«المعلم الأول» لجنكيز ايتماتوف.. حكاية عاشقة وشجرتي حور

«المعلم الأول» لجنكيز ايتماتوف.. حكاية عاشقة وشجرتي حور

حسين خليفة
هذه رواية صغيرة لصاحب «النطع» و«جميلة"و«الكلب الابلق الراكض على حافة النهر» وغيرها من روايات الكاتب القرغيزي (السوفييتي سابقا) جنكيز ايتماتوف التي لاقت رواجا عالميا وتحول بعضها الى افلام سينمائية، لكن هذه الرواية على صغر حجمها (120 صفحة من القطع الصغير) لم تلق ما تستحق من اهتمام رغم انها ملحمة انسانية بامتياز كما هو الطابع العام لاعمال ايتماتوف،

ربما لانها اتهمت بانتمائها الى الادب الدعائي الايديولوجي كون بطل الرواية بلشفيا، لكن من يقرأ الرواية يلاحظ عمق الرؤية ورهافة الحس الانساني وحقيقة الثوريين الاوائل الذين حولوا روسيا القيصرية المتخلفة الى بلد متطور وانساني مهما جعجع الاعلام المتصهين الطاغي عالميا عن «فظائع» الستالينية أو جمود الشيوعية الى آخر الاسطوانة الممجوجة.

