منهجية البحث في تحقيقات قاسم محمد عباس الفلسفية

منهجية البحث في تحقيقات قاسم محمد عباس الفلسفية

حميد فرج العبيدي / باحث
امتهن التحقيق وتخصص في كتب وسيَر المتصوفة وله آراء وتجليات كما العلاج. وأنت تقرأ تحقيقاته تجده معجبا جداً بالمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي استهواه ايضاَ تصوف الحلاج فترجم ديوانه الى الفرنسية،ولعله معجب ايضاً بشيخ المحققين بشار عواد معروف الذي وصفه العلامة الدكتور مصطفى جواد بأنه (مولع بالتراجم دؤوب على التحقيق والتدنيق والتدقيق، قوي الحافظة، بارع البحث، عالم بكتب التأريخ والمؤرخين) ولعله ايضاً ينحو منحاه أو يقتفي اثره.


وقاسم محمد عباس، كما غيره من الباحثين يسعى جاهداً للوصول الى نهاية الأعماق، حتى لو اصطدم بحجر، فهو يكابده حتى يجعل فيه شرخاً يحاول من خلاله النفاذ الى الجهة الاخرى عله يصل الى الحقيقة، وانت تقرأ تجلياته في كتبه، تجده كثير التشعب،فهو تارة مؤرخ واخرى مترجم للسير وثالثة محدث، ورابعة شارح لبعض آيات القرآن الكريم وخامسة متصوف رغم انفه، وقد يكون جلال الدين الرومي، الذي لايزال لغزاً محيراً،فسلوكه الظاهر يوحي بابتعاده عن الدين والقيم والاخلاق، وسلوكه الباطن، يوصله الى مراتب الائمة والصالحين!!...


في دراسته لأفكار الحلاج، يضع قاسم عباس عنواناً لكتاب اسماه(هكذا تكلم الحلاج) ومنذ البدء يورد عدداً من الشروط التي سيلتزم بها عند بحثه في افكار هذا المتصوف فيقرر في التمهيد:ـ
1. نقد جهود الاستشراق الذي توجه مباشرة الى النص الصوفي، وتحديداً جهود (ماسينيون) ومن دار في فلك اطروحته، حيث انها اثرت والى حد بعيد في تفاصيل تلقي الاسلام وروحانيته في الفكر الغربي.
2. الابتعاد عن تكرار آراء طائفة كبيرة من المستشرقين، عن طريق النقد المباشر لمحاولات الاستشراق ستغني عن الرجوع الى مواقف عديدة كررت مفاصل تلك المحاولات الاولى.
3. هنالك تصورات دخيلة على تصوف الحلاج، وباختلاف المصادر، ادت الى وجود تعارضات منطقية من الوجهة العقائدية التي ينحدر عنها تصوف الحلاج، ومنها ان المعرفي الديني لا يخضع لمفهوم التطور للوصول الى عزله، وهذا في حقيقته الغاء لتطور المعرفي الانساني برمته.
4. التأكيد على كشف العرقة بين إصرار الأطروحة الاستشراقية على الاصل الدخيل لتصوف الحلاج وبين جعل الاصل الاسلامي نسبي النزعة باعتباره الموقف الرسمي.
5. إنكار مقولة عدم اصالة التصوف الاسلامي وبالتالي خطل الرأي القائل بتصفيق فكرة إمكانية وفاعلية الاصل الاسلامي للقيام بأي تصادم روحاني.
6. إن الروحانية في الاسلام لا تحدد بمضمون معين، بل بشكل هذه الروحانية،ما دفع الاخر الى اعتبار ثنائية (مضمون شكل)هذه الروحانية صفة سلبية في اساسها.
وعندما يغوص قاسم عباس في صوفية وافكار الحلاج عن طريق آراء المستشرقين وعلي رأسهم ماسينيون يقرر:ـ
لقد حكم ماسينيون على المسلمين بالفقر الميتافيزيقي الذي يمكن أن يزول عبر إعادة انتاج الفكر الحلاجي الذي طلب وقتل.... وبهذا ــ أي ماسينيون ــ يؤكد على الغلو في المذاهب الاسلاميـــــة.
