احمد الخليل.. من عمالقة الفن في العراق

احمد الخليل.. من عمالقة الفن في العراق

حيدر شاكر الحيدر
على الرغم من ان كتاباتي عن عمالقة العراق من مطربين وملحنين تتناول القيمة الفنية لهؤلاء والدور الذي تركوه لنا في الحياة الموسيقية والغنائية العراقية , التي هي غنية بالمبدعين الا ان الكثير من القراء يودون معرفة بيئة الفنان ونشأته وتفاصيل أخرى عن حياة من نتحدث عنهم ..
احمد الخليل كردي عراقي ولد بشمال العراق تحديداً بمدينة (بادينان) التابعة لمحافظة دهوك عام 1922 وتوفي عام 1988 له شقيق فنان ايضاً هو ابراهيم الخليل عازف آلة ايقاع ..

نشأ هذا الفنان وترعرع بمدينة بغداد وتخرج من مدارسها ودخل الاذاعة العراقية بداية الخمسينات من القرن الماضي , تأثر كثيراً بالموروث العراقي المتمثل بغناء المقام العراقي والبستات المصاحبة له , كما ان ثقافته الآتية من الاستماع للغناء العربي بأصوات عمالقته امثال سيد درويش وزكريا احمد ومحمد عبد الوهاب والآخرون ومشاهدته ما يعرض بدور السينما من افلام عربية وخاصة الافلام التي تظهر هؤلاء الفنانين اللذين ما زلنا نتحدث عنهم وعن فنهم الراقي امثال عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم وسيد دروش هؤلاء كانوا مثار اعجاب أحمد الخليل .
اذن الموهبة والثقافة خلقت هذا الأسم الذي ذاع صيته عراقياً وعربياً لينطلق وينفرد عن زملائه بمدرسة خاصة تحسب عليه .
احمد الخليل قيمة الصوت واللحن
الامانة الملقاة على عاتق الباحث الموسيقي او الناقد ان يتناول ما هو مفيد لمن يريد الوصول عن قيمة هؤلاء الفنانين الفنية والأجتماعية والتربوية لا ان نذكر سيرتهم الذاتية من الولادة حتى الممات .. الأهم هو تناول كل ما هو من شأنه يخدم القضية الأولى وهي دور الفنان بثقافة بلده وأسلوبه الذي بنيت شخصيته ومدرسته من خلاله , من يقرأ الاجزاء الثلاثة التي كتبها الراحل ( سعاد الهرمزي ) بعنوان ( من الذاكرة ) وفي الحقيقة ان المضمون لتلك الاجزاء هي اصلاً كانت مسموعة قبل ان تظهر من خلال الاجزاء الثلاثة فهي قد بثت ببرنامجه الشهير والذي كان يبث من خلال اذاعة بغداد ولسنوات عديدة وكنا ننتظره ساعة بساعة حتى يأتي يوم الجمعة ونحن نصغي لما يتحدث من خلاله الهرمزي عن الاصوات العربية والعراقية وكل ما يتعلق بعالم الغناء العربي والعراقي وعن المواهب الموسيقية .
جميل ذلك البرنامج التأريخي بصوت ذلك المثقف الذي لا أعتقد سنرى شبيهاً لموهبته ... المهم ان احمد الخليل والذي يذكره الهرمزي بعبارة ما زلت اتذكرها ومفادها (( ان الخليل الملحن ليس هو المطرب)) لكني أخالف ذلك الرأي بعلميته وليس من باب العاطفة , بأعتبار ان في عالم الغناء وعلميته هنالك مطرب وهنالك مؤدي وهنالك من يجمع بين الأثنين معاً والشواهد كثر فالأسماء عربياً حاضرة بقوة بذاكرتنا أمثال زكريا أحمد وعبد الحامول وسيد درويش وابراهيم حمودة ومحمد الموجي وسيد مكاوي.
هؤلاء كانوا مؤدين استطاعوا ان يؤسسوا مدارس غنائية ظلت خالدة بالذوق العربي حتى اعداد هذا الموضوع , اما عراقياً أذكركم بأصوات محمود عبد الحميد ويحيى حمدي وعزيز علي وكنعان وصفي ومحمد جواد اموري وفاروق هلال وبعض من مطربي المقامات العراقية لقد انطلق هؤلاء مما يراه المتخصصون بعلم الاصوات والغناء ان المؤدي الناجح هو المطرب الحقيقي الذي يعلم كيف يتعامل مع النص الغنائي سواء هو من كان ملحنه او يغنيه لملحن آخر , وهذا ما نجده عند احمد الخليل فلقد كانت طريقة غنائه وبصوته بذاكرة المجتمع العراقي عرباً وكرداً وباقي القوميات حيث استطاع ان يوظب حنجرته مع ما كان يلحن من نصوص تجعل المتلقي يدرك ان اغانيه بصوته قد فصلت لصوته مثلما يعمل الخياط تماماً ولقد تجلت قدرته الغنائية من خلال غناءه والاعمال عالقة بذاكرة العراقيين اذكر من تلك الاعمال ( انا اشسويت يا أحبابي هجرتوني) والنشيد الخالد (يا موطني افدي حماك بالدمي ) والدويتو (هربجي كرد وعرب) مع الفنانة مائدة نزهت , والذي كان مضمونه عن التآخي بين العرب والكرد وهما يرددان عبارة (كرد وعرب) وكذلك
