دلالة  الأحلام والرموز  ...    ثنائية الأسطورة والجنون

دلالة الأحلام والرموز ... ثنائية الأسطورة والجنون

أوس حسن
من أهم مقولات عالم النفس الشهيرالسويسري كارل غوستاف يونج أثناء اشتغالاته بالجانب الآخر في علم النفس،وهو الجانب الروحي، إن هناك علاقة وطيدة وحقيقية بين ما يتفوه به المجانين من عبارات مبهمة، غير مفهومة، وبين رموز الأساطير القديمة والأديان، وخصوصا في جوانب كثيرة من اللاوعي المطمور في النفس البشرية، وأحيانا ً يتجلى بالأحلام التي يراها النائم، وأحلام اليقظة .

قبل أن أوضح سبب اختياري لهذه الجملة التي تتكون من ست كلمات أو أكثر،دعوني أعترف أنني لست ناقدا ولا كاتبا في هذا المجال.أنا هنا مجرد قارئ متلق،وهذه العبارة بحد ذاتها،أثارتني جدا،وأعادت خلق الكثير من التساؤلات في نفسي،تلك التساؤلات التي ارتبطت بوعي وإدراك حسي وصوري لجوهر الأشياء ومحاولة تفسيرها على طريقتي الخاصة.
والشاعر العراقي صلاح حسن تميزت قصائده بسمة متفردة في تاريخ الشعر العراقي،وهي أن هذه القصائد في كثير من جوانبها تتمتع بخطاب صوري مؤثر،إضافة إلى التكثيف الحسي،والبناء الدرامي المتكامل،وصولا إلى الذروة في تكاملية المشهد،الذي يأخذ غالبا ً القالب المسرحي أو السينمائي،وذلك من خلال رسم ملامح الشخصيات بدقة عميقة،ووجود بيئة مكانية وعامل زمني مرتبط بالحدث ؛لكي يعطي للصورة عناصرها التكاملية المتحركة، وأبعادها المختلفة على المستوى الواقعي أو الفانتازي أو الرمزي، مبرزة بذلك أثرها الجمالي والفلسفي في نفسية القارئ،أضف إلى ذلك أن هناك قصائد لها طابع تأملي تشبه في تكوينها بعض اللوحات التشكيلية العظيمة لبيكاسو وفان كوخ وسيلفادور دالي، تلك التي يدفعك الصمت فيها لإنتاج معرفة مغايرة، وقصائد أيضا ً لها صورة الكاريكاتير الساخر الممزوج بحزن شفيف،ولذة غامضة وسحرية،وفي نفس الوقت ظلت هذه القصائد متوهجة بالفنون اللغوية والبلاغية ..كالانزياحات والتكرار والترادف والتوازي والإستعارات ..الخ،وإيقاعها الداخلي والخارجي،وتنويعاتها الموسيقية،الأمر الذي أبقاها محافظة على سمتها الخاصة وجذورها في ذاكرة الموروث الشعري العربي،دون أن تتخلى عن مضامينها الفكرية الحديثة،وهويتها الإنسانية المطلقة،فكم جميل أن تمتزج السمفونية التاسعة لبيتهوفن مع قصائد المتنبي وبشار بن البرد وأبو العلاء المعري،وكم جميل أن تخرج اللوحة من سجنها بألوانها وسكونها،وأن تغفو في حضن القصيدة،عندها ستخترق الموسيقى كيانك بهيبتها وعظمتها،وهنا عليك أن تكون ممسوسا ً بالحلم ،أو موهوبا ً في صناعة الخيال؛لكي ترحل بعيداًجدا ً،وتفتح لك الحقيقة نافذة من نوافذها المضيئة.

