رائعة هيرمان هيسه (لعبة الكريات الزجاجية) .. العبقريـة والدرس الانساني..

رائعة هيرمان هيسه (لعبة الكريات الزجاجية) .. العبقريـة والدرس الانساني..

محمد يونس
اسس هيرمان هيسه لرواية انحرفت عن المسار العام، حيث انعطفت من كيان مظهر الوجود الى حس عميق لاهوتي على طريقة اسبينوزا، وصار هناك اشباع صوفي عند هيسه وتمرد وجداني على ما يحرك الحياة من ميكانيكية، وما سد هارتا الا مثال لمنطلقات هيسه الفكرية وتماهي وجدانه صوفيا، وان كان سد هارتا محاكاة ماهرة لبوذا، لكن الخيال الخلاق لدا هيسه وهبه احاسيسه ومنطلقاته الفكرية، فتلاشت المحاكاة، وصار الراهب سد هارتا نبيا ذاتيا يحمل افكار الروائي واحاسيسه وما أن يكرس في مكان مبادىء تعارض او تقبل يغادره الى آخر.

وقد عاش هيرمان هيسه تقلبات مريرة ادت الى مرضه وراح يفر الى عزلة عليل لا يرى مرضه عضويا، بل يراه روحيا ووجدانيا، ورائعته لعبة الكريات الزجاجية عمل ادبي يفوق الوصف كما يفوق الوصف عمل بروست، وكلاهما لايقارن بأي عمل اخر، وملك هيسه بعد التفرد في روايته العظمى(لعبة الكريات الزجاجية)وبلغ بها اقصى درجات الاهمية من جهة انعدام التقييم لها، واقصى حدود التكامل الجمالي، ولا اظن ان روائيا عالميا قنع او وافق أن يقارن عمله برواية هيسه العظمى، فهي فلسفة رياضية تتكامل معماريا بشكل هندسي شيق، ولا تقرأ مرة لان النتائج حتما ستكون ناقصة، وكل قراءة تجد هناك مستجدات مذهلة تفوق الوصف برزت في افق البناء الروائي المستحدث، واعتقد أن الجهد الخلاق الذي بذله هيرمان هيسه في كتابة هذه الرواية المختلفة تقنيا وعن سياقات المعطى الفكري المعهودة في كتابة الرواية، وما اشار اليه بروست في كتاب له، أن عنصر الاهمية ليس من السهل بلوغه، وهو يقارن بين تولستوي الذي يراه الها جليلا في تشبيه هيبته الروائية وما بلغه تولستوي من اهمية، ويرى بلزاك رجلا من الرجال يسعى الى الاهمية، لكن العطاء الغني الطاقة الابداعية مكنه من بلوغ اقصى درجات الاهمية، وهو حاذق ونبيه وروحي التأمل لعمله، وتمكن من أن يولي بروحية الفنان اهمية قصوى لتصاعد البناء الفني نحو التكامل الجمالي، فكان كما بيكاسو لايرضى بنتيجة سريعة يخلص اليها علمه، وكما هرمان في روايته الرائعة (موبي ديك) كان هيسه باطاره الروحي رحبا، رغم ما به من اعتلال بدني، وهكذا دوستوفسكي ايضا فعندما نقل الى سجن سيبريا توقعوا أنه سيركن الى الصمت، لكن اضاف عملا رائعا الى تاريخه الحافل،وكان هيسه ليس ببعيد عن توماس مان صاحب الروائع الروائية، مثل(ال بودنبروك) وكذلك تحفته الروائية (الجبل السحري) ورغم وجود قاسم مشترك مع توماس مان لهيرمان هيسه فان اغلب روايات هيرمان هيسه تدل على عمقه الروحي وسمو تلك الروح وتماهي الوجدان النقي، وكانت كل تلك العوامل وغيرها عوامل اصالة وبلاغة نبل ونقاء، وهذا ما مكنه من الانصباب على نمط صوفي من الكتابة، ربما لو قارنه بقيم الصوفية، لن نجد من يقارن به ربما الا الحلاج، وشخصيات هيرمان هيسه رصينة وجليلة القدر، وأن عاكستها الاقدار لا تنحني، بل تبقى رحبة ومنتصبة بهيبة ورسم شخصيات من جانب هي مركب ليس سهلا، فرسم ملامح معهودة