يبدأ إيتماتوف روايته القصيرة «المعلم الأول» بالحديث عن قريته «كوركوريو"التي تقع على سفوح إحدى الهضاب المطلة على السهل الكازاخي، و فوق القرية تقف شجرتا حور كبيرتان على رابية يبدوان للقادم إلى القرية كـ(فنارين على تل)، و رغم كثرة الأشجار في قريته فان شجرتي الحور هاتين توحيان له بالكثير من اللوحات و القصائد(تهدر الشجرتان مهتزتين في مرونة مثل لهب محتدم، فيخيل إليك أن في هديرهما الشموس نداء متمردا: لا لن تحنينا.. لن تقطعينا!) الشجرتان رافقتا طفولة الكاتب كما أعشاش الطيور اللائذة بهما و مع هذه الرفقة الطويلة معهما و الحب الصادق لهما لم يسأل نفسه يوما (من غرس هاتين الشجرتين؟ بم حلم و عم تحدث ذلك المجهول وهو يغرس جذور الشجرتين في الأرض، و بأي أمل أنبتهما هنا على الرابية؟!) و لسبب مجهول سميت تلك الرابية بـ«مدرسة ديوشين» و حين سأل أحد العجائز عن سبب التسمية في حين لا مدرسة هناك فأجابه أن ديوشين هو نفسه العجوز الذي كان يعمل في الكومسومول(منظمة الشبيبة اللينينية) و يعمل الآن خبيرا زراعيا يمضي وقته في الحقول، و لم يأخذه السؤال إلى ابعد من ذلك.
هكذا يدخلنا الكاتب المبدع في أجواء روايته الصغيرة حجما العظيمة فنا و عمقا إنسانيا و إبداعا يعانق الخلود.
قصة شجرتين و فتاة عاشقة لمعلمها الأول و البلد الذي نفضت عنه الثورة البلشفية غبار الظلم و الفقر و الجهل،
و بحرفية الروائي المبدع يستدرجنا خطوة فخطوة إلى الخيط الرئيسي في الرواية، يقوم الكولخوزيون في القرية بافتتاح مدرسة جديدة في القرية و لأنها مناسبة هامة فيجب دعوة المثقفين من أبنائها الذين تركوها إلى العاصمة و منهم الراوي و دكتورة اسمها التيناي سليمانوفا تركت القرية منذ زمن طويل و أخذتها مشاغلها العلمية و الأكاديمية فهي ترأس كرسيا في الجامعة و تلقي المحاضرات في الفلسفة و كثيرا ما تسافر إلى الخارج و انقطعت لذلك عن القرية و ها هي تعود إليها و القرويون يحتفون بابنة القرية التي برزت و تفوقت أيما احتفاء.
ويمر خلال الاحتفال ذكر العجوز ديوجين الذي جاء على التو حاملا برقيات للقرية، فتنتفض الدكتورة ألتيناي و تسأل مضيفها ـ الراوي ـ: (عن أي ديوجين يتحدثون؟
ـ انه ساعي البريد في الكولخوز يا ألتيناي سليمانوفا، أتعرفينه؟)
بدأ القلق والتوتر يظهران على ألتيناي، ثم تغيب عن الحفل مستغلة انشغال الناس لتتأمل شجرتي الحور المنتصبتين على الرابية، وتقرر العودة فجأة إلى موسكو بعد إن كانت قد وعدت أبناء قريتها بقضاء عدة أيام بينهم ورغم إلحاحهم عليها بالبقاء، لكنها لا تلبث بعد أيام أن ترسل رسالة إلى الراوي تخبره فيها بتفاصيل قصة ديوجين و شجرتي الحور و حياتها التي لا تنفصل عن كل هؤلاء، تروي ألتيناي سيرة المعلم الأول ديوجين من خلال رسالتها إلى الكاتب.
كان ذلك عام1924، ألتيناي في الرابعة عشرة تعيش في بيت عمها بعد وفاة أبيها وأمها، يعود فتى غريب يرتدي معطف جندي تعرف فيما بعد ان أباه رحل من القرية إلى السكة الحديد إبان المجاعة قبل سنين عديدة، وها هو ابنه ديوجين يعود الى القرية ليفتح فيها مدرسة، و لكم ان تتخيلوا صعوبة هذه المهمة النبيلة في قرية جبلية نائية لم يسمع أهلها بكلمة مدرسة او دراسة و اعتبروها خزعبلات من العجوز أبيه، و يجمع أهل القرية مع أطفالهم في الساحة ليعلمهم عن نيته ويطلب منهم مساعدته في تحويل الإسطبل القديم على الرابية العائد إلى أحد الإقطاعيين، فلا ينال منهم الا التهكم، يقول رجل عجوز:(اسمع يا بني.. في الماضي كان الأولاد يتعلمون عند الملّا، وقد كنا نعرف أباك، كان فقيرا مثلنا، فقل لنا رحمة بنا، متى استطعت ان تصبح ملا؟
ـ أنا لست ملا يا صاحبي، أنا كومسومولي، والآن سيعلم الأولاد مدرس لا ملا، وقد تعلمت القراءة والكتابة في الجيش، أنا ملا من هذا النوع)
ويقول آخر: (نحن نعيش منذ الأزل بعملنا الفلاحي، والمعول يطعمنا، وسيعيش أطفالنا على هذا النحو، فما حاجتهم إلى التعلم؟ القراءة والكتابة يحتاج إليها الرؤساء، أما نحن فأناس بسطاء، فلا تغرر بنا)
يجيب ديوشين بعد ان يخرج ورقة مطوية من جيب معطفه: يعني إنكم تعارضون هذه الورقة التي تتحدث عن تعليم الأولاد والتي ختمت بختم السلطة السوفييتية، من أعطاكم الأرض و الماء؟ من أعطاكم الحرية؟
يرفض أهل القرية معاونته في تجهيز الإسطبل ليصبح مدرسة بل يتهكم أحدهم عليه قائلا:(لا معطف فرو عليك،ولا فرس تحتك، ولا قطعة ارض محروثة ولو بحجم راحة اليد، لا داجنة واحدة في الفناء، كيف ستعيش؟ هل ستسرق قطعان الآخرين؟
