قادش..مدينة الحرب والسلام...قراءة في كتاب      طفيليات العقل      للروائي      كولن ولسون

قادش..مدينة الحرب والسلام...قراءة في كتاب طفيليات العقل للروائي كولن ولسون

ضحى عبدالرؤوف المل بيروت- لبنان
تمتلئ رواية"طفيليات العقل"للروائي" كولن ولسون" والتي ترجمها الى العربية"دكتور محمود درويش" بالأفكار النفسية وبوعي يجمع بين محاسن ومساوئ العقل من خلال قصة بدأت بنقاش استحوذ على البداية الحقيقية، لحرب مع طفيليات العقل، والمنعطفات التي يحفل بها التاريخ، لان عبثية الحياة تدفع بالبعض نحو الحلم الذي يتفجر بأشكال مختلفة حيث البعض يغرق بلذة اكتشاف الحضارات،

وتأملها او منح التساؤل قيمة ذهنية تدفعنا نحو البحث عن أجوبة هي في باطن كل منا، فنحتاج الى مفتاح لنضعه في المكان الصحيح، لكي ندخل بأمان داخل ثقوب العقل او بالاحرى الفراغات التي ما زالت تحتاج للامتلاء في الحياة، ولكن ما الذي يربط بين علم النفس، وعلم الآثار ومحاولة فك الرموز التي تستعصي على الانسان العادي؟ وما الذي يدفعنا الى الايمان بالمعجزات؟.وهل فعلا ان الحضارة هي نوع من الحلم؟."على اي حال، فالحضارة نوع من الحلم، ولنفرض أن رجلا استفاق فجأة من هذا الحلم، الا يكفي لدفعه الى الانتحار؟"
بداية روائية ذات زمنية متنوعة. الا ان الخيال فيها يسبق الواقع. والحاضر هو من يمسك الماضي والمستقبل ليتحكم العقل"باستعارة غريبة حول الخلايا البيولوجية ونزعتها الى الموت اختيارا، عندما يفقد الجسم قدرته على التنبيه بواسطة المحيط الخارجي"فالاسلوب الروائي التخيلي لم يخل من استنتاجات ذهنية كحلها بين الحين والاخر، بالأمكنة التي تتنازعها الرواية ذات الخيال الحسي المتوج بالأحاسيس الباطنية، وبتحليلات ادراكية نتجت عن تأمل العلوم. ان من علم النفس او علم الآثار او حتى علم الفضاء او علم الماورائيات حيث بدأ النظر الى أعماقه بقوة انسانية باحثة عن العوالم المنطوية فيها ليقول:"اذا كان المكان غير محدود، فما بالك بالمكان الموجود داخل الانسان؟"
يطرح"كولن ولسون" في روايته"طفيليات العقل"فكرة التجديد الذاتي التي من شأنها خلق حب المغامرة، وفتح ابواب الحياة للانطلاق نحو حضارات كتلك التي استطاعت بناء الاهرامات في مصر، وهذا ما حاول معرفته عالم الاثار قبل ان يبدأ بالتفكير، وليتساءل ما هو الشيء الذي يدمر قدرة البشر على التجديد الذاتي؟ فالرواية ذات بناء منطقي وفلسفي يعتمد على التحليلات التي يتشارك بها مع القارئ. مما يثير الدهشة في النفس، فالاستنتاجات قد تتطابق بين الروائي والقارئ، وقد تتعارض اذ يفتح نقاشات طويلة مفتوحة الأبعاد نحو عدة اجوبة، وفي كل منها مفتاح عقلي يتوجه بالحلول المتخيلة بعد لمس الواقع والتاريخ، وكأنه يقص"قصص واقعية من صميم الحياة تستفيد من الصدفة بطريقة لا يجرؤ عليها اي روائي."