لكائن بشري هي سهلة، لكن رسم ارواح طباشيرية تمشي على الارض ليس من السهل وفرته، ومن اطار جانبي نقر بأن لولادة امه في الهند بعض التأثير في التوغل في روح المعنى الانساني، واستدراجه ليتمظهر مسرودا، ولكن تلك الموهبة التي تميزت بفطرة اصيلة، هي ليست صنعة بمعناها الحرفي ولن يجيدها أي كاتب ممن عاصروه او من كتب في السياق الروائي في المراحل اللاحقة، وقد بقي هيرمان هيسه يتامل ويتفاعل في كتابة روايته الفلسفية العميقة من سنة 1931 الى 1942، وتلك السنوات تمخض عنها كتاب قد يجنس روائيا وقد لايجد سبيلا الى التجنيس، حيث هي ولادة عقل من رحم الالم وصراخ في زمن استبداد العسكر، وصوت العقل لايحتاج فقط الى اطر الحضارة والتمدن، فكان هيرمان هيسه كما شخصيته الثرية العطاء الروحي(كنولب)،وشعر وقصائد هيرمان هيسه عذبا وساحرا برغم الشجن ونبرة الحزن، لكن تبقى رائعته العظمى هي ثمرة ابدية، رغم طابعها الفلسفي وكونها كما شفرة بذاتها قد تتيح لمتلقي عضوي وليس من تسميه فريجينيا وولف (القارىء العادي) من بلوغ افاق هيرمان هيسه، لكن على التلقي أن يعلم أن هيرمان هيسه هو كما شخصية رواية (ذئب البراري) ليس مصادفة الا ينتهي لا الى السعادة ولا الى البؤس، حيث كما روح هيرمان هيسه تهيم في عوالم المطلق برضا، فكان ذات الشخصية الاساس في رواية (ذئب البراري) الذي هو كائن استثنائي وهو المعادل الموضوعي لذلك الاستثناء الذي تمثل بشخصية قد حاكته لهيرمان هيسه بالحذافير، وعبر صفة الاستثناء الصوفية الطابع يكون هيسه عميقا الى الحد حتى بلوغ روحه انقى درجات النقاء، وعبر ذلك النقاء تجد الملامح الحقيقية لهيرمان هيسه، وتجد في عينيه ملامح الرهبة والخلود على السواء. ان العبقرية ليست شهادة بل موهبة عطاء، وهذا ما جعل العبقرية بعيدة نسبيا عن الدرس بكل انواعه حتى الفلسفي منه، وسياق الابداع يرتبط بالموهبة في البدء، ومن ثم يتطور في سبل الدرس العلمي وافاقه، لكن في رسم ملامح العبقرية لن تجد بصمات الا للموهبة والفطرة الاصيلة، وهذا ما كان يمكن أن يتوفر في كيان خارق هو هيرمان هيسه، ومفردة (خارق) نقصدها مضمونا، وأن هيرمان هيسه ذلك العقل الرشيد الحيوي لابد أن يحوز على تلك الصفة، وعلى الاخص في ظروف مثل فيها ذلك العقل موقفا حساسا في ظروف تنامي الاستبداد العسكري الحديث، والغريب أن ظروف كتابته رائعته الانسانية العظمى (لعبة الكريات الزجاجية تزامنت مع صعود هتلر الى افق السلطة، ولكن شتان بين تلك الروح الجليلة في ثنايا الرواية المتفردة، وبين الاستبداد العسكري الذي مثله هتلر، واعتقد أن ثمة خيط خفي في الرواية يسشير الى ذلك الاستبداد والحماقة التي يتصف بها، والرواية مثلت درسا انسانيا على شكل شفرة رياضية او موشورا هارمونيا يبث نوته الموسيقية وليس كما ترسم الكلمات المسرودة واطر الوصف، ورغم نشاط الشخوص في رواية (لعبة الكريات الزجاجية)، فأنها ليست كما روايته النوفل (مذكرات شاب) في ترجمتها العربية، او (نرتيس وجولد مند) كما في الاصل الالماني، والتي كانت سرد شفافا لحياة هي ذات مرحلة من مراحل حياة هيرمان هيسه، وهي بعد ذاتي يرسم ملمحا يحاكي ما عاشت تلك العبقرية الاصيلة.