ويبدأ قاسم عباس رحلته في فكر الحلاج، فيطرق بابه محاولاً في سيرته او كما اسماها(قراءة تأمليه في موت المتأله)ويعتبره الجذر الاول للفكر الصوفي الاسلامي، فهو يمثل كل ما هو عقائدي وتأريخي وسياسي متعلق بمحاكمة الولاية الصوفية او مقاضاة الشخصية المتألهة في الاسلام.... والاهم من ذلك هو ان منعطفات هذه الحياة ما زالت مطروحة بحدة الى الان امام ما يمكن ان نسميه (موقع التناقض) في الفكر الاسلامي. والا كيف يحدث ان لا تندثر حياة هذا الصوفي كما حدث مع الكثير من نظرائه.
ويشير الى ان الحلاج كان مدفوعاً بشدة لتحطيم الشكل الخارجي للعبادة الذي انغلق فيه الفكر الاسلامي على نفسه... لقد كان الحلاج الاكثر تأهلاً كداعيه مثقف للدفاع عن الجوهر الاسلامي في تعبيد الطريق الجديد للوصول الى الحق , ولان الحلاج فارسي , الا انه ظل في البلدان الناطقة بالعربية شخصية مشبوهة.
وقاسم لا يبدأ بالكتابة الا بعد ان ينتهي من الحديث والتقصي وجمع الحقائق والمصادر , ثم يؤسس بعد ذلك لمفردات البحث , التي تؤهل دراسته لكي تكون على احسن ما يرام , وليس هذا فحسب فهو يقرأ ثم يقارن , ثم يرتب مفردات البحث , بل اكثر من ذلك يضع لبحثه ترتيباً يبتدعه هو , كما فعل عند تنقيبه لمخطوطات تخص الحلاج مثلاً فيقول (فالتفسير الذي تركه الحلاج يتضمن مجمل مواقفه المتناثرة في الطواسين وكنت قد وجدته اولاً في مخطوط (حقائق التفسير) لابي عبد الرحمن السلمي ,ثم وجدته بخط"المرحوم"لويس ماسينيون , فقمت بترتيبه حسب ترتيب المصحف , وقابلت بين النسخ التي عثرت عليها .
ولم يبتعد قاسم عباس عن هذه المنهجية في دراسته لرسائل ابن عربي"عين الاعيان" فيقرر في مقدمة الكتاب بأنه"عندما يتحدث عن ابن عربي فهو يتحدث عن المشروع الصوفي الاسلامي قاطبة, لان المراجعة التاريخية لسيرته , تتطلب استحضار تطور موقفه الروحي ,الذي تشكل على اساس انه حلقة الوصل الحساسة بين التراث الفكري السابق عليه , وبين كل الانجازات الثيوصوفية التي جاءت بعده" وهو،اقصد قاسم ,من اول وهلة اشار الى انه اعتمد في تحقيق هذه الرسائل على كتاب ابن عربي"الفتوحات الملكية", الا انه يشير الى أهمية المصادر التأريخية التي ترجمت له , ويبدأ رحلة البحث والتقصي والمقاربة والمقارنة والاستنتاجات وصولاً الى الحقائق التي لا تقبل الشك او تمثل جُل الحقيقة.
فيدرس ولادته ونشأته وتربيته ثم طريقة تعلمه , والثقافة السائدة في عصره , ودرجة التطور السياسي في الدولة ومدى قوة حكامها سواء من الخلفاء اوالوزراء ومن على شاكلتهم , مع الاشارة ان المغرب العربي الذي ترعرع فيه كان يقابله الانهيار والانحلال الذي بلغته الدولة العباسية
في عهد الخليفة"المستنجد بالله"ثم انتقال عائلته الى اشبيلية في سنة 568هـ ودرس جميع علوم عصره , ثم تزوج من امرأة لأسره معروفة كان لها الدور الواضح في دفعه الى الطريق الصوفي ,ثم اجتماعه بالفيلسوف ابن رشد وتأثره به وبمنهجه الفلسفي , وبدأ مناظراته مع مختلف الجماعات والملل , فأصطدم بالمعتزلة والفلاسفة والفقهاء والملاحدة فيصل قاسم الى حقيقة وهي"اننا نعتقد ان ابعاد الصراع المنهجي كانت قد امتدت الى المغرب في ذلك القوت ,ولا نتفق مع الآراء التي تذهب الى ان المغرب كان بمنأى عن صراع الحركات التجديدية لبعده عن منطقة الصراع المنهجي المتمثلة بالمشرق".
