الزهاوي.. افق واسع وعقل مبدع

الزهاوي.. افق واسع وعقل مبدع

■ من محاضرة القاها الاستاذ عبد الحميد الرشودي في معرض الكتاب الدولي في اربيل عام 2014 .
الزهاوي اسم كبير بدأ منذ بدايات القرن الماضي كان هذا الرجل متطلعا ذات افق واسع وعقل مبدع اتجه اول ما اتجه الى العلم مجردا عن الخرافات والاوهام التي سيطرت على عقول الناس قرونا طويلة. مبينا: ان حياة جميل صدقي الزهاوي من الطول والسعى بحيث لا تسدها جلسات لكني ساقتصر على المعالم البارزة ونحن نمخر عباب حياته ونقف على بعض الامور المهمة.

 ومن هذه المواقف التي يفخر بها ويعتز هو موقفه من المرأة بعد ان شاهدتها تعاني من الظلم والاجحاف في مجتمع رجولي قاس شرع الانظمة والقوانين لحمايته ولم يجعل من المرأة الا سلعة تباع وتشترى وربما تدفع بالديات في ظل ما يسمى بنكاح الشغار "كصة بكصة" أي اعطاء مرأة مقابل مرأة من دون مهر لا مقدم ولا مؤخر وهذا غبن للحقوق لأن الشرعية الاسلامية اعطت للمرأة حقوقها كاملة غير منقوصة لا ان تكون للمتاع تأخذ ما دام فيها مسحة من جمال فاذا ذبل جمالها ركلها كما يركل الحذاء القديم. الزهاوي آلمه هذا المشهد فكتب مقالة كانت قنبلة في وقتها بعنوان "المرأة والدفاع عنها" واختار لها جريدة "المؤيد" واسعة الانتشار في القاهرة فنشرتها ونتج عنها صعقة كهربائية هزت المجتمع العربي فانبرى للرد عليه كثيرون. في مصر انبرى له كاتب اسمه محمود حمدي النجار واصدر كتابا برأسه اسمه "المرأة في الاسلام" كرس نصفه للرد على جميل صدقي الزهاوي وفي بغداد رد عليه الشيخ محمد سعيد النقشبندي فاصدر كتابا بعنوان "السيف البارق في عنق المارق" والضجة التي احدثتها المقالة خرجت على اثرها الجماهير تطالب برأسه فاختبأ في داره مدة واضطر والي بغداد يومئذ ناظم باشا الى عزله من وظيفة التدريس في مكتب الحقوق تسكينا للجماهير الغاضبة "هي الحقيقة ارضاها وان غضبوا وادعيها وان صاحوا وان صخبوا" . وبعد هذه العاصفة اعيد الزهاوي الى وظيفته في عهد احمد جمال المنبوز بالسفاح بعد اذن . في عام 1912 وشح الزهاوي عضوا في مجلس المبعوثان وهو شعلة من الحركة والذكاء لا يعرف الاستسلام مبدأه كما قال" وما زلت في جو من الحب طائرا ومن عادتي ألا اطير مع السرب"  دائما يفضل المغامرة والسباحة ضد التيار على ما فيها من المتاعب. يقول الزهاوي عرضت على مجلس المبعوثان ميزانية الدولة  فقرأت في فصل وزارة البحرية طلب تخصيص مبالغ لشراء كتاب البخاري الشريف فهالني الأمر!! ماعلاقة وزارة البحرية بصحيح البخاري؟ لو كان الأمر وارداً في ميزانية مشيخة الاسلام لهان الخطب. ايها السادة السفن تجري بالبخار لا بالبخاري. فهبت الاصوات اسكت ملحد زنديق كافر. هذا هو الزهاوي مجابه جرئ يقول القول ولا يبالي اوقع على الشر ام وقع الشر عليه. ثم تمضي بنا السنون ويدخل الانجليز بغداد في الحادي عشر من اذار 1917 فيلقون القبض عليه باعتباره من العهد المباد. ولحسن حظه كان معه بطاقة هي هوية مراسل لجريدة "المخطم" المصرية . وجريدة المخطم كما تعلمون هي موالية للانجليز فلما ابرزها لهم عفوا عليه واخرجوه. بعد