يبدأ ديوشين العمل بنفسه، كان بمعطفه الأسود يتسلق كل صباح الدرب الى الرابية حيث الإسطبل المهجور و لا يهبط الى القرية الا في ساعة متأخرة من المساء، (غالبا ما كنا نراه ـ تروي ألتيناي ـ يحمل حزمة كبيرة من العشب الجاف أو القش على ظهره.)
و ذات مرة بينما كنا عائدات بأشوال الزبل الجاف التي يستعملها القرويون كحطب انعطفنا نحو «المدرسة» لنرى ماذا يفعل «المعلم»، كان قد أنهى تنظيف البناء وما حوله و إصلاح الجدران المتداعية و الأبواب، فسألهن ديوشين هل تردن أن تتعلمن و تأتين إلى المدرسة؟
فتجيب اكبر البنات سنا، ألتيناي، إذا سمحت لي عمتي أتيت. و ما إن غادرن مدرسة ديوشين حتى خطرت لها فكرة فقالت لصديقاتها ما رأيكن أن نترك ما جمعناه من زبل في المدرسة وقودا للشتاء و نعود لنجمع نقلة أخرى إلى البيت؟ لكن الصغيرات خفن من تقريع أهلهن و كان إن نفذت ألتيناي الاقتراح لوحدها و نالت ما نالته من تقريع من عمها وزوجته على تأخيرها.(أنا متأكدة أن مصيري الحقيقي و كل حياتي بأفراحها وأتراحها قد بدأت في ذلك اليوم بالذات، من شوال الزبل الجاف ذاته)
تتذكر التيناي ديوجين وهو يجمع أطفال القرية ليأخذهم إلى مدرسته التي أسس كل شيء بجهده وتعبه ورغم ممانعة زوجة عمها إلا أن صدفة أخرى تخدمها حيث يغتاظ عمها من تسلط زوجته وتفردها في اتخاذ قرار منعها من الذهاب إلى مدرسة ديوشين ويسلمها إلى الأستاذ مع ما استطاع أن يجمعهم من أولاد.
تتذكر جدران المدرسة المتهالكة وعليها صورة ممزقة الأطراف قال المعلم إنها لرجل يدعى لينين يريد تغيير العالم كما قريتهم الصغيرة، وحين يموت لينين يشارك الصغار معلمهم حزنه الصادق على رحيله.
كان التلاميذ يقطعون في طريقهم إلى المدرسة نهيرا صخريا يتكفل ديوشين بمساعدتهم على قطعه ويحمل الأطفال الصغار حتى لا يجلد الماء القارس أقدامهم الغضة، أخيرا عملت التيناي مع معلمها ديوشين على بناء معبر فوق هذا النهير.
يسافر المعلم إلى موسكو لشؤون حزبية فينقلب انتظار التيناي له إلى لهفة تزعج زوجة العم التي ترسلها إلى بيت قريب لهم يسكن عندهم ديوجين، وهناك تظهر العاطفة الجياشة للصبية التي تطرق أبواب النضوج تجاه معلمها.
وما إن يأتي الربيع حتى تخطط زوجة عمها لتزويجها فيتدخل الأستاذ ويأويها عنده حتى لا تجبرها عائلتها على الزواج وهي بالكاد غادرت طفولتها، وهناك يقترح عليها لملء الفراغ أن تساعده في زرع شجرتي الحور اللتين أخذتا البروفسورة التيناي إلى رواية القصة بعد كل هذا الغياب. يأتي الخطيب مع عمها وزوجته لأخذ التيناي عنوة وينجحون في ذلك رغم مقاومة المعلم الذي ينال نصيبه من الضرب والأذى من هؤلاء، لكن ديوشين لا يترك تلميذته الأثيرة لأقدارها بل يستنجد بالميلشيا الحزبية ويأتي مع اثنين من رفاقه الى بيت الرجل الذي اخذ التيناي زوجة ثانية ليعيدها إلى مقاعد الدراسة لكن هذه المرة في مدينة كبيرة وعلى حساب الحزب، يقول ديوجين:
«لو كان الآمر بيدي يا التيناي لما سمحت لك بالابتعاد عني خطوة واحدة، ولكن ليس لي الحق في تعويقك، ينبغي ان تتعلمي وأنا لست على قدر كبير من المعرفة... لعلك ستصبحين معلمة حقيقية، واذذاك ستتذكرين مدرستنا و ربما ستضحكين لها.»
في الحرب تسأل التيناي ـ وقد صارت الدكتورة التيناي ـ عن ديوشين فتعرف انه التحق بالجبهة وجاء خبر عن فقدانه تقول التيناي: «كنت أقول لنفسي إن معلمي لن يعود وهكذا لم نلتق منذ اليوم المشهود الذي توادعنا فيه في المحطة»
لكنها تلمح من نافذة القطار ـ حين تسافر في مهمة علمية عام 1946 إلى جامعة تومسك ـ رجلا يشبهه فتوقف القطار لتصاب بخيبة أخرى.
تقول التيناي في رسالتها إلى الكاتب: بالطبع استغربت رحيلي المفاجئ، كنت خجلة من نفسي، فقد أدركت أنى لا أستطيع اللقاء بديوشين، وشعرت بالذنب أيضا لاني لم اكن الشخص الذي يجب ان يحاط بكل حفاوة ممكنة، ويجلس في مكان الشرف أثناء افتتاح المدرسة الجديدة، هذا الحق يملكه معلمنا الأول دون أي شخص آخر، يملكه أول شيوعي في قريتنا، والذي حدث عكس هذا،جلسنا نحن حول موائد الوليمة، فيما ذلك الرجل الطيب يسرع لتوزيع البريد»
«و لا أحد يستحق ان تسمى المدرسة باسمه سوى ديوشين»
حاولت أن ألخص قدر الإمكان أحداث هذه الرواية الصغيرة حجما، الكبيرة والعميقة مدلولات وعبرا، إنها تبين جزءا يسيرا من عذابات الناس الشرفاء المناضلين المخلصين الذين لولاهم لما استطاعت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ان تنجح في تحويل بلد متخلف مثل روسيا القيصرية الى دولة اشتراكية عظمى تبني أول سلطة للفقراء وتنجح في دحر النازية، ان هذه الثورة التي عاشت سبعين عاما وستبقى إلى الأبد في ضمائر وعقول الفقراء كما ثورة سبارتاكوس والقرامطة والزنج وكومونة باريس وكومونات قادمة لا محالة.

عن جريدة الاتحاد الاماراتية