رائحة الجوافة

رائحة الجوافة

د. علاء مشذوب
المذكرات، وعلى وجه الخصوص السيرة الذاتية، أدب مهم ابتدأ قبل أكثـر من قرنين في أوروبا وتبعتها أميركا وهو حديث عند العرب ولم تطل بشائره إلا في بداية القرن المنصرم، عندما بدأ محمد أمين وطه حسين وآخرون بكتابة سيرهم الشخصية ومنهم الأخير عندما تحولت سيرته الى كتاب ومن ثم فلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني وهو (الأيام).


ثم أصبح ذلك النوع من الأدب مشاعا بين كل الأدباء وبالخصوص المشهورين من الذين يسلط الإعلام الضوء عليهم، لنيلهم جوائز مهمة على المستوى العالمي، ومنهم غابرييل غارسيا ماركيز، عندما نالت روايته (مئة عام من العزلة) جائزة نوبل، ليتبعها بعد ذلك بعدة روايات أخرى مثل خريف البطريرك، وأخبار موت معلن...الخ، والكِتاب الذي يحوي بين طياته السيرة الذاتية لهذا الروائي يحمل اسم (رائحة الجوافة) وهو عبارة عن مجموعة من الأحاديث الطويلة والمفصلة الشخصية والعامة معه.
يبحر القارئ مع غابريل بأحاديثه داخل هذا الكتاب الى عالم غريب، أسوة برواياته، ليكتشف أن هذا الروائي كان يعيش حقيقة في عزلة عن العالم قد امتدت لمائة عام، رغم أنه كان يعيش وسط عائلة ضخمة جداً يناسل جده ويتناسل أبناؤه داخل بيت كبير.
تعلم القص والروي من جدته، وقد كتب مئة عام من العزلة مستعملا طريقتها، ولما قرأ كافكا (التحول) اكتشف أنه سيكون كاتبا والذي تقول بدايتها: وعندما رأيت أن غيريغوريو سامسا يمكن أن يفيق في صباح وقد تحول الى خنفس عملاق...فقال لنفسه (ما كنت أعرف أن هذا يمكن عمله، ولكن إذا كان الأمر هكذا فالكتابة تهمني). ثم يتم قوله: أدركت أنه توجد في الأدب إمكانيات أخرى غير العقلانية والأكاديمية جدا التي كنت عرفتها في الكتب المدرسية، كان الأمر كأنه تخلص من حزام العفة، مع مرور الزمن اكتشفت مع ذلك أن الإنسان لا يمكن أن يبتكر أو يتخيل ما يحلو له، لأنه يتعرض لخطر الكذب، والكذب في الأدب أخطر من الكذب في الحياة الواقعية.
نكتشف من السيرة الشخصية (رائحة الجوافة) أنه كان يعمل صحفيا مغمورا في أحدى الصحف المحلية المغمورة، وكان ينشر فيها بعض آرائه السياسية والأدبية ومن ثم بعض القصص القصيرة، حتى أكتشف عن طريق الصدفة أنه في تحدي يريد أن يثبت لصديقه أن من جيل قادر على أن ينتج كتاب، حتى وقع في فخ الاستمرارية.
مثلما نعرف من خلال هذه الأحاديث ماذا يحب ويكره، كيف يكتب ويتعامل مع النساء والورق الأبيض، من هم الكتاب الروائيون الذين أثروا به، ولماذا أصبح صديق لأكثر من رئيس في أمريكا اللاتينية، والأهم أننا نعرف أنه انتظر ثلاثين سنة من أجل إنجاز رواية (أخبار موت معلن) مثلما انتظرت (مئة عام من العزلة) خمسة عشر عاماً، حتى تكتب ولتقف أمام آلة الطابعة لمدة سنة ونصف لتطبع، بأكثر من خمسة آلاف نسخة لتنفد ويعاد طبعها، حتى نالت جائزة نوبل، مثلما انتظرت (خريف البطريك) سبعة عشر عاماً، حتى تنجز هي الأخرى.
ومن هنا يجب أن يأخذ الروائيون وربما هو غير ملزم لهم، بعض من تلك التجارب على محمل الجد، في أنك من أجل أن تنجز عملا خالدا، لا بد أن تكون ولادته طبيعية بظروفها وحتميتها القدرية، دون أن تكون هناك قيصرية في أنجاز ومثلها في التوزيع والدعاية المجانية.
