بغداد في الاربعينيات والخمسينيات

بغداد في الاربعينيات والخمسينيات

■ الدكتور عباس فرحان الزاملي
ازداد سكان بغداد بفعل الهجرة الكبيرة التي برزت بشكل واضح نحو المدينة ، وكان لهذه الهجرة جذور ترجع الى بداية الاحتلال البريطاني وتشكيل قوة ” الشبانة " التي تتألف من أبناء العشائر ولا سيما من العمارة والكوت والمنتفك.وتأسيس قوات الشرطة والجيش في المملكة العراقية .

ويقسم عبد الرزاق الهلالي ، الهجرة الداخلية بين الالوية العراقية على شكل مراحل الى المدن لا سيما مدينة بغداد اذ تبدأ المرحلة الاولى من سنة 1918 حتى سنة 1939 وهو تاريخ إنشاء سدة الكوت وقيام الحرب العالمية الثانية التي اثرت على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية لجنوب العراق بشكل بارز فدفعتهم الى الهجرة بأعداد كبيرة. اما المرحلة الثانية فتبدأ من عام 1940 الى 1950 تاريخ انشاء مجلس الاعمار في العراق. في حين تبدأ المرحلة الثالثة من تأسيس مجلس الاعمار الى تشكيل وزارة الاعمار سنة 1953. وتخصيص المبالغ اللازمة للقيام بالمشاريع المهمة الامر الذي مكن الحكومة من السيطرة على الفيضانات بعد زيادة واردات النفط العراقي .
والهجرة بوصفها ظاهرة اجتماعية واقتصادية ونفسية معقدة لا يمكن ارجاعها الى عامل واحد وانما حدثت بتضافر عوامل مختلفة ودعت الفلاحين الى ترك ديارهـم وقطـع
صلاتهم بها استجابة لتلك المؤثرات التي يمكن ايجازها بعوامل طاردة واخرى جاذبة.
يأتي في مقدمة العوامل الطاردة التعسف والظلم الاجتماعي السائد في الريف العراقي ، الذي خضع لسيطرة الاقطاع بشكل مطلق بفعل التشريعات القانونية التي اصدرتها الحكومات العراقية لمصلحة الاقطاع ولا سيما قانون حقوق وواجبات الزراع رقم 29 لسنة 1933(.
لقد عاش الفلاحون الذين شكلوا السواد الاعظم في المجتمع العراقي بحالة بؤس شديد وفقر مدقع وحرمان وتشرد في ظل النظام الاقطاعي الجائر. المدعوم من قبل السلطة الحاكمة التي ارتكزت عليه كقاعدة اساسية لتثبيت كيانها دون النظر الى ما يقاسيه الفلاح من ظلم وجور واستعباد من قبل الاقطاعي واتباعه. وقد تعرضت لهذا الموضوع الكثير من وسائل الاعلام والصحافة عن سوء حال الفلاح ومعاناته التي كانت وراء هجرته الى بغداد ولعل من المفيد ان نشير هنا الى ما كتبته جريدة الحاصد في هذا الموضوع :
" يعيش الفلاح مع اطفاله الذين هم نصف عراة معيشة ضنكه وهو لا يرتدي سوى العباءة الصوفية …في فصل الشتاء عندما يعود من المزرعة مساءً منهوك القوى لاعناً الحياة التي حملته اثقالها المنهكة حاملا على كتفه مسحاته وهناك تحت خيمة ممزقة يتلاعب بها الهواء والصرصر ويدخل اليها رذاذ الامطار من جميع جوانبها المفتوحة جلس بضعة اطفال القرفصاء وبينهم امهم المسكينة فينظرون رب البيـت الفـلاح
على طوى يأتي هذا الفلاح الى الخيمة وهو مكلوم القلب فينهض الاطفال برغم البرد القارس ويطلبون كسرة خبز يطردون بها أفة الجوع التي استولت على بطونهم وحينذاك تنهض الزوجة نهوض المريض من فراشه فيتعاونان هي وزوجها على تهيئة الساج وعمل كمية قليلة من عجين طحين الذرة والدخن الاسود فيضرمان النار من قاذورات الابقار العائدة لصاحب المزرعة ويعملان من ذلك العجين الاسود خبزاً يتناولانه واطفالهما بشهية زائدة.
