جنكيز ايتماتوف من الطفولة البائسة الى العالمية

جنكيز ايتماتوف من الطفولة البائسة الى العالمية


محمد مهدي بيات
انجبت الدول الناطقة باللغة التركية في اسيا الوسطى الكثيرمن المفكرين العظام ابتداء من العلماء والفلاسفه  انتهاء بالمبدعين من الادباء العالميين واخر هؤلاء العمالقة الروائي العالمي جنكيز ايتماتوف الذي اودع دنيانا في 10 يونيو 2008واحتفلت جمهوريته في اليوم الثالث  عشر من   شهر كانون الاول للعام 2007  بذكرى مرور80عاما على ميلاده معلنة عامهم هذاعام جنكيز ايتماتوف.


 ولدجنكيز(آيت بايرام محمد) Ayt"bayram", Muhammat)  والذي(اخذ الاسم الاول والحروف الاخيرة من محمد فاصبح آيتمات واضيف اليه اوف الروسيه فتحول الى آيتماتوف) في سنة 1928م في بداية المرحلة الاستالينية المستبدة في قرية فقيرة واقعة وادي تالاس اسمها(شكر) بالفتحة. نشأ يتيما، وعندما اعدم والده توروكول (Törökul) من قبل السلطات السوفيتيه بتهمة الخروج عن نهج السلطة كان ايتماتوف   في الرابعة عشر من عمره و كان والده كاتبا معروفا في تلك الحقبة واعدم   وهو لم يكمل العقد الرابع من عمره،  انه اعتقل في 1938 واعدم بعد سنة من اعتقاله اضطرجنكيز ايتماتوف ان يرجع مع والدته من موسكو الى قريته ليعمل في تربية المواشي و في معرض  حديثه عن طفولته يقول(ليست الطفولة مجرد مرحلة مهمة وحسب بل انها تشكل نواة الشخصية في المستقبل)
عمل في مقتبل عمره في احدى المزارع الاشتراكية وبعدها تخرج في1953 في المعهد الزراعي في بشكيك العاصمة ثم ذهب الى موسكو ليتعلم في معهد مكسيم كوركي للاداب وتخرج فيه عام 1958.
بدات حياته الادبية في سنوات الدراسة اذ نشر العديد من المقالات والقصص القصيرة والخواطر بلغته التركية ثم الروسية، نال شهرة عالمية واسعه عندما نشر روايته (جميلة) عام1958ونال عنهاجائزة لينين للاداب وجائزة الدولة عام 1963 وقد لقيت هذه القصة حماسا كبيرا لدى القراء ولشدة اعجابه بالقصة ترجمه الشاعر الفرنسي الشهير لويس اراغون الى الفرنسية بعد عام من نشرها واصفا اياها بانها اجمل قصة حب في العالم ثمّ ترجمت الى لغات عالمية كثيرة. وقد اشاد بعض النقاد لهذه الروايه انه ان لم يكتب في حياته غير هذا النتاج كان يكفيه ان يكون في عداد الكتاب العالميين. نشرايتماتوف رواياته تباعا: شجيرتي في منديل احمر، المعلم الاول، حفل الام، وداعا يا كل ساري او ساري كل بمعنى الورد الاصفر سنة1965، السفينة البيضاء، يمتد اليوم اطول من قرن، النطع التي صدرت عام 1986، الكلب الابلق الراكض على حافة البحر، نمر من ثلج، تافرو كاساندرا عام1996، عندما تنهار الجبال عام2006، سحب جنكيز خان، عين الجمل عام2007
لم يتوقف ايتماتوف عن الكتابة والتأليف حتى نهاية حياته و انه كان يتابع قبل وفاته بأسبوعين في قازان عاصمة تاتارستان تصوير مشاهد من فلم عن روايته يمتد اليوم اطول من قرن
نشرت مؤلفاته في مختلف دول العالم وترجمت الى 165 لغة ووزعت منها(76)مليون نسخة والجدير بالذكر ان بعض هذه اللغات  ما هي الا لهجات تركية في اسيا الوسطى ولم نسمع كاتبا عالميا في هذا العصر  من ترجمت مؤلفاته الى هذا الكم الهائل من اللغات. واني عندما قابلت الكاتب التركي الساخر عزيز نسين في بغداد كان يتباهى بترجمة اعماله الى 60لغة الا ان ايتماتوف عندما التقيت به في انقرة عام 2004 وجدته لا يعير اهتماما بهذا الامر. تمّ تحويل بعض اعماله الى افلام سينمائيه وترجم العديد منها الى اللغات الشرقيه.كما تمّ اخراج بعضها على خشبات مسارح العالم.
كان ايتماتوف نشطا يمتلك روحا قياديامتجاوبا مع الاخرين يحترم الاديان والمعتقدات فاسس في عام 1986منتدى"ايسي كول"issy gol الادبي العالمي وهو عباره عن مؤتمريحمل اسم بحيره جبليه بمعنى البحيرة الدافئه في بلده يجمع فيه علماء ومفكرين من انحاء الدنيا وكان متحمسا لحوار الاديان.