دوائر تخاطرية تضعنا امام حقائق حياتية لا يمكن استنكارها. لانها خلاصة فكر او بالاحرى عصارة تجارب انسانية، فالتخيلات الروائية الجامحة هي نوع من الاسقاطات او المجازات التي تصور الحياة، واركانها المتناقضة من خير وشر وقوى خفية تقودنا احيانا نحو الاعتراف"بالاحساس العارم بالقدر وبالخالق الذي يحدد نهايتنا"فهل الموت نهاية ام بداية؟.ان الجهل بكنه الروح وبزمنية الولادة والموت من شأنه ان يرفع من قيمة الحياة. لانها تدفع بالانسان الى المغامرة والبحث. كما فعل عالم الاثار وصديقه للبحث في اوراق تروي قصة الطفيليات. ليستكملها بالمسبار الفضائي الذي تاه في عمق الفضاء خلال رحلة زمنية سبقت زمن الرواية التي بدأت بالزمن وانتهت باللامكان او اللازمن الحقيقي، فالسرديات المترابطة مع اللغة الحوارية المملوءة بالاثارة والتشويق تثير دهشة القارئ، ولطفيليات الذهن المتأثرة بالاكتشافات وبالتأريخ واهميته"لقد جعلني مايرز اشعر ان المؤرخ الحقيقي انما هو شاعر وليس عالما".
ترتبط الفكرة المتخيلة في الرواية بعلم الاثار، وعلم النفس والبناء الاجتماعي القائم على نقد الزمن الصناعي الخالي من الجمال او بالاحرى من الشعر والموسيقى والرقص، وهذا نوع من الاسباب التي يدفع الى الانتحار حيث"قدم استعارة غريبة حول الخلايا البيولوجية ونزعتها الى الموت اختيارا، عندما يفقد الجسم قدرته على التنبه بواسطة المحيط الخارجي."فالأثر الجمالي في الحياة يبعث الأمل والطمأنينة في النفس المتعبة لان"الانسان الذي يجهد نفسه في العمل يشعر بالتوتر وما يلبث الامر يصبح عادة يصعب التخلص منها"مغامرات خيالية نسجها بخيوط الحياة الحقيقية، وبعناصر علم الانفس وعلم الاثار معا. لتخضع كل فكرة الى تحليلات زمنية تمتد الى ما قبل الماضي والى ما بعد الحاضر حيث"كشفت الواح ارزوا الاخيرة عن انتشار ظاهرة الانتحار اثناء حكم الملك مرشيلس الثاني ق م"معتبرا ان طفيليات العقل هي كالسرطان تتدمر الخلايا، كما تتسبب في شن الحروب والتحكم بالعقول الحاكمة التي تتأثر بالاغتيالات السياسية والانحطاط التاريخي، وكل ما من شأنه ان يتسبب في تدمير الحضارات"اذ تكشف الادلة في قرة تبة عن حضارة فنية لا عسكرية. فهل هي مجرد اللامبالاة".
