المادةالمظلمة..قراءةفي رواية     الأفق     للروائي     باتريك مونديانو     ترجمة     توفيق سخان

المادةالمظلمة..قراءةفي رواية الأفق للروائي باتريك مونديانو ترجمة توفيق سخان

ضحى عبدالرؤوف المل/ لبنان
تمر الذكريات المعتمة في بال كل منا لانها تقبع في زوايا المجهول او ربما في النفس التائهة غير القادرة على النسيان او حتى على إعادة اللحظة النفسية المصاحبة للحدث الذي احتفظ به الدماغ بصورة غير مرئية، ويصعب تذكرها لانها مادة مظلمة في نفق يصعب خروجها منه. لانه في غياهب المجهول او السريالية

التي بدأ بها"باتريك مونديانو" روايته"الافق"المترجمة من قبل"توفيق السخان"اذ تغرق الصور الذهنية في مقدمة الرواية ضمن غرائب النفس المجبولة على النسيان، فهل المادة المظلمة او النفق هي البقعه الحياتية التي نتمنى نسيانها؟ ربما في نتف الذكريات التي تبقى معاناة تثير الالم الزمني اكثر من حاضرها. لانها تسيطر على العقل والنفس وتعيد تحليلها لتدرك قيمة الاخطاء التي حدثت، وكانه يراها عن بعد من جديد، وضمن فكر ناضج ليشعر"بحرج الاختيار بينها"فهل للزمن قيمة في نفس تحاول النسيان، وتتمنى البقاء في المادة المظلمة كي لا ترى الافق ونوره الساطع او بالاحرى الحياة الجديدة التي يبدأها الانسان بعد كل مرحلة فشل او وجع او ألم.
لا يمكن فهم عمق الحياة وكتلتها الافتراضية التي تنشأ من زمنيات متتابعة او فترات شبيهة بالمجموعة الكونية التي تركها ايحائيا"باتريك مونديانو"ضمن السطور الروائية المبنية على فكرة المادة المظلمة الشديدة الحلكة، والتي لا تمتص الضوء ولو سبحت في الافق المضىء الاف السنين، وهذه حال الذكريات التي تصبح بعد سنين مادة يصعب تجاهلها. كما يصعب محوها من الذاكرة. لانها تشكل المادة الافتراضية التي يحتاجها الانسان ليكمل الحياة. لان الماضي يطغى على المستقبل والحاضر هو جزء من تاريخ لا يمحى الا بموت الانسان او فقدان عقله نهائيا، ورغم ذلك تبقى الاثار واضحة على السلوك"فإن هذه المادة المظلمة كانت أكبر حجما قياسا بالجزء الظاهر من حياتك. لقد كانت غير محددة. وهو لا يحتفظ في مذكرته سوى بذلك البصيص الذي يومض في جوف هذه الظلمة."فهل من مادة مضيئة في الافق تمتص قدرة الانسان على مقاومة سلبيات الحياة وتعرضه الى نكسات تؤثر على النفس فتجعلها تفقد توازنها ومن ثم تعيد تأهيل ذاتها لتتأقلم مع التناقض الحياتي الذي نعيشه؟
مخافة أن يخبو الوميض الى الابد بدأ بلقب"ميروفي" اذا لم يعد للاسم من اهمية كبرى عند الخوض في مسيرة الحياة التي يسردها كحكاية تتسارع احداثها وسط غياب المشهد المتكامل ذهنيا او المقتطع من الذاكرة المعتمة اي بمجهود افقي متصل بواقعية الزمن المحاكي للصورة المعاصرة للان، فهو انطلق بواقعية تجسد"الفتاة التي تقطعت بها أسباب الحياة والتي ترتدي رداء، والتي يوحي مظهرها بأنها احدى عارضات الازياء، وقد التقى بها مرات عديدة في أماكن مختلفة."وهذه المرأة هي نقطة الانطلاق الروائية بعد مورفي من حيث قدرته على استخراجها من زوايا الذاكرة المظلمة الناشطة في سرد درامي يتجه نحو فلسفة الحياة، وعبثية الوجود والمصطلحات النفسية التحليلية التي تقود الفكر الى استخراج الجوهر الروائي، وهو الالحاح القدري الذي يقود الانسان الى المجهول، مهما بلغ التخطيط الحياتي من قوة لان الخوف من فقدان شخص ما نتعلق به يتسبب في فقدان التوازن الرؤيوي المبني على شدة التعلق بالاخر او الحب بمختلف مراتبه العشقية لينقلنا زمنيا الى ذلك التاريخ الذي يستخرج نفاصيله الحادة بوجع تسرب الى وجدان القارئ بتؤدة وحنكة مؤثرة نفسيا على تتابع السرد الموصول بقناعة كيف للمرء ان يتحاشى عنف الآخرين؟
