث تتشكل متخذة مكاناً وبيئة وأرضاً بعينها وتأريخاً لكن غرين يضعنا في متاهة ما بين التوثيق لحقائق واقعية ومخيلة السارد الأديب، فيقول: ليست أي من الشخصيات في هذا الكتاب مبنية على شخص حي، وقد أخذت الخلفية الجغرافية للقصة من ذلك الجزء الواقع في إفريقيا الغربية، والذي كان لي فيه تجربة شخصية. وهذا أمر حتمي. ولكنني أريد أن أوضح بشكل تام أنه ما من ساكن من سكان تلك المستعمرة بالذات، لا في الماضي أو الحاضر، يظهر في كتابي. فحتى المستعمرة الخيالية لها موظفوها، على سبيل المثال قائد الشرطة وسكرتير المستعمرة. لدي سبب خاص يجعلني لا أريد لشخصيات كهذه في كتابي أن تتماهى مع أناس حقيقيين، لأنني أتذكر بامتنان بالغ جداً اللياقة والتقدير اللذين تلقيتهما من قائد الشرطة والسكرتير في المستعمرة التي عملت فيها خلال عامي 1942-1943.. وقد وضع غرين رسالة تحذير من التاجر السوري يوسف الى بطله الذي يشعر بالوحدة الميجور سكوبي: القلب الدافئ ليس لديه قيمة ويلقى به.. وغرين يعرف ذلك، فقد ألقى الكثير من القلوب الدافئة. وقبل سنوات طويلة وجدت نفسي في رحلة للخطوط الجوية الليبية متجهة من طرابلس الى بنغازي، وكنت جالسا بين رجلين ليبيين، كنت متأكدا من أنهما مكلفان بمراقبتي. ولحسن الحظ، كان معي كتاب جيد لقراءته، ومع تحليق الطائرة فوق الصحراء، وصلت الى فصل ممتع جعلني أضحك بصوت عال. وشاهد واحد من الليبيين سعادتي فوخزني في كتفي قائلاً: الأمر يتعلق بالجنس، فقلت له لا، ليس بالجنس. وكان الكتاب هو دوريت الصغير لتشارلز ديكنز.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف في سطور
ولد غراهام غرين في 1904.. بعد مغادرته كلية باليول في أكسفورد عمل لمدة أربع سنوات كمساعد محرر في جريدة التايمز.. وقد رسخ شهرته بروايته الرابعة "قطار إسطنبول" في 1935 قام برحلة عبر ليبيريا وصفت في "رحلة بلا خرائط"، وعين عند الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وزار المكسيك في 1938 ليكتب عن الاضطهاد الديني هناك.. ونتيجة لهذا كتب الطرق غير القانونية.. وفيما بعد وروايته المشهورة (القوة والمجد).. نشرت رواية صخرة برايتون في 1938.. وفي 1940 أصبح المحرر الأدبي لجريدة سبكاتاتور. في السنة التالية تعهد بالقيام بعمل لمكتب الشؤون الخارجية وأصبح مقره في سيراليون من 1941 إلى 1943. أنتجت هذه الفترة فيما بعد روايته "صميم الموضوع" التي تدور أحداثها في غرب أفريقيا، وتتضمن روايات أخرى نهاية العلاقة والأميركي الهادئ وحلات مع خالتي ولقنصل الفخري والقطبان والعدو إضافة إلى رواياته العديدة، كتب غرين مجموعات قصص قصيرة، وأربع كتب رحلات، وكتابين عن سيرته الذاتية، وأربعة كتب للأطفال، وحولت الكثير من رواياته وقصصه إلى أفلام.. توفي غراهام غرين في شهر نيسان عام 1991.