كانت تغذيتهم بصورة عامة ضعيفة ولا تتعدى بعض أنواع الأطعمة الرديئة اما فراشهم فلم يكن لديهم ما يقيهم خطر البرد القارس ( اذ كان الكثير منهم لا يجد غير " اكداس التبن والبوه " للنوم عليها ). ومن الجدير بالذكر ان معظم الفلاحين كانت بيوتهم عبارة عن اكواخ من القصب او البردي او من سعف النخيل او اغصان الأشجار وهذه المواد لا تقيهم من الاخطار الطبيعية لاسيما الامطار والرياح ، وحر الصيف وبرد الشتاء.فضلاً عن عدم وجود السدود والنواظم الكافية للتحكم بالمياه وتسربها الى الاهوار لا سيما في جنوب العراق مما ادى الى انتشار الأمراض والأوبئة التي اثرت على الفلاحين وحيواناتهم.
ان زيادة سكان بغداد ترجع الى ازدياد الهجرة من الالوية العراقية ، وكان لواء العمارة ياتي بالدرجة الاولى ثم يليه لواء الكوت. ففي لواء العمارة كانت الارض ملكاً
للحكومة يستأجرها الشيوخ وبعض المدنيين المتنفذين ويتجدد هذا التأجير كل ثلاث سنوات. لذلك اصبح الفلاح يعاني من التشرد في ظل الاقطاعي الذي لم يتوان حتى في استخدام عقوبات الجلد والضرب المبرح بهدف زيادة الانتاج ، فاصبح الفلاحون وابناؤهم كالعبيد تحت سيطرته بموجب نظام الوراثة ، لذلك حاول المهاجرون التخلص من تلك العبودية حتى وإن اضطرهم الامر الى العمل في اعمال " حقيرة " لكنها ذات دخل يومي يوفر حاجاتهم الاساس التي لم يوفرها لهم الاقطاعي المستبد . مما أدى الى اتساع الفجوة بين الريف والمدينة بشكل واضح . وقد افصح احدهم عن تلك المعاناة القاسية. التي ادت الى تدهور العلاقة بين ابناء العشائر في ظل تسلط الاقطاع وجبروته ، ففضل ترك الارض والنجاة بنفسه بعد ان اصبح الريف من المناطق الطاردة للسكان قائلاً :
يا ربي هيج وياي ما بيهـا معنـى
ينتفع بيـه الغيـر موحـق تعبنـا
ارد اشرد لبغداد مـن هالعشيـرة
لا تجبر المكسور لاعدها غيــره
وارد اشرد لبغداد من هالفلاحــة
لا تشبع الجوعان لا بيهـا راحــة
و [ أ] صفق الراح براح ، الوقت [هل ] راح
ونا اركض وتعبان ما حصلت .. راح.
اما العوامل الجاذبة في نظر المهاجرين فكانت تتمثل في توفر فرص العمل المختلفة في الجيش او في المؤسسات الصناعية ، التي تأسست في بغداد بشكل كبير. او عمال بناء او عمال زراعيين في الحقول والمزارع المحيطة بالعاصمة او مستخدمين " فراشين وحراس كناسين وخدم " ، لدى دوائر الدولة لا سيما امانة العاصمة ولدى المتنفذين في المجتمع البغدادي. وكذلك ساعد توفر الخدمات الاجتماعية لاسيما الصحية والثقافية على جذب هؤلاء المهاجرين بعد تأسيس مجلس الاعمار وتنفيذ المشاريع الاقتصادية والاجتماعية. وكذلك ساعد العامل الديني على هجرتهم واستقرارهم بجوار الاماكن المقدسة في بغداد.
لم تقف السلطات الحكومية مكتوفة الايدي تجاه سيل الهجرة المتدفق نحو مدينة بغداد . وحاول بعض المسؤولين دراسة اسبابها الحقيقية وتشخيص دوافعها الاساسية واقتراح الحلول لمعالجتها ، ومنهم متصرف لواء العمارة السيد مشكور ابو طبيخ ، الذي كتب تقريراً رفعه الى وزارة الداخلية ، برقم 1050 مؤرخ في 25/1/1956 ، وعرض التقرير تسعة حلول لمواجهة الهجرة وهي :
1. قيام الحكومة بتوزيع الاراضي على الفلاحين .
