ايتماتوف.. كاتب ملحمة الشعب القرغيزي

ايتماتوف.. كاتب ملحمة الشعب القرغيزي

علي بدر
روائي عراقي
لم يكن الأدب التركي خارج الدولة التركية معروفاً في العالم بأي حال من الأحوال، وأول لقاء لأي قارئ مع هذا المجتمع المسلم، والمتحدث باللغة التركية، لا بد أن يكون عن طريق أحد كاتبين إما القرغيزي جنكيز آيتماتوف، أو الروائي القرمي جنكيز صاغجي.

قبل اعوام توفي الكاتب القرغيزي جنكيز آيتماتوف وهو الكاتب الأشهر في آسيا الوسطى، فقد ترجمت أعماله إلى 165 لغة في العالم، وبيعت من رواياته نسخ تصل إلى حد 90 مليون نسخة، ومن رواياته الشهيرة: (جميلة)، (المعلم الأول)، (وداعا يا غولساري)، (يوم أطول من قرن)، (طريق الحصاد)، (النطع)، (السفينة البيضاء)، (الغرانيق المبكرة)، (شجيرتي في منديل أحمر)، (الكلب الأبلق عند حافة البحر)، (عندما تتداعى الجبال)، (العروس الخالدة)، (طفولة في قرغيزيا)، (نمر الثلج).
جنكيز آيتماتوف، الذي أعدم والده في العام 1937 أي أيام الحقبة الستالينية، من الكتاب القلائل في العالم الذين اهتموا بالجانب الروحي والميتافيزيقي للأمي المقهور، وليس هذا وحسب، إنما جعلوا من هذه المساحة متوائمة بشكل شعري كبير مع الحياة الطبيعة بجانبها الصارم والعاري والحزين، فجاءت رواياته ريفية، فطرية، تنبض بالروح الخصيبة، وعلى درجة عالية من التكنيك الروائي.
لقد كشف آيتماتوف عن الروح البطولية حين يتهدد الحياة الخطر الأقصى، لحظات التوتر الإنساني، في الحب والإيمان والأمل، ومهما كانت لغته بسيطة التركيب ومصاغة بعبارات عفوية، إلا أنها كانت تنطوي على جانب مركب، بسبب نظر الكاتب على الدوام إلى العالم بوصفه كلية غير مجزأة. كان ينظر إلى العالم من منظور الكلية الإنسانية، وهو النظر الميتافيزيقي لعظمة الإنسان المقهور. وهكذا كانت بطلة روايته جميلة، وهي الفتاة القرغيزية الريفية والفطرية التي كانت ترعى الخيول، فيخطفها تيمور المستهتر والمتغطرس ويرغمها بشكل فظ على الزواج قسراً منه. وعلى مدى صفحات الرواية الطويلة نسبياً نعيش مع جنكيز آيتماتوف أكثر اللحظات ترقباً وتوتراً، حيث تقاوم جميلة بشكل ضار نفوذ أم تيمور المهيمنة، وتتمرد على سلطتها. ويصدف أن تندلع الحرب العالمية الثانية، ويذهب تيمور مجنداً إلى الجبهة، حينذاك تأخذ الرواية منحى آخر، حيث تصارع جميلة بضراوة من أجل حريتها، وعلى الرغم من أنها كانت تتحمل ببطولة غير محدودة مشقة العمل المنزلي، إلا أنها تعلن عن تمردها بإطلاق صوتها الصادح بالغناء. وفي الصفحات الأخيرة من الرواية تقوم جميلة بعملية نقل القمح أثناء قرار السلطات السوفيتية بقيام السيدات بعمل الجنود والعمال داخل المدن والقرى، وتتعرف أثناء هذا العمل على عامل أعرج، كان جندياً في الجبهة، وجُرح أثناء إحدى المعارك، وسرح لأنه أصبح معوقاً، وتقع جميلة في حبه، إذ كان مثلها، يمتلك صوتاً عذباً، فما أن يطلق صوته بالغناء أثناء عمليات نقل القمح حتى تبدأ جميلة بمجاوبته.