وقاسم لا يرضى بما قرره الكتاب والباحثين في هذا الموضوع لمجرد انهم قد تخصصوا في دراسته الفلسفة الاسلامية واصول التصوف , بل يخضع كل ما يطلع عليه من معلومات الى التمحيص والتدقيق والمقارنة فهو مثلاً تعترض على ما قاله"بلاثيوس" وهو احد اشهر المستشرقين الاسبان الذي تناول فكر ابن عربي , حيث يقول قاسم (واستدلال بلاثيوس الى تأليف ابن عربي لبعض كتبه في الاندلس لا تتوفر له القوة التي يمكن ان تساعد على الجزم بما ذهب اليه ولا يمكن اعتبار تأليف ابن عربي لكتابي"التبريرات الاليه ومواقع النجوم في الاندلس دليلاً كافياً على اكتمال مذهبه قبل مجيئه الى المشرق.... ان الكتاب الاول عبارة عن رسالة طويلة في الزهد....والثاني خصصه للزهد والتصوف... يعتقد بلاثيوس ان ما ورد في الكتابين مجموعه اراء نهائية.... دون ان ينتبه الى ان ابن عربي أكمل قراءة مجموعه من كتب صوفية المشرق وعلى رأسها الرسالة القشيرية ولم يكن بعد قرأ كتاب الترمذي"ختم الولاية"الذي نبه ابن عربي الى فكرة الولي الخاتم.وليس هذا فحسب فقاسم يؤسس بنفسه رؤيا جديدة ويستخدمها في تقييم من يتولى دراسة شخصيته ومؤلفاته وافكاره.اي بعبارة اخرى يحاول ان يبتدع من عندياته مستنداً على ما يستنتجه من معلومات ولا يتأثر كثيراً بما يقرأ ويطلع بقدر ما يعتبر ذلك مفتاحاً او طريقاً مستوياً ليس فيه عوج ولا أمت الى الحقيقة التي لا تقبل الرفض او الجدل. الا ان ذلك لا يعني بأي حال من الاحوال ان لا يتأثر مطلقاً وانما تأثير ذلك عليه يقع ضمن النسبي وليس المطلق
واذا ما تناولنا اسلوب البحث المنهجي الذي اعتمده في تحقيقه لكتاب ("ختم الولاية"عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب) فاننا سنلاحظ جلياً انه اختط اسلوباً يتميز بما يأتي:ـ
1. البحث عن بداية الخيط والامساك به لكي يبدأ بتجميع كل مفردات وحيثيات الحقيقة التي يمكن من خلالها إقناع الاخرين بوجهة نظره. فهو يبدأ بتصور ابن عربي حول ختم الاولياء الذين هم بمرتبة الانبياء , ثم يبدأ بوضع خطوط السير لاستقراء هذه المرتبة , فيتحدث عن العرفان الذي يعرفه بالحقيقة الجامعة , ويصل الى (الصيغة البرزخية)وهي كذلك دون ان يعطيها صفة التوسط بين الله والعالم , وانما يمنحها صفة الجمع بين الاثنين , فالولي على الكون والحافظ له.
2. الأخذ بالفكرة التي اثبتها وعرضها على مجموعة من المعرفيات العلمية لكي يصل الى صحة ادعاءه فهو يقرر ان ابن عربي تعامل مع فكرة ختم الولاية باعتبارها منزلة من منازل الاقتراب الإلهي باعتبار ان الله هو الذي يصطفي الاولياء ,الا انه يعود الى إثبات ان الولاية هي المعرفة , وانها متاحة لكل إنسان طبقاً لامتلاكه هذه المعرفة .
