د. لويس عوض.. وأربع قضايا ثقافية

د. لويس عوض.. وأربع قضايا ثقافية

د.عمرو دواره
مسرحي مصري
تمر الأيام والسنوات وتتغير الأحوال كثيرا حولنا، وتتسابق الأمم في الأخذ بأسباب التطور، ولكننا للأسف نظل مع ذلك كما نحن ندور في نفس المكان وتتشابه بل وتتكرر نفس الأحداث، أو كما يقال نسير بخطوة"محلك سر"، فنحن ندمن إضاعة الوقت والعودة دائما لنقطة البدايات، وما أشبه اليوم بالبارحة، نفس القضايا والمناقشات والتذبذب في القرارات،

لذا أقدم اليوم دليلا قاطعا بأربع قضايا أدبية مهمة تشغلنا حاليا، ومع ذلك فقد تضمنها الخطاب المفتوح الذي كتبه د.لويس عوض إلي د.محمد سليمان حزين وزير الثقافة حينئذ (ونشر بجريدة الأهرام في 19 تشرين الاول1965) أي منذ مايقرب من خمسين عاما!!، والذي أرى ضرورة إعادة إرساله إلى وزير الثقافة الحالي د.عماد أبو غازي وجميع المهتمين بالثقافة المصرية.

الفرق المسرحية وهويتها الضائعة
اختلطت الأوراق كثيرا بحياتنا المسرحية واختلطت المفاهيم، كما تضاربت القرارات مع تغير المسؤولين، وعلى سبيل المثال لاالحصر تم نقل تبعية فرقة "الغد" المسرحية من قطاع "الفنون الشعبية والاستعراضية" إلى "البيت الفني للمسرح"!، وذلك بالرغم من تبعيتها جغرافيا إلى البيت الفني للفنون الشعبية وبالتحديد إلى مسرح "البالون"!، كما تم تغيير أسمها أكثر من مرة لتصبح "الغد للعروض التجريبية"، ثم الغد"للعروض التراثية"، وأخيرا "الفرقة القومية للعروض التراثية"، وبالتالي فقد اختلفت هويتها من فترة لأخرى.
والحقيقة أن غياب الهوية الخاصة لكل فرقة من فرقنا المسرحية قد أحدث تداخلا كبيرا فيما بينها وتشابها كبيرا فيما تقدمه من عروض، فالعروض التجريبية على سبيل المثال تتنافس كل فرق مسارح الدولة على انتاجها للمشاركة بفعاليات مهرجان"القاهرة للمسرح التجريبي"، كما أصبحت العروض الشبابية تقدم بجميع الفرق (القومي والحديث والكوميدي والطليعة والشباب والغد)، وأيضا كثيرا ماتشابهت عروض كل من فرقتي"المسرح القومي للأطفال"و"القاهرة للعرائس"مع عروض فرقتي"تحت 18? و"أنغام الشباب"، لذلك فقد سعدت جدا بمقال الصديق/ يسري حسان – بجريدة مسرحنا- والذي تناول فيه قضية هوية الفرق المسرحية ومسمياتها، خاصة بعد تغيير مسمي فرقة"المتجول"إلى فرقة"الساحة"، وذلك بخلاف أن فرقة"المتجول"في حد ذاتها قد أعيد تشكيلها منذ ثلاث سنوات بعدما توقف نشاطها بقرار وزاري (في عهد الوزير د.أحمد هيكل) عام 1987!!.
والطريف أن الناقد والفليسوف الكبير/ د.لويس عوض قد تناول - بخطابه المفتوح منذ حوالي نصف قرن!! – قضية الفرق المسرحية وهويتها الضائعة فكتب:
(في باب المسرح نحن لسنا بحاجة إلا إلى ثلاثة مسارح في القاهرة لها ست فرق: مسرح قومي ذا شعبتين أحداهما لتراثنا القومي والأخري للتراث العالمي، ومسرح تجريبي يحمل اسم"توفيق الحكيم"ذو شعبتين، شعبة للفن التجريبي القومي يخصص لها المسرح الحديث، وشعبة للفن التجريبي العالمي ويخصص لها مسرح الجيب، وأخيرا مسرح كوميدي له شعبتان إحداهما لتسلية المثقفين والأخري لتسلية الجماهير غير المثقفة، وإن كنت أعتقد أن تسلية الجماهير غير المثقفة ينبغي أن يترك مجالا للرأسمالية الوطنية وألا تدخل الدولة في شيء إلا إذا أرادت من ورائه تثقيفا أو تعليما أو نشر فكرة من الأفكار، أما الهذر للهذر ومجرد ازجاء الفراغ – فهو شيء مشروع حقا – ولكن المال الخاص أولي به من المال العام.