لقد عدت هذه الرواية أجمل قصة حب في الأدب العالمي، وربما الحب وحده يفسر هذه الطاقة الكامنة التي أراد أن يعبر بها جنكيز آيتماتوف عن نوازع الطبقات البسيطة والمقهورة، فهو حب جارف، صارم غير مفسر، وهو أقرب إلى حب الفلاح تاناباي لحصانه الأعجف غولساري، الذي يطلق حبه المجنون لحصانه بعد أن يقدم مجموعة من البيروقراطيين الشيوعيين الروس بإخصاء حصان تاناباي الأعجف ويحيلونه على التقاعد، فيعيش تاناباي مثل مجنون، يعيش هائماً على وجهه في الطرقات بسبب حبه لهذا الحيوان وولعه به. لقد أراد جنكيز آيتماتوف أن يصور في هذه الرواية ملحمة الشعب القرغيزي الذي يعيش على ذل الخبز، أمام البيروقراطية المغتصبة، وأمام التغطرس المديني الروسي، وأراد أن يجلو الأسطورة الشعبية بكل تفاصيلها راسما حياة هذه الشخصيات المهمشة، والمقصية، من الفلاحين السكيرين، والجوعى، والنساء الأميات، والعمال الفطريين، والأقنان الزراعيين، بتعبير شعري جميل، وبرواية محكية بأبسط العبارات على لسان فلاح قرغيزي
وربما فعل الشيء ذاته في رائعته الأخرى،"الكلب الأبلق عند حافة البحر"حيث يصنع آيتماتوف نشيداً شعرياً غير محدود لتمجيد الحياة الخصبة، ويبين بطريقة لا لبس فيها صراع الصيادين البسطاء مع قوة وعتو البحر، حيث يصارع ثلاثة أبطال ثورة البحر وعنف الأمواج بصورة متواصلة. لقد كان الصراع برمته من أجل الوصول إلى (الكلب الأبلق)، وهو جبل يجثم بجوار شاطئ البحر، وله شكل كلب، والصيادون اعتادوا أن يجعلوه علامة ثابتة، فأينما توجهوا في البحر تبقى عيونهم ناظرة إليه. وفي رحلة صيد في زورق صغير يصارع الأب وصديقه وإبنه الصغير عاصفة عنيفة تثور فجأة من بين الأمواج، وتمزق الشراع وتدفع الزورق في عمق الهاوية، لتبدأ مسيرة من الصراع الطاحن، حيث يصور جنكيز آيتماتوف بأرق وأعذب الكلمات توازيا صارما بين عنف الطبيعة وقسوتها بمواجهة كل المشاعر الإنسانية النبيلة، فالأمواج تقذف الصيادين الثلاثة في عمق البحر حتى يختفي الجبل، وينفد ماء الشرب، وتنهك الأجساد، فيضحي الأب وصديقه بحياتيهما لإنقاذ الطفل، حيث يواصل الأخير التجديف بكل جسارة، حتى يرى وهو يفقد وعيه، في البعيد، من بين الضباب، ذلك الجبل - الكلب الأبلق، منارة الوصول وبر الأمان. وهذه المطاردة هي ذاتها التي نراها في آخر رواية له، وهي رواية نمر الثلج، فهنالك ملاحقة لا هوادة فيها من قبل الكاتب آرسين ساما للنمر الأرقط"جبارس"الذي لا يُقهر، حيث يغادر النمر جبارس القطيع أمام نمر شاب يفرض سيطرته وهيمنته الكاملة على المنطقة، بينما ينكسر ويتقهقر الجميع أمام غزو وسيطرة قوة جديدة، كما لو أن عالم الجبال قد خرج عن أطواره، فنرى من بين صفحات هذه المطاردة المشوقة فرادة آيتماتوف في كتابته، فهو يكتب مخيلته القرغيزية بلغة شعرية، أبطاله قرغيزيون يربون المواشي، ويجوبون الجبال على ظهور الخيل، ويتصيدون بالقوس والنبال ما يحتاجونه، فتتحول الرواية في النهاية إلى نشيد يصور الصراع الإنساني بوصفه نوعا من التناغم مع الطبيعة.