3. بعد ان يبين مجمل افكار ابن عربي يبدأ قاسم محمد بالحديث عن سيرة هذا المتصوف , فيتبعها شبراً شبراً ,وفي كل مرحلة يبدأ بتقييم الدرجة المعرفية التي وصل اليها , ثم يبحث في علاقاته مع الاخرين من العلماء والزهاد والمتصوفة في زمانه , واهم الحوارات التي دارت بينهم , وما هي الافكار التي كانت تراوده ثم القرار بالرحيل نحو المشرق فأستقر بها ولم يعد الى الاندلس بعدها , ولقاءه بعدد كبير من العلماء والصوفية والملوك وهكذا حتى يصل الى اعتراضه على ملاحظة المستشرق الاسباني بلاثيوس حول اكتمال منهج ابن عربي قبل مغادرته الاندلس ,وحقيقة انه لم يكتمل لديه المذهب الذي اعتمده الا بعد استقراره في دمشق ,ويوصي بأن نأخذ هذه الملاحظة لهذا المستشرق بحذر .
4. وانت تقرأ هذا الكتاب تلاحظ ان قاسم عباس لا يترك القارئ يصل الى استنتاجات او قرارات يتصورها بعد قراءة كل فصل ,بل يسعفه بهوامش شارحاً ومنبهاً ومحللاً باختصار, وهذه الميزة تجعل منه اكثر من ناقل لنصوص او مكتشفاً لمعنى, بل نلاحظ في كل تحقيقاته يحاول ان يقول ويقرر ,بل وحتى ينظّر.
ولا يترك قاسم محمد عباس محيي الدين بن عربي في تجلياته عم ختم الولاية بل يذهب ابعد من ذلك ,فيبدأ بدراسة وتفسير مقولاته ونظرياته في كل جزء من اجزاء جسمه الذي تشرب بحب معشوقه الخالق العظيم , فيتناول في تحقيقه كتاب (ماهية القلب) ما اسماه(تأويل القلب في نظرية المعرفة عند ابن عربي) , وهنا يقرر ان ما جاء به ابن عربي يقترب الى حد ما لمفهوم"سبيثوزا"للمعرفة التي حددها بإذابة الوعي الانساني باعتبار ان الفكرة الصحيحة تكون في الوقت نفسه فكرة واضحة ومتميزة ,انها كالنور تثبت ذاتها بذاتها ولا نحتاج الى معيار آخر ولا آية على اخرى, فالحقيقة معيار ذاتها .
والقلب عند ابن عربي ليس هذا العضو اللحمي الصنوبري الشكل المستقر في الصدر , وانما هي القدرة التي تمثل الجانب العاقل من الكائن الانساني (الروح) او العين البصيرة التي تمثل الحقيقة ذاتها , وهي القادرة على الاشتغال ما وراء الفكر, الا ان هذه العين مهددة بطباع النفس الحيوانية ومجموع علاقاتها بالعالم المادي... مع ضرورة الاشارة الى ان كل المواقف التي صاغها الصوفية عن القلب قد تأثرت بالفهم القرآني معضده بمجموعة الاحاديث النبوية الشريفة بهذا الشكل يروي قاسم عباس افكار ابن عربي , وبعد مقدمة شرح معمق لهذا الكتاب والذي استغرقت (40) صفحة يصل النص , وهنا يبدأ بمهارة العارف المتتبع المستنتج وانت تقرأ النصوص يبدـ بشرح كل غامض , او توضيح كل مقصود وتبيان كل مرمى, مما يسهل على القارئ او المتلقي هضم المعنى وصلاً الى إعمام الفائدة واستدراكاً لما قد يصيب القارئ من هوى او اجتهاد في غير محله. ويلاحظ ان عباس يشير الى أي مصدر او مرجع او فكرة او مقولة ليست له. فيعين القارئ على معرفة القائل والكاتب ,ويشير ايضاً الى استدلالات هذه المقولة او تلك , او هذه الحكمة او تلك او هذا الحديث او ذاك ,ومع ذلك فانت تجده في كثير من الحالات يستنبط الافكار ويثير الشكوك ويحدد ماهية ما يريد لكي لا يبقى النص المنقول بدون تعليق او شرح او رأي.