فضاءات روائية لا تخضع الى جنس ادبي محدد. الا انها من الخيال الزمني المقترن بقانون المصادفة، فالفكرة تتماشى مع ما يطرحه في فنه الروائي من توسع العقل الى ما لانهاية في اعماقنا، فالمستوى السردي يزداد ويتناقص مع ازدياد حدة الحدث وخفوته. لنصل الى نهاية هي بداية في حد ذاتها. لان القارىء يستفيق بعدها على المفردات التي استقرت في وعيه، فالتأثر والتأثير والتفاعل بين القارئ والرواية نتج عنه برمجة تطلبت قوة في التركيز والانتباه، والغوص في اعماق الرواية اكثر فاكثر. لنحاول اكتشاف سبب الانتحار، فنكتشف ان الافراد ليسوا الا خلايا في جسد الحضارة الهائل، وان نسبة الانحطاط تزداد مع التقدم في السن"كما ان"العقول البشرية ليست اجزاء منفصلة بل هي جزء من قادة العقل العظيمة"

تحليلات اثرية لاكتشافات في باطن الارض او عمقها يترجم من خلالها سلوكيات الانسان القديم الذي تأثر بها الانسان غي الحاضر مثل"جورج سميث"الذي"سافر من لندن والامل يراوده في العثور على الالواح الطينية التي من شانها ان تكمل ملحمة غلغامش"وهذا جعله يعترف ان علم الآثار يميل الى دفع المرء للايمان بالمعجزات، فهل حاول"كولن ولسون"في روايته الكشف عن العقل"باعتباره عالما قائما بذاته تماما، كالعالم الذي نعيش فيه، كوكبا له غاباته وصحاريه ومحيطاته". ان تصوير العقل كالحضارات الانسانية هو جزء من كل. خطط له كنوع من التجديد الذاتي حيث القدرة عند القارئ قد تنجح وقد تفشل في اكتشاف التضاد الروائي المؤدي الى عصف ذهني شديد بتياراته الهوجاء. لان البحث عن قادش هو تماما كالبحث عن انتحار"كارل وايزمان"فتلك تحتاج الى الغوص في عمق الارض، وهذه تحتاج الى الغوص في عمق العقل وبين هذا وذاك تتضح المفاهيم المعرفية والسلوكية للانسان المتأثر بالمحيط البيئي، فخريطة بناء الوعي يرسمها الانسان الواعي الذي"يراقب الكون طيلة الوقت"ولكن اليست التأملات التي يلجأ اليها الانسان في حالاته الطبيعة هي جزء من بناء الوعي او كما يقول"كولن ولسون" في روايته التجديد الذاتي؟.
"وما فعلناه هو تحويل الحقيقة الخاصة بالطفيليات الى قصة خرافية من قصص الاطفال"هروب من حقيقة الى خرافة وبالعكس. ليستوعب العقل الكم التحليلي الذي قدمه ولسون في رواية خيالية، ولكنها تحمل فكرة فلسفية تنشط وعي القارئ، وتجعله من ضمن الدائرة التخاطرية التي تؤثر في الذهن"لقد اعتاد البشر على حدودهم الذهنية الضيقة تماما. كما اعتاد الناس على متاعب السفر الهائلة قبل ثلاثة قرون"فالرصانه في تقديم كل فكرة فرعية من خلال اسلوب تشويقي يثير نزعة الغوص اكثر هو بمثابة المحرك الأساسي لرواية انطلقت من البحث الى التحليل والاستنتاج بالتسلسل الذهني المؤثر على القارئ بحيث تنطبع الاحداث والافكار تبعا لما يتم تحزينه في الذاكرة معتبرا"الانسان أشبه بقارة من القارات غير ان عقله الواعي ليس اكبر من حديقة خلفية"
تتجدد التساؤلات الى ما لانهاية عن ماهية قادش وطفيليات العقل، والظل خارج الزمن، والمراقبة الذاتية، فالمصطلحات الروائية اتخذت من ملكوت العقل الارض الاساسية لها. لتستقر في العمق كالطفيليات الموجودين في أعماق الوعي، وفي ملكوت اعمق الذكريات. واذ ما اقتربو ا كثيرا من الوعي، فإنهم سيتعرضون الى خطر الكشف عن انفسهم"ولكن يبدو ان الثورة القادشية الشبيهة بثورة العقل وطفيلياته المسيطرة هي البناء الروائي الاساسي الاستبطاني لمعركة"قادش"الشهيرة بين"رمسيس الثاني"فرعون مصر وبين"الحثيين"فما بين البحث عن اثار قادش والحثيين، واسباب انتحار الانسان والحضارات والبقاء في تركيا للبحث عن اثار قادش والعودة من الفضاء، وقد قامت الحرب كصرخة اثبات على الطفيليات الرمزية الموجودة في الكون، والتي تمنع السلام، فهل قادش المذكورة في الرواية هي قادش مدينة الحرب والسلام؟