كذلك نحن بحاجة إلى تخصيص فرقة ثابتة لكل شعبة من هذه الشعب حتي يكون لكل مسرح الريبرتوار الخاص به، مع حظر انتداب الفنانين من فرقة إلى فرقة أخري إلا عند الضرورة القصوي، فبهذا وحده يقوم التنافس بين الفرق، لابين مديري المسارح في سبيل الأرفع والأنفع، أما ترك رصيدنا الفني على المشاع بين المسارح فقد كان أول أثر من آثاره تلفيق أبطال المسرحيات التي تعرض على مسارحنا من فنانين وأشتات جمعوا من هنا وهنالك بحيث يستحيل عرض أية مسرحية مهما كانت ناجحة أو نافعة أكثر من أسبوعين أو ثلاثة، ويستحيل إعادة عرض أية مسرحية بسبب ارتباط أبطالها بمسرحيات أخري رغم أننا ننفق الآلاف المؤلفة في إخراج كل مسرحية.
كذلك نحن بحاجة إلى تحديد واضح جامع مانع لوظيفة كل فرقة من فرقنا وكل مسرح من مسارحنا حتي لا تتداخل الاختصاصات، ونحن بحاجة إلى الحد من طموح مقاولي الانتاج الأدبي والفني الذين يحاولون اثبات جدارتهم على حساب المستوى الأدبي والفني، فلا نأذن لفرقة أن تقدم أكثر من أربع مسرحيات كل عام، ولا نأذن لمخرج أو ممثل رئيسي أن ينتج أكثر من عملين كل عام، ولا نأذن بعرض مسرحية إلا إذا أجريت عليها ستون بروفة على الأقل، وقبل هذا وذاك نحن بحاجة إلى لجان قراءة عسيرة لا تجيز نصا إلا إذا بلغ المستوى الأدني من الجودة والاتقان، حتي تعفينا من كل هذه اللكلكة واللعبكة التي يضيع فيها المال العام بلا طائل وتنحدر بالذوق العام عاما بعد عام. فإذا فعلنا كل ذلك كان لنا أن نأمل في أربع وعشرين مسرحية جيدة كل سنة، وهو ليس بالعدد القليل، أما احتياجات الإذاعة والتلفزيون والسينما من التمثيليات فوق هذا العدد فلا سبيل إلى مواجهتها دون افساد لحياتنا الفنية إلا بتخصيص فرق أستديو تنقطع لها، بحيث يخير الفنان بين العمل على المسرح والعمل في الاستديو، وواضح أن العمل بهذا النظام سوف يعود بالكوارث المالية على الأدباء والفنانين، فجزء لا يتجزأ من هذا البرنامج هو مضاعفة مرتبات الأدباء والفنانين، ومضاعفة مكافآتهم وتحرير ميزانيات الأدب والفن من القيود المالية مع درجة لابأس بها من اللامركزية، بحيث لايضار الأدباء والفنانون الأصلاء من انقاذ الكيف من الكم).
رحم الله هذا الناقد الكبير جزاء صدقه وحرصه على توظيف كل ثقافته وخبراته للصالح العام، وكم كان سيشقي إذا شاهد تلك اللكلكة واللعبكة المعاصرة، حيث ضاعت هوية الفرق، وافتقدت كل الفرق لنجومها الذين فضلوا العمل بالدراما التلفزيونية عن المسرح، فاعتمدت أغلب عروض مسارح الدولة على مجموعات من"هواة المسرح"!، فقدمت فرقة"الطليعة"عرض"هاملت"بمجموعة طلاب جامعة القاهرة (وهو العرض الفائز بمهرجان المسرح الفقير)، وكان مكانه الأنسب بالطبع هو مسرح الشباب، كذلك قام المسرح الكوميدي بتقديم عرض"ورد الجناين"وهو عرض ميلودرامي عن شهداء الثورة!، وقدم"المتجول"أكثر من عرض يتضمن عدة مشاهد ومناظر تعتمد على ديكورات ثقيلة يصعب التجوال بها ولكنها العشوائية الفنية التي عانينا منها كثيرا ومازلنا نعاني منها حتي الآن.

عن أخبار الادب
عدد خاص عن لويس عوض