ويستمر قاسم محمد عباس في رحلته الاستكشافية مع المتصوفة فيحقق رسائل ابن عربي كشف سر الوعد ورسائل اخرى) ولا يتخطى في هذا الكتاب ما تم اعتماده من منهج بالتعريف بمؤلفه (ابن عربي)فيخصص مفتتح الكتاب بنبذة مختصرة عن حياة هذا المتصوف , وتعليمه وتنشئته ومراحل تطور افكاره, واسلوبه في البحث والتقصي , ويعيد ما تم ذكره في كتبه السابقة عن ابن عربي ,في ان زوجته (مريم بنت محمد بن عبدون البخاتي) هي التي شجعته على التصوف , ثم يبحث في عدد من اعلام عصره الذين تأثر بهم ,ثم يقسم مصادره الى قسمين الاول: وهو مالم يتأثر بها من احد من العلماء ,اذ كانت من عنديات أفكاره ,اما الثاني:فهي التي تأثرت بجمله من النظريات والافكار في عصره او تلك التي اطلع عليها وقرأها, وهو لا يدعي انه كشف هذا التصنيف بل يعيده الى من جاء به فيقول"نشير الى دعوى المستشرق الاسباني بلاثيوس في تأثر ابن عربي بفكرة التثليث المسيحية.... والتعليق ايضاً على ما ذهب اليه ابو العلا عفيقي في دراسته حين اشار ويكفي لظهور اثر المسيحية في هذه النظرية وجود فكرة التثليث من أولها إلى آخرها" وهكذا يحقق قاسم عباس ,فقبل ان يدخل في صلب موضوعة التحقيق , يحاول ان يستقرأ الأفكار التي قيلت في هذا الفيلسوف , فيضيف مصادره ويعيد صياغته افكاره لتتلاءم مع مفردات العصر الذي يعيشه ويقارن ويحاور ويجتهد وفي بعض الاحيان يبتدع من عندياته بعض الجمل الفلسفية التي تراكمت لديه من مراجعاته وقراءاته , فمثلاً عندما يتحدث عن مفهوم الظاهر والباطن والاول والاخر عند ابن عربي يبدأ بعرض هذا المفهوم على ما قاله الفلاسفة والباحثين من قبله غي هذا الشأن ثم يقرر"ويتضح من هذا الخلط عند الباحث.... اذ خلط بين مفهومي الفناء والبقاء وتعامل معهما كحالتين متتاليتين زمنياً" أي بمعنى اخر ان عباس يؤسس طريقة خاصة في الحكم على يقوم بتحقيقه على الرغم من انه يقوم بمراجعة كل الافكار والتفسيرات التي قيلت ويبدأ بالاستنتاج فيقول"نستنتج من ذلك ان تشابه افكار ابن عربي من مستويات محددة مع افكار الفلاسفة لا يلغي الفروق التفصيلية التي تكفي لتحديد اختلافه معهم وهو شأن الفكر الذي لا يصدر عن فراغ" ومن اجل الوصول الى الحقيقة وقبل الحكم او التقييم يغوص قاسم عباس في البحث عن المصادر الصوفية التي قرأها ابن عربي وتأثر بها , وليس هذا فحسب بل انه يذهب ابعد من ذلك الى الشيوخ الذين درس على ايديهم وتأثر بأفكارهم ومناهجهم الفلسفية ثم يصل اخيراً الى موضوعات الرسائل التي وصفها ابن عربي واسلوبها فيورد الكثير من الالفاظ والمصطلحات والمعاني مثل الوجود والعدم والجوهر والجنس والتشبيه والتنزيه والحق والخلق والذات الإلهية ونظرية الانسان الكامل والولي الخاتم حتى يصل الى نصوص الكتاب فتبدأ رحلة التحقيق وفقاً لذلك.