2. تقديم المساعدات اللازمة لهم.
3. تنظيم الري وشق الترع .
4. تطهير حوض دجلة لتوزيع المياه على مساحات واسعة من الاراضي .
5. العمل على ربط العمارة بالسكك الحديد من جهتي البصرة والكوت وبغداد .
6. الاهتمام بتوسيع التعليم المهني وتنويعه .
7. القيام بتأسيس الصناعات المحلية لاستغلال موارد البلاد .
8. تطوير المؤسسات الصحية والتثقيف الصحي في الريف .
9. مساهمة الدولة في توفير السكن الملائم للسكان الريفيين .
لم تكن خطوات الحكومة جادة ومؤثرة في ايقاف تدفق الهجرة الى مدينة بغداد إذ انها لا ترغب في الكشف عن ضعف الجهاز الحكومي فكانت " إجراءاتها سطحية واعمالها ورقية روتينية " لم يكتب لها النجاح لانها لم تكن قد درست بشكل صحيح لذلك استمرت الهجرة نحو المدينة.
اما بالنسبة لسكن المهاجرين في مدينة بغداد فقد سكنوا في مناطق معزولة خاصة بهم في بعض جهات العاصمة عرفت محلياً بالصرائف. اقيمت في مناطق مختلفة في جانب الرصافة في المنطقة الممتدة وراء السدة الشرقية من الاعظمية حتى بغداد الجديدة وفي جانب الكرخ في الشاكرية والوشاش والدورة وفي الكاظمية بالقرب من مراكز عملهم. على شكل مجموعات متفرقة يسكنها افراد الجيش والشرطة والعمال والمستخدمين في مختلف دوائر الدولة ومشاريعها.
وبلغ عدد تلك الصرائف سنة 1940 (8) الاف صريفة تأوي (40) الف مهاجر. ازدادت في منتصف الخمسينيات الى حوالي (15510) صريفة وفي سنة 1956 بلغ مجموع تلك الصرائف ( 16413) صريفة ، وكان عدد سكانها (92) الف نسمة. ارتفع في عام 1957 الى ( 335464 ) نسمة في بغداد وضواحيها. ومن الجدير بالذكر ان معدل الهجرة بين عامي 1947 – 1957 هو 33.000 نسمة وفي سنة 1958 كان عدد سكان الصرائف والاكواخ الطينية في بغداد (184000) نسمة يمثلون 18.4 % من سكان المدينة منهم 73% جاءوا من لواء العمارة 10.5 % من لواء الكوت.
ومن الناحية الاجتماعية ان الهجرة تركت اثارها الواضحة على التركيب السكاني لمدينة بغداد اذ ادت الى ترييف المدينة او ما يسمى بـ (القرية الحضرية ) التي حافظ فيها المهاجرون الريفيون على عاداتهم وتقاليدهم العشائرية الموروثة بعد انتقالهم على شكل عشائر متكاملة . كان من اهمها عشائر لواء العمارة .
لم يندمج المهاجرون في البداية في المجتمع البغدادي بسبب لهجتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي كانت وراء صعوبة تكيفهم في المجتمع الجديد.فادى هذا الى انعزالهم في مناطق خاصة بهم. لكي تكون بعيدة عن سلطة الحكومة ولا يطالبون باجور عنها وتكون غير بعيدة عن مراكز عملهم وتموينهم بالمواد الغذائية. وعلى الرغم من التكتل الـذي عاشوا فيه في البداية فقد راحوا يتخلصون تدريجيا من التزاماتهم العشائرية ووسائل الضغط العشائري وتمتعوا بحرية فردية ، وحل القانون محل الاعراف والتقاليد الاجتماعية في حل نزاعاتهم ورفضوا اعطاء " الفصول والتعويضات " التي كانوا يؤدونها سابقاً. فاختلطوا في المجتمع البغدادي بشكل بطيء نسبياً.