لو عاد الزمن بالانسان الى نقطة البداية سيعاود رسم تفاصيلها الحادة كما هي لأن كل شيء يبدأ من الطفولة، فمهما تغيرت الاحداث تبقى الطينة النفسية الاولى هي اللبنة الحقيقية لتكوين الشخصية والسلوك، فالبوح النفسي للبطل يؤكد على نظرية الحس الباحث عن محاسبة النفس عن اخطائها ضمن اختيارات الزمن التي تؤكد على قدرة الانسان المحدودة في تخطي الصعاب او الاخطاء التي قد تؤدي الى الندم ومحاسبة النفس"حاول عبثا أن يتذكر في أي كتاب كان قد قرأ بأن كل لقاء أول هو بمثابة جرح. لا بد انه كان قد طالع ذلك خلال أيام مدرسة رولان الثانوية."فهل ذاكرة الرواية هي الافق الضوئي الذي تتلاشى فيه المادة المظلمة؟..
ما بين السرد الموضوعي والسرد الذاتي متغيرات تابعها"باتريك موديانو" بحرفية ديناميكية ضمن المنظور الرؤيوي المتعدد الزوايا، وهو بمثابة البؤرة الفنية الحصرية التي تنضوي على مفاهيم واساليب ينصاع لها المعنى الايحائي بواقعية تجمد فيها الزمن ببناء تقني روائي يفرض نفسه عبر تسلسل الذاكرة التي يستنبشها، ليروي من خلالها قصة حب لا تخلو من صراعات انسانية وبرمزية المرأة والوطن وما يفنى وما يبقى وما يتعرض لازمات وانتكاسات وجروحات تبقى في الزوايا المظلمة ونسيجها البنيوي والدلالي لاعطائها البعد التخيلي الزمني اي من الماضي الى الحاضر لاثارة الاجواء التعبيرية ببشخوص من حيث اهميتها وتناغمها الانساني المبني على جمالية الصياغة لاكتساب المعرفة من خلال استدعاء الذاكرة الى الافق الروائي المفتوح."لماذا كان كل الذي اكتبه أسودا خانقا؟ ها هنا اسئلة لم يطرحها قط خلال تلك الاثناء."
تماثل في عمليتي الوصف والسرد، وبتداخل موضوعي تتشابك فيه عناصر الوصف الانطباعي لاثراء الصورة عند ارتباطها بالعاطفة والانفعالات، والمشاعر الجمالية الساكنة في الضوء او في الجانب المضيء من الذاكرة التي تجمع الخيوط المحبوكة. لتظهر مكنونها المخبوء، كحالة لا شعورية تعيد سرد الماضي. ليكشف عن ماهية الشخوص ونفسيتها الداخلية من عاطفية، وعقلانية، ووجدانية. ليدرك القارىء ماهية شخوصه الداخلية قبل الخارجية، لتتكون الصورة المتخيلة عبر الواقع الموصوف بتنوعاته الانسانية في لحظة انفعالية او ادراكية واعية وغير واعية. "كان يكتب خلال الزوال في غرفة مارغريتا لوكوز، حيث كان يستجير بغيابها. تطل النافذة التي توجد في العلية على حديقة مهجورة تنتصب وسطها شجرة الزان الارجوانية. خلال ذلك الشتاء".
"لقد كانت تلك المرأة، حسب سجلات الحالة المدنية امه."تعبير جارح لابن لا تعني له الامومة الا سجلا مدنيا يربطه بالاسم مع من ولدته فاللغة الفنية في رواية" الافق" تتمازج مع الماضي والحاضر والمستقبل الروائي المجهول. ليتقصى البعد النفسي بألوان شعورية ترتبط بالحب لامرأة تخاف من رجل ما، ولنفسه التي تخاف من امراة ما هي امه. فالاطر الدرامية في الرواية محكومة بالصياغة النفسية المحبوكة تحليليا بما يراعي صيغة الاقناع والتأثير، وبمقدرة تعكس الوعي الزمني الذي يحلل من خلاله مسيرة الشخصية الروائية المظللة بسجل مدني هو شبيه بالمادة المظلمة التي لا يخترقها الضوء."كان ينتابه اليقين بأنهما يوجدان خارج مدار الزمن."
احلام فرويدية ومعاني تستهلك من الحدث ما يختصره لتتضح الصورة من خلال الحلم واليقظة والتشابه بينهما وبين الواقع الذي يفقد معناها تدريجيا مع مرور الزمن لنعيد رؤيته من خلال الذاكرة فقط، حيث يفقد الزمن قيمته الحقيقية. لانه اصبح في الافق ونراه من بعيد."كل ما نحياه يوما بعد يوم تطبعه لا يقينيات الحاضر." مع مراعاة مسافات السنين والذكريات واعادة رواية ما تبقى في مخزون الذاكرة وفق ابعاد الرؤية النفسية وعبثية الحاضر بعد اعادة زوايا الماضي لتتجسد ضمن"حاضر ملىء دائما باللايقينيات"للهروب نحو الافق. ليكمل الزمن تواجده في امكنة الذاكرة الزاخرة التي تلاحق المرء ما بين اليقظة والنوم.