وهو هنا يصدق قول جوليا كريستيفيا، عندما نجد أن تشكلاته الأولى كانت عبارة عن نسيج من خيوط الكثير من الكتاب، ابتداء بسوفوكلس (أوديب ملك) مرورا بغراهام غرين والذي يعتقده حل إشكالية المسافة بين الرؤى والواقع، والذي كان يجعل البعض يسقطون في كارثة البلاغة، غراهام غرين حل هذه المشكلة الأدبية بطريقة صائبة جدا: ببعض عناصر متفرقة موحدة بتلاحم ذاتي دقيق جدا وواقعي، بهذه الطريقة يمكن حصر كل لغز منطقة المدار في شذى غوافة متعفنة.
وكافكا (المسخ) والـ(سيد دالوي) لفرجينيا وولف، جويس، فوكنير، وتولستوي (الحرب والسلام)، وهمنغواي والذي يقول غابريل عنه أنه أثر فيّ كثيراً، وهناك نصيحة له يقول فيها أن القصة القصيرة، مثل الجبل الجليدي، يجب أن يكون أساسها الجزء الذي لا يرى، وهو الدراسة والتفكير، المادة المجموعة وغير المستعملة مباشرة في القصة.
وعندما سأله الصحافي عن الواقعية السحرية، وبأن قراءه لا يرون الواقع الذي يوجد بها، أجاب: لأنهم بالتأكيد تمنعهم عقلانيتهم من أن يروا أن الواقع لا ينتهي في ثمن الطماطم أو ثمن البيض، الحياة اليومية تثبت لنا أن الواقع زاخر بأشياء خارقة، ولأني في نهاية المطاف لا أحكي لهم أي شيء يختلف عن الحياة التي يحبونها...لا يوجد أي سطر في رواياتي ليس مبنيا على الواقع.
مثلما تأثر بالسينما، حتى كان يتبع في كتابته أثر الصور عليها، وتأثر في الشعر لرامبو، فاليري، نيرودا...مثلما كان الأساس لتكوين هويته الثقافية والجغرافية هي الهوية الكاريبية التي هي خليط من الإسبانية والعبيد السود الأفريقيين بخيال السكان الأصليين وخيال الأندلسيين والبرازيل... كان مولعا بقراءة سير المكتشفين وعلى رأسهم كتاب (يوميات خريستوف كولومبس) وهو يتحدث عن نباتات خرافية وعوالم أسطورية.
ورغم أنه يميل الى رواية خريف البطريرك، كونه يعتقدها قصيدة نثرية كتبت على أنغام موسيقى بيلا بارطوك، وهي الموسيقى الشعبية للكاريبي، لكنها لم تنل النوبل، وراحت الى مئة عام من العزلة التي ظل يحقد عليها لأنها قتلت البراءة في كل تصرفاته المابعدها، والتي يقول عن سبب كتابة الأخيرة هو (أن أفتح مخرجا أدبيا متكاملا لكل التجارب التي قد تكون أثرت فيَّ، بشكل أو بآخر، خلال طفولتي).
مثلما نكتشف أنه دائما يتحامل على النقاد وعذره في ذلك، في أنهم يتولون بهيئة بابوية ودون أن يدركوا أن رواية (مئة عام..) تخلو تماما من الجديد وتمتلئ بإيماءات الى أحمّ الأصدقاء إيماءات هم وحدهم يستطيعون اكتشافها – مسؤولية فك جميع ألغاز الكتاب معرضين أنفسهم لخطر قول حماقات كبيرة.
في النهاية لابد أن يكون لامرأة ما دور فاعل ورئيس في تشكل حياة أي إنسان وبالخصوص الموهوب والمرهف، ليقول غابريل عن المرأة: أنا ربيت من قبل جدة وعدة خالات كن يتناوبن على الاعتناء بي، ومن طرف خدامات كن يجعلنني أعيش لحظات السعادة خلال طفولتي، ولكن التي علمتني القراءة كانت معلمة جميلة جداً، ذكية جداً رسخت في نفسي حب الذهاب الى المدرسة لأراها فقط، توجد في كل لحظة من لحظات حياتي امرأة تأخذ بيدي في ظلام واقع تعرفه النساء أحسن من الرجال.
من كل هذا الخليط من الروائيين والشعراء، من السينما والموسيقى، من جده وجدته، من النساء والحبيبات والعشيقات والعائلة والزوجة الحبيبة، والبيئة الجغرافية تكوَّن روائي كبير اسمه غابريل غارسيا ماركيز، وأكيد أن هذه التجربة الثرية بكل تفاصيلها ستضيء درب الآخرين من الذين يتطلعون الى سلك ذلك الدرب المنير بالجهد الفكري والتأملي الجميل.