ذلك عين رئيسا للجنة تعريب القوانين من التركية الى العربية وظل في هذه الوظيفة وهو عضو في مجلس المعارف . وعندما تأسست الدولة العراقية الحديثة في السادس والعشرين من آب سنة 1921 الغيت وظائفه وبقي بلا عمل ولا مورد وكان يومئذ كبير الامناء في البلاط الفيصلي هو "فهمي المدرس" فكتب الزهاوي رباعية يشكوا حاله " انا لو كنت غبيا فاز في الاسهم سهمي.. انما اخرني اليوم عن الاقران فهمي". فلما سمع فهمي المدرس بهذه الرباعية نقضها فقال" انا لوكنت غبيا خاب الاسهم سهمي.. انما قدمني اليوم على الاقران فهمي" ويبدو ان فهمي سعى لدى الملك فيصل ان يجد للزهاوي وظيفة تسد رمقه فاقترح عليه ان يكون شاعر البلاط لقاء راتب شهري قدره 600 ربية. يقول الزهاوي جاءني مظروف قرأت فيه ان جلالة الملك يرشحكم لتكونوا شاعر البلاط  براتب شهري 600 بربية. فرفض الزهاوي هذا الطلب وقال: انا لست اجيراً ولكن اذا وجدت الملك يعمل لصالح الشعب فسامدحه من دون مقابل. وبقي على هذا المنوال من دون راتب حتى قرر الهجرة الى مصر. فباع اثاثه وكتبه واخذ زوجته السيدة زكية داود نيازي وذهب الى مصر. فكان له في مصر نشاط ملحوظ تعرف على الادباء والشعراء ودعاة الاصلاح  وحضر ندوة السيدة مي وجادل العقاد وصاحب سلامة موسى ولكن الزهاوي الذي الف الثورة والانتفاضة في كل وقت نظم قصيدة فيها شيء من التشكيك في البعث والنشور " وسائلة هل بعد ان يعبث البلا نعود فنحيا ثم بعد ذلك نرزقوا" . فانتفض عليه رجال الأزهر . وكتب شيخ منهم اسمه عبد الحميد قطيط مقالة في مجلة البلاغ الاسبوعي لصاحبها عبد القادر حمزة. وبعد ان ناقش الزهاوي استعدى عليه وزير الداخلية طالبا من ان يسفره لئلا يفسد عقول الناشئة بآرائه الالحادية. وعاد الزهاوي ادراجه. ومر في بيروت فاحتفوا به . وكان هناك رجل من وجوه المجتمع  اسمه محمد جميل بيهم اقام له حفلا تكريميا واخذ منه الرباعيات وطبعها سنة 1924 تخليدا لذكرى مرور الزهاوي في بيروت . عاد الزهاوي الى بغداد وصادف ان اقر القانون الاساسي وتشكل مجلسان اعيان ونواب فرشح عضوا لمجلس الاعيان . وبينما هو في هذه العضوية عرضت لائحة لزيادة رسوم التبوغ لكون التبغ مادة كمالية ومؤذية فينبغي ان تضاعف عليها الرسوم ليمتنع الناس عن التدخين. لكن الزهاوي اعترض وقال ان التبغ بالنسبة لكثير من المواطنين وخاصة في القرى والارياف الغليون يساوي الرغيف اليومي ان لم يتفوق عليه. وعلى اثر كلمة منه امتعض المالك فيصل فلم يجدد عضويته في المجلس واحلوا محله الحاج محمود السربادي. وعاد الزهاوي الى البطالة. لكن بقي يحب الاثارة وفي يوم اثناء جلوسه في مقهى الرشيد حيث كان يلتقيه الشاب محمد مهدي الجواهري حيث كانت تربطه به علاقة متينة. يقول الجواهري دعاني الزهاوي ذات يوم على الغداء. فذهبت الى بيته في محلة "الكخية"واذا بي اشاهد السمك والخبز وحطب الطرفة. ثم دعا الزهاوي خادمه لاحضار عربة نقلتنا الى ابي نؤاس بمنطقة الكاوية وهناك بدأ خادمه يشوي السمك. وفي الاثناء جاء الخادم وقال للزهاوي:" يا عم لقد نسينا الملح. فرد عليه الزهاوي" ولا يهمك هات عيدان من