"ظلَّ يبصق على الوردة حتى صارت غرابا"، هذه الكلمات بحد ذاتها قد تتفوق كثيرا على مجلدات شعرية كاملة،وعلى كتب في الفلسفة، فهي كفيلة بأن يخضعها المختصون لدراسات عميقة ومعمقة،انطلاقا من دلالتها الميثولوجية والنفسية،وتمظهراتها الصورية المختلفة،المستترة منها والظاهرة. أما الشاعروالمسرحي العراقي صلاح حسن،فإن شخصيته وسلوكه لا ينفصلان كثيرا عن نصوصه، بل أكاد أجزم أنه يتنفسها ويحيا بها شعريا في هذا الوجود.
المشهد الأول* تستطيع أن تراه وقد غطى البياض شعره وقلبه وهو يبتسم للبسطاء والفقراء،ويغازل الجميلات،وفي نفس الوقت يشاكس الله بجنونه ونصوصه،الله الذي لم يرد على رسائله طيلة نصف قرن كامل على هذه الأرض الجريحة،لكنه في نفس الوقت هو محارب بابلي قديم،يمتطي صهوة جواده،ليسترد عشبة الخلود المفقودة،يقفز من غيمة إلى أخرى، يدخل عاريا ً إلى غابات الأرز، يتبول على خمبابا،يضاجع القوقازيات ويرقص مع الرعاة في السهول والوديان، يوزع النجوم والذكريات على باعة النبيذ المتجوليين،يغسل النار من خطاياها،يحتفي بتراتيله البابلية على أنغام الأهازيج والنايات في ليل السكون،و مساءات القرى الذهبية، ثم يعود إلى أور؛ليزور النبي ابراهيم،يحتسيان النبيذ معا،ويخبره صلاح عن قصيدة جديدة بعثها له بالبريد الالكتروني الإلهي،لكنها لم تصل؛لأنها محفورة على الألواح ومخبوءة في باطن الأرض،لكنه لايستطيع البحث عنها واستخراجها حالياً،بسبب موهبته الجديدة في التحليق والطيران،ويطير بعيدا،يحلق فوق الغيوم،وعندما يحل الظلام الدامس يركل القمر بقدمه،ويسجل هدفا في مرمى الشمس،ليعم النور مرة أخرى،فينزل إلى الأرض؛ليعزف بسكسفونه النبيل لنهر الراين،وأمستل، فيصبح للنهرين أجساد بشرية تتمايل وترقص على أنغام السيكسفون،وترقص معها الأشجار أيضا،وتخر الجبال على بطنها ضاحكة،وفي هذه اللحظة،وقبل أن يأتي الموت؛ليحصد كل شيء،يعاود صلاح الطيران،ويقول للموت اتبعني إن كنت شجاعا،يمد له لسانه ساخرا وبضحكة عميقة مدوية ههههههه،يختفي صلاح،ويبقى الصدى، دون أن يمسك به الموت، تسير العربة في أزقة الصقيع ..يظل صاحب العربة الذاهبة إلى العتمة بلا وجه ولا ملامح، تتلاشى الظلال رويدا ..رويدا،وقبل أن يستلذ الموت بنصره،يصير صلاح تمثالا منحوتا ً على جبل من جبال الألب البعيدة.
المشهد الثاني
"ظلَّ يبصق على الوردة حتى صارت غرابا"
السماء نصفها رمادية،ونصفها حمراء،والأرض متشققة ومتصدعة،ستهوي حتما إن كانت وطأتك ثقيلة،وفي زواية بعيدة لا تصطادها الكاميرا أحيانا ً،يقف كائن ممسوخ،له رأس أفعى،وذيل كلب،وأطراف أسد،وفي الجهة المقابلة تقف وردة لها عطر مضيء،ويتغير لونها كل دقيقة،يمسك المسخ سيفا بيده،ويحاول أن يقتلع الوردة من جذورها ؛لكي تهوي الأرض،لكنه كلما اقترب،استطال عنق الوردة وأصبح لها فم كبير كالحوت، تهوي عليه بطريقة شاقولية مائلة محاولة قطع رأسه،لكنه يفلت منها،و يحاول الكرّة عدة مرات،ولايفلح، عندها يتراجع مسافة إلى الوراء ، ويخرج لسانه الطويل،ويبصق عليها عدة مرات ..تف ...تف ...تف،تقفز الوردة وتصبح غرابا ينعق وتطير بعيدا؛لأن الوردة في الأصل لها موهبة في التحليق والطيران،تطير الوردة الغراب،وتدخل في كوة سماوية،تنهار الأرض،تغرق السماء في الفراغ،وتظهر صورة كبيرة جدا لشيخ أبيض جالس على كرسيه،شعره أبيض،وقلبه أبيض،ويده بيضاء، يقفز الشيخ من الصورة، ويطلق ضحكة مدوية عميقة هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه./ ينتهي المشهد
*********************
الوردة،الغراب،آدم،حواء،قابيل،هابيل،بداية الخليقة،صرخة البدايات،أنين النهايات،الأسطورة،الجنون،الحلم،الحقيقة،كل هذه الأشياء والدلالات لها ارتباطات عميقة في اللاوعي الجمعي عند الإنسان،ويمكن أن تعلن عن نفسها بقوة،عن طريق الرموز،والهذيانات،عندما يطفو اللاوعي على السطح،ويمكنها أن تصبح فيما بعد ذاكرة حقيقة لموروث شعبي على مر الأجيال.
"ظلَّ يبصق على الوردة حتى صارت غرابا"
ظل يبصق على الوردة حتى صارت ......
ظل يبصق على الوردة حتى ....
ظل يبصق على الوردة ...
ظل يبصق على...
ظل يبصق.....
ظل .......
................
..........
....
.
وهنا عليك أن تحلق بعيدا؛لتسلم الراية لمن هوبعدك ،وعليك أن تعانق وهج الحقيقة،وأن تستفيق من حلم أرّق ذاكرتك الحبلى بالجنون منذ أزمنة طويلة،وإن تحررت من وهم الحركة والزمن،فاعلم أنك لست بحاجة إلى تفسير الكون،بل إلى خلق كون جديد له عطر البياض،وصمت الأبدية المطلق.
..............................................................................................
*المشهد الأول والثاني هما محاولات للمقاربة والمجاورة في نصوص صلاح حسن من ديوانه (أنا مجنون لسبب وأنت عاقل بلا سبب)،الذي تسنت لي قراءته لمرة واحدة فقط سنة 2012،منطلقا من نظرية أن التلقي هو عملية إبداعية تعيد أنتاج النص من جديد؛ليحيا حيوات أخرى ويبقى خالداً على مر الزمن.