وفي رواية"السفينة البيضاء"يعيد جنكيز آيتماتوف الاعتبار للأسطورة الشعبية القرغيزية التي تتمحور حول المارال وهو نوع من الأيل او الردان الذي يعيش في غابات قزغيزيا، حيث يؤسس من الأسطورة حدثا جوهريا وأساسيا في الرواية، بل تنسج الأسطورة فيما بعد بتسلسل درامي بسيط كل أحداث الرواية، وترسم أقدار الأبطال الذين يعيشون في محمية جبلية نائية ومنعزلة، ويتصاعد الضمير الأخلاقي بقوة ليصور التفاعل التاريخي بين الطبيعة العزلاء والإنسان المدجج بالسلاح والذي يتعرض لأنقراض مؤكد. وبانهيار هذا الترابط التاريخي ينهار التوازن الطبيعي القديم، فنجد أنفسنا فجأة أمام كفاءة أخلاقيّة، ومعايير قيمية يصورها آيتماتوف بصورة حية، يصورها بكليتها داخل قرغيزيا موطن طفولته وسنيّ شبابه، حيث عاش المرحلة المفصلية من تاريخ المجتمع القرغيزي، لا الحياة القسرية لنمط البداوة والترحل فقط، إنما حتى التمدن المفروض من قبل الحكم الشيوعي، والذي راح ضحيته الآلاف من أبناء الشعب القرغيزي أثناء الرعب الستاليني وما تلاه.
لم يعش جنكيز آيتماتوف قسوة الحياة الجبلية فقط، إنما عاش قسوة المرحلة التاريخية، ونقطة الفصل والتحول التاريخي في المجتمع القرغيزي، فقد كان والده شيوعيًّا متمرساً، وبعد ترقيه بشكل سريع في سلّم المراتب الحزبية، سرعان ما وقع ضحيّة لسياسة الرّعب الستاليني الشهير، فتم إعدامه وهو في منتصف الثلاثينات من عمره. وقد عاد جنكيز آيتماتوف مع والدته من موسكو إلى قرغيزيا حاملاّ وصمة ابن أحد ضحايا خيانة النظام، غير أنه ناضل طويلاً لانتزاع حقوقه وحقوق عائلته. وفي غمرة الحرب العالميّة الثانية، أصبح سكرتيرا للحزب في قريته، ذلك لأنه الوحيد الذي كان يجيد، بين الكهول، القراءة والكتابة، وأوكل له نقل أخبار الجنود القتلى إلى زوجاتهم وعائلاتهم.
لقد عمل في حياته مهنا متعددة، منها: جابي ضرائب، ومزارع في تعاونية، ومربي مواشي، وقد تعرف على المدى الواسع والشاسع للأمة القرغيزية، وعرف بحق ظروف حياة الشعب القرغيزي من الفلاحين والرعاة ومربي المواشي والصيادين. وقد صور بأسى في جميع رواياته هذه الحياة الرعوية الهائلة، مازجا بين المواضيع المحليّة التي لها صلة وثيقة بآسيا الوسطى، والتقاليد الأدبيّة الرّوسيّة الراقية، ليصنع من هذا الخليط تراجيديا خالدة جامعا بدايات التشكل ونهاياته فى ملحمة الصراع بين الروح والجسد، فكانت رواياته تبرز على نحو جلي هذه البانوراما الإنسانية الخالدة التي تشمل الصراع، الحب، الغريزة، الموت، الحياة، في رحلة البحث عن قيم أخلاقيّة أكثر تماسكًا: وفي طرح الأسئلة الجوهريّة والمشتركة للمجتمع الإنساني برمته.