الطرفة". وقام بحرقها حتى صارت رمادا ابيضا. ثم طلب من الخادم ان يذر منها على السمك. ويقول الجواهري لم اذق منذ ثلاثين سنة لا اطيب ولا اشهى من هذا السمك الذي كان ملحه الرماد. كذلك من المواقف التي يصح الوقوف عندها كانت بين الزهاوي والرصافي جفوة فاراد محمود صبحي الدفتري ان يزيل هذه الجفوة فدعا الرصافي والزهاوي ونخبة من الادباء وعلية القوم ليجري المصالحة والمصافحة وكان من جملة الحضور مزاحم الباججي وطه الهاشمي وعلي محمود الشيخ علي وطه الراوي ومحمد بهجت الاثري واحمد حامد الصراف وعبد العزيز الثعالبي الذي كان زعيم الحزب الدستوري التونسي وقد حكمه الفرنسيون بالاعدام فهرب ولجأ الى العراق. وكان من جملة الصحفيين الذين حضروا لتغطية الحفل روفائيل بطي وتوفيق السمعاني. وهنا انبرى الزهاوي والرصافي للمصالحة والمصافحة وانشد كل منهما قصيدة بالمناسبة. وكان الزهاوي متفتحا وطليعيا يمثل رأس النفيظة في كل شيء. وعندما بدأت الفرق الفنية المصرية تفد الى العراق في الثلاثينات حيا بشعره فرقة يوسف وهبي وسمى ممثيليها بالاسماء احمد علام وفردوس حسن وامينة رزق وخص كل واحد منهم ببيت من الشعر. وحين جاءت أم كلثوم في تشرين 1932 اقامت حفلاتها في اوتيل الهلال الذي يقع قريبا من سوق الهرج . ولما انتهت حفلاتها اقام ادباء بغداد حفلا توديعيا لها تناشد فيه الشعراء والخطباء ووقف الزهاوي كعادته يخاطب السيدة" يا أم كلثوم إنا أمة رزحت تحت المصائب احقابا فسلينا... يا ام كلثوم حيينا حيي الملائكة منا والشياطينا" وهو يشير الى النساء في المقصورات بالملائكة والى الرجال بالشياطين. فجاءت السيدة وقبلت يده. فقبل هو رأسها وقال: لا تخافي فان نبل سهامي غير مسمومي.  وعندما توفي الزهاوي في الثالث والعشرين من شباط 1936 كانت الحكومة وقتها حكومة ياسين الهاشمي . وكان الهاشمي يعطف على الزهاوي فامر بتشييعه رسميا وخرج في نعشه رشيد عالي الكيلاني وزير الداخلية ومحمد زكي البصري وزير العدل ومحمد رضا الشبيبي وزير المعارف وخرجت الفتوة العراقية تتقدمهم حتى وصلوا الى مقبرة ابي حنيفة فلما يوري التراب وقف الرصافي ورثاه: ايها الفيلسوف قد عشت مضنا مثل ميت وصرت بالموت حيا.. سوف يبقى على المدى لك ذكر خالد في النفوس لم يخشعيا.. سوف ابكي عليك شجوا واني كنت ابكيك في الحياة شجيا. وفي الثلاثينيات حدثني محمود الكتبي قال: اشتريت قطة ارض 900 متر. فقال لي الزهاوي بعني هذه القطعة واعطيك ربحا على كل متر نسخة من الديوان فسلم لمحمود 900 نسخة من ديوانه الذي طبعه وعاد عليه بربح. فلما بناها وانتقل اليها حدثني رفعت الجادرجي فقال: ذهب ابي لتهنئته بمنزله الجديد وكنت صبيا فاخذني معه وشاهدنا الفلاحين منشغلين بزرع شتلات حمضية ولكن كانت كبيرة فقال له والدي: هذه الشتلات كبيرة قد لا تعيش، حبذا لو جئت بشتلات صغيرة. فاجابه الزهاوي: لم يبق في العمر متسع للانتظار. وختم الرشودي كلامه بالقول: الحديث عن الزهاوي يطول وهذه شذرات ارجو ان تكون قد راقت لكم. وللمزيد لي كتاب قد صدر عن الزهاوي في العام الماضي فيه الكثير. واكرر لكم شكري لاصغائكم الجميل.