ولدى تحقيقه لكتاب شيخ الاشراق شهاب الدين السهروردي:نصوص إشراقية ثلاث رسائل في الرؤية والمجاز"و"كلمات صوفية"يبدأ قاسم محمد عباس تحقيقاته فيبدأ اولاً بسرد السيرة الذاتية لهذا المتصوف , فيطوف بالمراجع التأريخية والروايات عن مولده وعائلته وتعليمه ومن ثم محاولاته الاولى في تأسيس منهج التصوف ومحنته التي واجهها ومناظراته مع شيوخ وعلماء زمانه في حلب حيث استقر بها مدة طويلة , ثم ما أدت به صراحته في المجادلة والنقاش مع اهل الفقه وافحامه لهم , ادت به الى اثارة حقدهم عليه وتربصهم به وكيدهم لدى الملك الظاهر بن صلاح الدين الايوبي ,واخيراً ايداعه السجن حتى اعدم عام 587هـ ,وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة, واذا ما انتهى من سرد سيرته وحياته تحول الى (مقاربه بمثابة عرض لمؤلفات السهروردي) ,ولم يكتف بالعرض بل تعدى الى تقييم التصنيفات التي ظهرت على اعمال شيخ الاشراق , واختط منهجاً بدأ هو بتصنيف مؤلفات السهروردي وفقاً لقراءاته ومراجعاته فبدأ بها سينيون وسبيز وختك وهذكوربان والباحث الايراني سيد حسن نصر والدكتور محمد علي ابو ريان ولا يكتفي بالسرد بل يبدي رأيه بكل واحد من هؤلاء الفلاسفة ويناقش رأيه ثم يصدر حكماً بالقبول او الرفض, وبعدها يدخل في المصنفات مع مختصرات او مقتطفات من كل مصنف , واين يمكن ان نجد كل واحد منها حتى اذا وصل الى (التحقيق) اشار الى انه (اعتمدنا في نشر هذا الرسائل على عدة اصول خطية وسنقدم فيما يلي وصفاً لها) ثم يبدأ بتعدادها واحد تلو الاخرى ,شارحاً وموضحاً المكان الذي حفظت فيه مع بيان نوع الخط وعدد الصفحات وحجمها وعدد اسطر كل صفحة, وبهذا فأنه يمارس الموسوعيه , دون ان يترك أي مجال للتساؤل او الحيرة , الا انه قطعاً سينال الاعجاب والرضا وينحو نفس هذا المنحى في تحقيقه لكتاب (اتحاد العاقل والمعقول) لصدر الدين الشيرازي ,فيغوص في التقديم بسيرة هذا المتصوف وعائلته وتربيته وتعليمه وعلماء عصره ومدرسيه من العلماء والعارفين ومراجعاته لكتب من سبقه من العلماء والفلاسفة والمتصوفين كالسهرودي وابن عربي ونصير الدين الطوسي وحيدر الاملي حتى اذا فرغ من كل ذلك اتجه الى ذكر أهم اعماله وقبل ان يسرد , يبدأ بوضع أهم الاسس والافكار التي تناولها والكيفية التي يعتمدها في تأليف كل كتاب او رسالة, ثم يبدأ في تعداد هذه الاعمال واحداً تلو الاخر , ومع ان قاسم عباس كان واضحاً شارحاً في كل تحقيقاته , لم يترك أي غموض يكتنف أي رأي او اسم او مصطلح او وأتبعه شرحاً ملخصاً في الهوامش , الا انه في هذا الكتاب حاول ان يخصص مبحث اسماه (بعض تراجم الاعلام الذين وردت اسماؤهم في الهوامش) وهو بهذا يزيد من الوضوح ليزيل الغموض الذي قد يكتنف بعضاً مما يكتبه , ولعله احس بضرورة ان يعطي معلومات اكثر للقارئ ليعينه على فهم ما سيرد فيه من افكار واحاديث واقوال.
