شوارع بغداد في أوائل ظهورها

شوارع بغداد في أوائل ظهورها

■ عباس الزاملي
كانت مشكلة النقل والمواصلات من المشكلات المعقدة في كثير من المدن الكبرى ومنها مدينة بغداد، بفعل حركة السكان وتنقلهم داخل المدينة، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث الازدحام والتأخر وصعوبة الوصول بسبب رداءة الطرق وعدم تنظيم شبكة الشوارع بصورة تضمن التوسعات الجديدة في المستقبل.


لقد أدى تحسن المستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي حدث في المجتمع البغدادي إلى زيادة عدد السكان وارتفاع مستوى الدخل، فأدى بدوره إلى زيادة ملكية وساط النقل المختلفة، التي أدت إلى الازدحام في شوارع بغداد الضيقة، بسبب حركة العمل اليومي أو الذهاب إلى الدوائر الحكومية والمدارس أو الدوائر الترفيهية، لذلك اهتمت أمانة العاصمة بفتح شوارع جديدة في المدينة لتكون إلى جانب الشوارع القائمة لتخفيف الازدحام.
افتتحت في مدينة بغداد في بداية الثلاثينيات شوارع رئيسة وأخرى فرعية اخترقت المدينة من شمالها إلى جنوبها، فأصبح بالإمكان سير العربات والسيارات في اتجاهين متعاكسين. وكان من أهم تلك الشوارع شارع عبد المحسن السعدون بين الباب الشرقي وموقع نصب الجندي المجهول القديم وقد جرى فتحه بعد إزالة البساتين الكثيفة في تلك المنطقة ومد القسم الثاني منه إلى ساحة الفتح عبر ساحة علي بابا. وكان للشارع مظهران يختلف احدهما عن الآخر، احدهما في النهار ويكون مشغولا بالعمل لوجود المؤسسات الرسمية والتجارية، وثانيهما في الليل ويكون مكاناً للتسلية والترويح حيث تنتشر فيه المقاهي والمطاعم.
وافتتح في عام 1934 شارع أبي نؤاس المطل على ضفاف نهر دجلة في جانب الرصافة بطول (3) كم. ويمتد من الباب الشرقي إلى نهاية الكرادة الشرقية، وله أهمية اقتصادية واجتماعية في آن واحد. عبر عنها السيد عبد الرزاق الحسني قائلا (تراه يعج في الاماسي والاصباح بالغيد الحسان والشبان الاماليد، وترى المقاهي والمتنزهات والمصطبات المكتظة بروادها وقد توسطت الحدائق الزاهية وكلها تطل على دجلة حيث ينساب بأمواجه المتراقصة، وقد طافت فوقه القوارب والطيور المائية وانعكست عليه ظلال الأشجار المورقة فيخال للإنسان أن يطالع كتاب ألف ليلة وليلة أو كأنه يعيش حقيقة ويحيى حياة ألف ليلة بسحرها ولذائذها ومجونها).
وعلى الرغم من فتح تلك الشوارع انفرد شارع الرشيد بأهمية خاصة إذ أصبحت أحياؤه مثل باب الأغا والشورجة تضم الأسواق والبيوت التجارية، وتؤدي دوراً أساساً كمركز رئيس للحياة الاقتصادية والاجتماعية، لذلك دعت الضرورة إلى التوسع في فتح شوارع أخرى لإيجاد منافذ جديدة لتسهيل حركة النقل باتجاه ضواحي المدينة وتخفيف الضغط على شارع الرشيد. فقامت أمانة العاصمة عام 1936 بافتتاح شارع الملك غازي. وقد قرر ارشد العمري أمين العاصمة أن يكون الشارع واسعاً من ساحة قنبر علي حتى ساحة الصدرية، أما الجانبان الآخران فيبقيان ضيقين، في حين اصر المهندسون الذين استدعوا لشق الشارع على أن يكون عريضاً وذا ممرين كبيرين من بدايته حتى نهايته لكي يتناسب و تطور المدينة وقد تمسك أمين العاصمة برأيه قائلاً: "إن أهالي بغداد صاروا طماعين يريدون أن يقبضوا عن عقاراتهم المستهلكة مبالغ تصل إلى مئة ألف دينار لكل طرف من الشارع، وهو مبلغ باهض لست مستعداً لأدائه" وقد دفع تشدد أمين العاصمة واعتداده برأيه المهندسين الى تقديم استقالتهم احتجاجاً على ذلك. لكنه لم يتراجع عن رأيه، فتم فتحه حسب المواصفات التي أرادها بفعل تصميمه وعناده.
وبعد إقامة الجسرين الحديديين (المأمون، وفيصل) على نهر دجلة وافتتاحهما عام 1939- 1940، قامت أمانة العاصمة بفتح شارعين في الكرخ يمتدان من مطلع الجسرين المذكورين الى خارج المدينة، يسمى احدهما شارع الملك فيصل، وكان من أوسع شوارع العاصمة وأجملها في ذلك الوقت، وهو أول شارع افتتح بممرين، احدهما للذهاب والآخر للإياب ويتوسطهما رصيف زرع بأشجار النخيل وأنواع مختلف من زهور الزينة، أما الثاني فهو يمتد من مطلع جسر المأمون (الشهداء حالياً) إلى مسافة قصيرة، وعرف بشارع الأمير عبد الإله.
