علاقة ونستون تشرشل بوالده في كتاب جديد: أسد بريطانيا..فاشل أبدي في نظر والده...

علاقة ونستون تشرشل بوالده في كتاب جديد: أسد بريطانيا..فاشل أبدي في نظر والده...

ترجمة: عدوية الهلالي
(ستكون فاشلا..ياولدي) هو عنوان الكتاب الجديد للكاتب فريدريك فيرني الذي يتناول به سيرة رئيس الوزراء البريطاني السابق وينستون تشرشل من خلال علاقته بوالده الذي كان يستخف به ويسخر منه على الدوام.. حين توفي والده في الرابع والعشرين من كانون الثاني لعام 1895، شعرتشرشل بأنه فارق الحياة معه. وبعد اثني عشرعاما،تنبأ بوفاته في نفس التاريخ وبالفعل فقد توفي في الرابع والعشرين من كانون الثاني لعام 1965...

لايقدم فيرني هنا سيرة شاملة لكل حياة وينستون تشرشل فكتابه اقرب الى البحث التاريخي والادبي حول الشخصية وقد تناوله من زاوية محددة وضيقة هي علاقته مع والده، فقد كان تشرشل (أسدا) في انتصاراته ورغم كل ماحققه من مجد وتفوق في المعارك وماحصده من شهرة كبيرة فلم يكن يهمه الا إرضاء والده وإقناعه بأنه ليس فاشلا كما كان يعتبره دائما واستمر الأمر حتى بعد وفاة والده اذ كان يتسلق سلم المجد فقط ليرضي (شبح) والده...!!
في احدى السير المكتوبة عنه، قال ستيفان زفايج"اذا كان الجرح يصنع رجلا فالمعاناة تصنع رجلا عظيما"وهذا ماحدث مع تشرشل الذي بلغ حد المرض النفسي في معاناته من سخرية والده منه وعدم اعترافه بنجاحه في أي شيء حتى انه علق ذات مرة على احدى كتاباته قائلا:"ماتكتبه..ياولدي المسكين وينستون..شديد الغباء!!"..لقد كان يلومه على اخطائه الاملائية خلال دراسته ويعتبره متحذلقا ومدعيا للمعرفة ولايرى فيه الا طالبا فاشلا..بل كان يتوققع له ان يفشل اجتماعيا ايضا وكان يطلق عليه احيانا صفة (المهرج)..وحين أرسله للدراسة في مدرسة (هارو) في عام 1888، لم يكن يرد على رسائله العديدة مطلقا..
في طفولته، كان القائد المستقبلي للحرب وحامي دولة بريطانيا طفلا مريضا وهزيل البنية بسبب اصابته بالتهاب القصبات المزمن لكنه كان متمردا ومتهورا ايضا..يقول تشرشل في يومياته:"نشأت مع والدي كقطعة نقود منسية في جيب معطفه..وأردت ان أكون موجودا لأني لم اكن موجودا او مرئيا بالنسبة له!!"
ويصف فيرني كيف تمرد هذا الطفل على مرضه وعاش فترة شباب مليئة بالمغامرات لرغبته الدائمة في التحدي فقد طاف دولا عديدة منها الهند وافغانستان ومصر والسودان وافريقيا الجنوبية..وكان قد اصبح وقتها رجل سيف وقلم اذ برع في الكتابة كما القتال، وكان رجلا دنيويا مدمنا على الكحول ويعيش صراعا دائما مع حالات اكتئابه، كما كان متعجرفا ومتعاظما ولايهمه انتماؤه لعائلة عريقة بقدر تحقيق امجاد شخصية..في سن العشرين،عانى ايضا من اصابة والده بمرض الزهري الذي كان يسبب له حالات هلوسة ونوبات جنون ثم وفاته بسببه وحافظ تشرشل على هذا السر طويلا لحماية سمعة والده..