(( صلاح الدين قارمان )) ومشيد امتي اضف الى ذلك غنائه لمجموعة كبيرة من الاغاني باللغة الكردية .. اما أغنية (بين دمعة وأبتسامة ) فهي الاخرى تعبر جمال الصوت وقيمة الاداء عنده في بعض الاحيان تكون آراء النقاد او حتى المذوقين للموسيقى والغناء والمتابعين , آراء تعبر عن وجهة نظر شخصية دون ذكر مواطن الخلل في الاعمال الفنية المتنوعة بمجالات اخرى فلم تقتصر على الغناء فحسب بل حتى بفنون اخرى ...
لو كان الراحل سعاد الهرمزي حاضراً بيننا وفي هذا الزمن الذي لا نحسد عليه لا يكتب رأياً كالذي ذكره عن هذا الفنان الذي اسميه من وجهة نظري صوت الجبل وصوت الطرب العراقي الاصيل رحمه الله انساناً ونكتب عنه فناناً زرع في القلوب الحب والاستماع لأبداعات حقيقية عالقة بالذوق العراقي ..
احمد الخليل عراقي كردي بغدادي
بغداد الشعراء والصور .. بغداد الحضارة والاسماء الكبيرة والتي اثرت الثقافة العربية والعالمية بالعلم والمعرفة , برغم كل الظروف التي مرت ببغداد وتعرضها لإحتلالات كثيرة من قوى أرادت لها ان تصبح مجرد اسم يصيح بذاكرة النسيان الا ان بغداد كانت تنهض من جديد بأهلها الكرام وعلمائها اللذين ساهموا ببناء حضارة رصينة ظلت مصدر اشعاع على مر العصور المعروفة لقراء التأريخ العربي في بغداد الرشيد .. بغداد السلام .. بغداد الفن بمختلف ابداعاته المعروفة ومنها الغناء والموسيقى اللذان احبهما المجتمع العراقي عامة والبغداديون خاصة.
كانت الاسماء كثيرة وكبيرة ببناء ارث موسيقي وغنائي اعتبر دعامة من دعائم هذه الثقافة المتوارثة من جيل لآخر.
لو تحدثت عن الألوان الغنائية في العراق فهي متنوعة حسب جغرافيه العراق من شماله الى جنوبه ومن شرقه لغربه , من صنع هذا المجد الكبير والغزير بتلك الاسماء اكيد انه الفنان العراقي , لو تحدثت عن المقام العراقي ودارسه المقامية وأصوات مطربيه الأوائل واللذين ارسو لبناء ثقافة الغناء الأصيل والصعب بنفس الوقت والذي اعتبر هوية الغناء العراقي بل لغة التحاور مع الثقافات الغنائية لشعوب الارض .
ان اسماء احمد الزيدان وحسن خيوكة ورشيد القندرجي وقائمة طويلة من الاسماء ستظل خالدة بضمير المجتمع العراقي , ولابد من ذكر عمالقة التلحين العراقي بمدارسه وأشكاله مثل مؤسس الأغنية العراقية الملا عثمان الموصلي شاعراً وملحناً كمدرسة خالصة تعلمنا منها الكثير كعراقيين وكعرب , ثم يأتي دور الاخوين صالح وداود الكويتي اللذان نقلا الأغنية العراقية الى عالم آخر لتصبح الأغنية البغدادية تتغنى بأصوات عربية , ولتبقى بصماتهم بذاكرة العراقيين حتى كتابة دراستي هذه ..
لقد كان الملحن العراقي يحاكي المتذوق من ابناء بلده بإحساس صادق وذو شجون معبراً عن نفسية العراقي من الهور الى الجبل وتعدى الى ابعد من ذلك حيث وصل بألحانه الى المجتمع العربي وهذا ما نراه للجيل الثاني أمثال عباس جميل ووديع خوندة وناظم نعيم ومدرسة عزيز علي وعلاء كامل ومن أريد التحدث عنه وعن قيمته في الأغنية العراقية كمطرب وكملحن شامل قادته ثقافته وفطرته الموسيقية لينفرد بألحانه وصوته عالياً كغيره من الملحنين اللذين نقدر قيمتهم الفنية بخارطة الغناء والتلحين العرب والعراقي أحمد الخليل غنى ولحن وأختار مكاناً له بين كبار المبدعين العرب فلقد ارسى ثقافة ما زلنا نبحث ونقيم ما قدمه هذا الفنان لأجيال ليوصل رسالة لابد من قرأتها والاستفادة منها انها رسالة الصدق والإحساس المرهف لمجتمع احب الغناء منذ الأزل وأصبحت الأغنية جزء لا يتجزأ من حياته ..
لأحمد الخليل اكتب ويكتب عنه كل من تعمق بمدرسة هذا الفنان.