وفي تحقيقه لكتاب ابو يزيد البسطامي المجموعة الصوفية الكاملة) يحاول قاسم محمد عباس ان يخرج عن المعتاد الذي كان يعتمده في تحقيقاته لما سبق من كتب الفلاسفة والمتصوفة ,فهو هنا يبدأ ببيان اهداف هذا المؤلف والصيغة التي سيعتمدها في تحقيقه والرؤيا التي تعتبرها ومحاولاته في الكشف عن محددات وجوانب وموقع تجربة هذا المتصوف وبعد أن غاص في اعماق وغياهب المخطوطات وتنفس تراب الكتب التي غطاها يقف ليميز بين ما كتب وقيل عن هذا المتصوف بل تعدى الى ان يقرر بأن بعض من كتب عنه نابع من خيال الكاتب لا اكثر ولا علاقة له بأفكار ابو يزيد , فقد جاء في نقده لكتاب عبد الرحمن بدوي (شطحات صوفيه) ما يلي:ـ"... كتاب البدوي الذي اسهم في إشاعة تصور نفسي عن هذه النصوص... وقمت نظريتها المعرفية ضمن مفاصل المسلك الصوفي الذي تحدى الشرع بنص بديل يتصل بجوهر الشرع بذاته... فكيف والحال هذه لو عرف القارئ ان الكتاب الذي نشره بدوي ليس هو الكتاب المقصود ,بسبب ان كتاب شطحات الصوفية الاصلي لا وجود له على الاطلاق".
وينشئ قاسم محمد عباس اسلوباً رائعاً في التعبير عن ما يكتشفه من قراءاته وتتبعاته للمراجع والمخطوطات ,ثم يبدأ بالتقييم"وهكذا فان الصوفية اندفعوا الى توفير معان جديدة للقاموس الاسلامي فالحياة تشير الى ما يحيا فيهم وهو الحق وواقع الأمر ان الله ذاته هو الذي يريد وحدته بلسان من يشاء من مخلوقاته"ويستمر عباس في هذا السرد فيقرر"ان التجربة التي تؤسس هذا النص هي تجربة طهر أصيل يتقرب الله من خلالها من وظيفتها الحقيقية , المتمثلة بالتقاط الحقيقة وقولها بإخلاص إلهي ليتخلى الانسان بعدها عن تخريب اللغة عبر تشويهها واستخدامها بأشكال مزيفة, وبهذا التخلي وحسب يتخذ الانسان المحقق بكلمته , وهذا هو التقرب الذي يقترحه الصوفية لمجال كلمة التوحيد للوصول الى التصور المجرد لوحدة الموضوع الذي يشهد به الكلام... .
وفي تحقيقه لهذا الكتاب يشن قاسم عباس هجوماً مؤدباً وعلمياً على الدكتور عبد الرحمن بدوي وعلى كتابه (شطحات صوفية) ويؤكد ان هذا الكتاب لا علاقة له بشطحات البسطامي , فبعد مراجعات مضنية ومقارنات للمخطوطات توصل الى قاس الى ان عبد الرحمن بدوي قد تسرع في نسبه كتابه الى البسطامي في حين ان مراجعته للسجلات الخاصة بالمخطوطات تؤكد ان مخطوط (تأويل الشطح) للشعراني كان قد خرج من مكتبة الاوقاف في بغداد الى الصيانة في الايام التي زارها الدكتور بدوي لبغداد فصادف بدوي مخطوط (النور من كلمات ابي طيفور) فصور نسخه عنه فقابلها مع نسخه اخرى من الكتاب... وقرر اصدار الكتاب تحت عنوان (شطحات صوفية) دون ان يداخله تردد... وهكذا نفهم ان العنوان الذي وضعه بدوي لكتابه هو من عندياته... بينما كتاب الشطحات الصوفية الاصلي يرقد مستقراً في خزانة مكتبة الاوقاف ببغداد.
وقد تعمدت لايراد هذا النص ليلاحظ القارئ مدى جرأة قاسم عباس في قول الحقيقة حتى ولو على عالم كبير ومتخصص مثل الدكتور عبد الرحمن بدوي , وهذا مما يدل على صدق توجهه في الوصول الى الحقيقة عند البحث قبل كل شيء.