لم تكن الشوارع المنوه بها كافية لتسهيل حركة النقل داخل المدينة، لذلك سعت أمانة العاصمة إلى فتح شوارع متعددة في مناطق مختلفة منها شارع الأمين العرضاني وشارع المصارف. وقامت بتبليط شارع الميكانيك مقابل جامع السيد سلطان علي وشارع باب الشيخ عمر الذي اجتمع فيه أصحاب الصنائع والحرف فتحول إلى منطقة صناعية مهمة لتصليح السيارات. كما افتتحت شوارع أخرى في الأعظمية والكاظمية للتخلص من الازدحام في المناسبات الدينية والاجتماعية.
ويبدو لنا أن ضعف تخطيط الحكومة وعدم وجود دراسات دقيقة ومتأنية من قبل خبراء ومهندسين عراقيين تأخذ بنظر الاعتبار توسعات المدينة الجديدة وحاجتها للشوارع الواسعة، فضلاً عن كثرة التبادلات في أمانة العاصمة، وإشغالها من أشخاص غير مهتمين بطبيعة أعمالها كان وراء التأخر في افتتاح الشوارع الضرورية للعاصمة فأصبح انجاز تلك الأعمال مقروناً بشخص الأمين الذي يتولى أمانة العاصمة ومدى استعانته بالخبراء الأجانب وحسب التخصيصات المالية لأمانة العاصمة.
ومن الجدير بالذكر أن توسع المدينة قد أدى إلى ظهور شوارع جديدة، تميزت بالاستقامة والاتساع لاستيعاب وسائط النقل، التي أصبحت في تزايد مستمر، وقد حافظت تلك الشوارع، على اتجاهها التقليدي الموازي لنهر دجلة عدا استثناءات قليلة. وكان من ابرز الشوارع التي ظهرت في نهاية الحرب العالمية الثانية، شوارع بغداد الجديدة، وهي أربعة شوارع رئيسية متوازية، طول الواحد منها ثلاثة كيلو مترات، وعرض كل منها (50) متراً، تتقاطع مع هذه الشوارع طرق فرعية، تقسم المربعات الناتجة عن تقاطعها بصورة هندسية تجعل كل وحدة من وحداته منطقة سكنية تقع على طرفين اثنين.
استمرت أمانة العاصمة في الأربعينيات برفد المدينة بخدماتها الضرورية، وسعت إلى إعادة تبليط الطرق القديمة وإنشاء الأرصفة لتحديد استقامة الشوارع ومنعت الأهالي من التجاوز على تلك الأرصفة للحيلولة دون التأثير على سير الحركة في الشوارع.
وفي الخمسينيات نفذت أمانة العاصمة عدداً من المشاريع المتعلقة بتنظيم وتبليط وفتح الشوارع التي تركت آثارها الواضحة في مدينة بغداد، وكان من ابرز انجازات أمانة العاصمة قيامها بفتح شارع عريض يخترق بغداد من باب المعظم حتى الباب الشرقي (بين شارعي الرشيد وغازي) سمي بشارع الملكة عالية (الجمهورية حالياً) لكي يكون بمثابة رئة للمدينة المزدحمة بالسكان لتخفيف أزمة المرور فيها بعد أن عجز شارعا الرشيد والملك غازي عن تخفيفها.
ويذكر فخر الفخري أمين العاصمة في عام 1954 بأنه كان وراء انجاز شارع الملكة عالية وبحكم منصبه هو الذي قرر أن يكون عرضه (40) متراً ومدخله في الباب الشرقي (50) متراً وأستملك العقارات الواقعة على الجانبين بعمق (20) متراً وقدر تكاليفه بـ(8) ملايين دينار،وبذل جهداً كبيراً في إخراجه وتغلب على المعارضة التي جوبه بها من العلماء ورجال الدين والمستفيدين بفعل استخدامه للحكمة والسخاء والانصاف باعطاء اصحاب العقارات 10% اكثر مما تستحقه عقاراتهم المتداعية، الامر الذي جعلهم يطلبون الاستعجال باستملاك عقاراتهم، وقد تمكنت أمانة العاصمة بعد الاقتراض من مجلس الإعمار وبيعها للمساحات الزائدة عن الشارع (الفضلات) من سد تكاليف شق الشارع وتم افتتاحه من قبل الملك فيصل الثاني في يوم الأربعاء الموافق 2 تشرين الأول من عام 1957.
وقد ترافق مع افتتاح شارع الملكة عالية افتتاح شارع القبلة في الكاظمية أمام باب القبلة في الصحن الشريف حيث مرقد الإمامين الجوادين موسى الكاظم ومحمد الجواد (عليهما السلام) بعد إزالة الأبنية القديمة المتداعية والأزقة الضيقة التي تحيط بالصحن الشريف، إذ أنها لا تتناسب وقدسية المراقد الطاهرة مما كان له ابلغ الأثر في تسهيل حركة مرور الوفود القادمة لأجل الزيارة والتبرك.a