يتميز ابداع ايتماتوف بمقدرته على فهم العالم الروحي للانسان واهتمامه بما يجري في الحياة اليوميه وكان يذهب الىالمحلات العامه ويتامل كثيرابعيون الكادحين    يذوب مع ارواحهم ويتقمص شخصياتهم كانه فرد منهم وفي هذه النزعة الروحيه كان اشبه ما يكون ب(دوستوفسكي) وكذلك انه طعّم اعماله بالاساطير الشعبيه والرموز الفلكلوريه التي  تضفي اليهامسحه سحريه وهذا ما نراه في حينما تسقط الجبال والعروس الخالده و يذكرنا به الكاتب الداغستاني رسول حمزه توف في فريدته داغستان بلدي وعندما قرأحمزه توف مؤلفات ايتماتوف قال بالحرف الواحد ان ابداعه ذو صبغه عالميه.والجدير بالذكر اني التقيت بالكاتب حمزه توف عندما   حل ّ ضيفا في بغداد وتحدثنا بعض الوقت عن داغستان بلدي.
تتميز مؤلفات ايتماتوف بالصدق في تصوير بما يجري في الحياة اليوميه تمكن من اكتساب العالميه بدءا من الموضوع المحلي قوامها المحبة والبساطه والجمال والخير للجميع. كان يتصرف في معظم اعماله بالحذرخوفا من الصدام مع الاوضاع وكان يحاول دائما ايصال كلماته   لارضاء السلطة دون تملق ودون تنازل عن المبادئ التي تعلمها من اسرته ومنهجه في الحياة هو كتمان الايمان والتظاهر بما تريده الدولة. كان ايتماتوف مؤمنا لربه لم يكن شيوعيا وانه كان يتظاهر بذلك بدليل عندما انهار الاتحاد السوفييتي اخذ يتحدث عن الاخطاء الاستعمارية لموسكو وينتقد سياساتهم ويفضح اساليبهم في قيرغيزيا هذا ما نراه في الكثير من المبدعين في دول الاتحاد السوفييتي.
اذكر ان الوزير الاذري الاسبق في الاتحاد السوفييتي الشاعر المعروف (نبي خزري) القى كلمة في مقر اتحاد ادباء العراق ببغداد ومما قال فيها لقد مزقت ديواني البكر الذي كان ينشد للمطرقة والمنجل ارجو ان لا تكونوا مثلي فانا لله الحمد ومليء قلبي ايمان لربي.وبذلك نرى ان ايتماتوف كان مجبرا على الصمت ولم يتطوع بقول ما لا يعتقده وان كان مجبرا  ان يتظاهر بالشيوعية ولكن باطار قومي خشيية ان يكون اعماله حبيسة خزائن الدولة من دون ان ترى النور ومن ثم يعدم كما اعدم والده. الظروف القاهرة التي عاشها جعلت منه شخصية اجتماعية رفيعه في الدولة فاصبح عضوا في مجلس السوفييت الاعلى وعضو اللجنة المركزية للحزب في بلاده وعضوسكرتارية اتحاد الكتاب واتحاد السينمائيين ورئيس تحريرمجلة الاداب الاجنبية. تسنم مناصب دبلوماسية عديدة كان سفيرا للاتحاد السوفييتي وروسيا ومستشارا للرئيس وعندما انهار الاتحادالسوفييتي  عمل سفيرا لقيرغيزيا لدى فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا من عام1994الى  وفاته عام 2008.
توفي ايتماتوف بمرض التهاب الرئة وتوقف عمل الكليتين في العاشر من حزيران في المانيا وبناءا على وصيته دفن بجوار والده المعدوم ظلما.
شاركت في مراسيم تشييعه عشرات الالاف من ابنائه ومحبيه في قيرغيزيا ووفود رسمية مثلت روسيا وبلدان رابطة الدول المستقلة والاجنبية كما اعلنت الدولة حداد رسمي نكست اعلامها الوطنية في يوم تشييعه. وقد وقع رئيس الدولة قبل ايام في ذكرى ميلاده 13/12/2008 مرسوم (تخليد ذكرى جنكيز ايتماتوف) وبقرار من رئيس الجمهورية تمّ اطلاق اسم الكاتب على مسرح الدراما الروسية في الجمهورية واقامة ضريح في مرقده تكريما لذكراه في المجمع التذكاري (انابايت ana bayıt) الواقع(على مسافة 20كم جنوب العاصمة القيرغيزية (بشكيك) وللفائدة تعني كلمة بشكيك الحبل المستعمل في تعليق القربة لخض  حليب الفرس المعروف هناك باسم قيمز kimiz  لاستحراج الزبد منه.
مات ايتماتوف وهو في نهاية الثمانين من عمره, مات وهو خالد باعماله  ذكراه تتجدد في قلوب محبيه ومتابعي   ادبه.
عن الحوار المتمدن