ولد تشرشل في الثلاثين من تشرين الثاني عام 1874 في قصر بالنهايم الشهير القريب من اوكسفورد حيث شيدته بريطانيا لجون تشرشل اول دوق لمقاطعة مارلبورو..وجمعت سلالة تشرشل الصغير بين طبقة النبلاء الانكليزية ودم القبائل الهندية اذ كانت والدته المعروفة بجمالها جيني جيروم امريكية والدها رجل اعمال عصامي من نيويورك بينما تنتمي والدتها كلارا هول عن طريق احد أجدادها الى قبيلة الارقوس الهندية...اما والده اللورد راندولف تشرشل فكان اصغر ابناء دوق مالرلبورو السابع وكان عضوا ثوريا في حزب المحافظين وعمل وزيرا للمالية وهو في الثلاثينات من عمره..توفي عن عمر يناهز 46 عاما بعد ان انهى حياته العملية باستقالته المفاجئة من مجلس العموم البريطاني عام 1889..
كان وينستون الابن الأكبر لوالده، درس في مدرسة هارو وهي واحدة من ارقى المدارس في بريطانيا لكنه رفض دراسة الأعمال الكلاسيكية اليونانية واللاتينية التي كانت تعد أساسا للتعليم الطبقات العليا آنذاك وفضل تركيز طاقاته على كتابة المقالات باللغة الانكليزية، وقد أثبتت الأيام مهارة تشرشل في الكتابة التي وفرت له حياة رغيدة بعد اعتزاله الحياة السياسية لأنه استفاد منها واصبح كاتبا مرموقا..
منذ صغره، كان تشرشل مقتنعا بأن هناك مستقبلا حافلا بالبطولات بانتظاره، وبعد تخرجه من الكلية العسكرية الملكية عام 1895، برتبة ملازم ثان كان ترتيبه الثامن على دفعته البالغ عددها 150 طالبا وعمل ضابطا في الجيش في عهد الملكة فيكتوريا، وقد التحق بالفرقة الرابعة عام 1895وهو نفس العام الذي توفي فيه والده حيث توجه الى كوبا للعمل كمراسل عسكري عن الحرب الاسبانية الامريكية...وفي عام 1896، أرسلت فرقته الى الهند حيث خدم جنديا وصحفيا ضمن قوات حملة (مالاكاند) الميدانية عام 1897، وبعد مرور عام، نشر تشرشل مذكراته عن تلك التجربة في كتاب اسماه (قصة قوة مالاكاند الميدانية) فلاقى الكتاب قبولا كبيرا في انجلترا وبه بدأ تشرشل رحلته في عالم الكتابة..
وفي السودان، شارك تشرشل في حملة النيل، كما اتقن لعبة (البولو) في الهند وكاان يخوض تجاربا ومغامرات عديدة...كان تشرشل قارئا نهما اذ التهم اعمال عظماء المؤرخين الانكليز كما قرأ معظم أعمال تشارلز دارون صاحب نظرية التطور الشهيرة الذي أثرعلى صياغة آراء تشرشل تجاه العالم فقد كان يرى ان الحياة عبارة عن صراع لايبقى فيه الا الأقوى...
في عام 1899، اندلعت حرب جنوب افريقيا فسافر تشرشل اليها ليعمل مراسلا حربيا لصحيفة (لندن مورننغ بوست) وقد أسر بعد وصوله بشهر وارسل الى احد معسركات الأسرى في بريتوريا الا انه تمكن من الهروب وعاد الى جبهة القتال ورصدت مكافاة قدرها 25 جنيه استرليني لمن ياتي برأسه...بعدها، ساعد على انقاذ قطار مدرع واصبح بطلا شعبيا بين ليلة وضحاها..ومن ثم، تحدث عن مغامراته في سلسلة من المحاضرات التي القاها في بريطانيا وامريكا وخصص ريعها لتمويل حملته الانتخابية لدخول البرلمان كما دفعته خبرته في الجيش الى الاعلان عن معارضته لقيادة الجيش وادارته، وعلى أثر عودته من الحرب، استقال من الجيش وتفرغ لحياته السياسية..
بهذه الطريقة تناول فريدريك فيرني سيرة تشرشل في كتابه (ستكون فاشلا ياولدي) الصادر عن دار البان ميشيل في 260 صفحة التي تروي كيف بدأ تشرشل مشواره الناجح في الحياة واصبح بعدها شخصية سياسية وادبية مرموقة ومازال العالم يتذكر أعماله وأقواله بينما لم يعترف به والده يوما كانسان ناجح وقبل ان يفارق الحياة، تمنى تشرشل لو كان والده حيا لكي يرى أمجاده ويعفيه من صفة (فاشل) التي الصقها به والده طويلا..