ادى تفاقم الهجرة وازديادها الى حصول مضاعفات اقتصادية كبيرة تأثر بها ابناء المجتمع البغدادي بشكل واضح. فاق تخمينات جميع التصاميم التي وضعت من قبل الشركات الاجنبية . لتطوير المدينة اقتصادياً وتوفير المستلزمات الضرورية لتهئية فرص العمل والسكن والخدمات البلدية . بحيث اصبحت بغداد حسب تعداد سنة 1957 من المدن المليونية. واخذ المهاجرون ينافسون ابناء المدينة في الحصول على فرص العمل وتغلغلوا في مختلف الاعمال التي تتطلب جهداً عضلياً. وانخرط الكثير منهم في الجيش والشرطة والخدمة في دوائر الدولة في المدارس والمستشفيات ، ولدى القطاع الخاص في المعامل او المتاجر وفي البيوت ، يعملون هم ونساؤهم واطفالهم .وفي الحقول والمزارع وتربية الجاموس والابقار ، وصناعة الالبان وبيعها، ومارس بعضهم البيع والشراء في اسواق الشورجة والقماش في بغداد وتملكوا العقارات الكثيرة ، لاسيما بعد هجرة اليهود وابتياعها منهم . وسيطروا على اعمال البناء في جميع درجاتها فبعد ان كانوا عمالاً غير ماهرين يعملون في الطين وفي معامل الطابوق تدربوا على الاعمال الفنية واصبحوا اسطوات ماهرين ، لذلك اصبح وجودهم ضرورياً في المجتمع البغدادي بعد ان كانوا طارئين عليه . كان معظم المهاجرين عمالاً زراعيين وقد ذكرت بعض الدراسات بان (80%) منهم كانوا يمتهنون حرفة الزراعة وان (20) الف نسمة من سكان الصرائف يعملون في المشاريع الصناعية وهم بذلك يشكلون( 57 %)من مجموع القوة العمالة في مركز بغداد.
يتضح لنا مما تقدم ان الهجرة قد تركت اثاراً كبيرة على الريف العراقي ، إذ تسبب هذا الامر في حدوث ارباك في الانتاج الزراعي مما اضطر الاقطاعيين الى استخدام المكننة المكلفة في الانتاج وظهرت اثار الهجرة في الوضع الاقتصادي في المدينة من حيث الاجور وفرص العمل ومستوى كفاءة المؤسسات الحكومية في توفيرها للخدمات العامة مما زاد من نفقاتها بشكل ارهق ميزانية الدولة ودفع المسؤولين فيها الى دراسة الوضع الاقتصادي للمهاجرين واثرهم في سوء الاوضاع الاقتصادية في بغداد ، ومحاولة ايقاف الهجرة وارجاع المهاجرين الى المناطق التي هاجروا منها .
اما من حيث اوضاعهم الصحية والثقافية فقد كانت سيئة جداً اذ ان معظم الصرائف رديئة التهوية مزدحمة في السكان لا توجد فيها خدمات الماء والكهرباء وتفتقر الى ( الحمامات والمراحيض ).وكانت مجاري المياه القذرة تضخ السائل الملوث عبر تجمعات الصرائف ،التي اقيمت في مواقع مخصصة اصلاً للفضلات البشرية والحيوانية.وقد اشار عبد الكريم الازري الذي كان نائباً في مجلس النواب [ عام 1945] الى المعانـاة التي كابدها المهاجرون في حياتهم ومراجعاتهم غير المجدية للحكومة فعلى سبيل المثال جاء اليه احدهم قائلاً له : " لقد كانت الليلة الماضية قاسية علينا انا وعائلتي واطفالي فالماء يصب من فوقنا والماء يجري من تحتنا والبرد يقسو علينا وقد حرت والله في امري ولا اعرف ماذا اعمل .. وقد اتيتك اليوم طالباً منك النجدة راجياً ان تعمل لي تدبيراً ، فلا يصح لك ان تنام دافئاً في فراشك الوثير ونحن نقاسي هذه الالام المبرحة فان لم تعمل لي تدبيراً فسانقل عائلتي واطفالي الى دارك ولتكن عندك عندئذ الجرأة في اخراجهم منها بالقوة وانفجر باكياً " فساعده بما يتمكن.
وكانت الفيضانات تجرف المهاجرين في كل موسم ويستعملون البرك الاسنة والمستنقعات القذرة التي تخلفها تلك الفيضانات. ويحتفظون بحيواناتهم لاسيما ( الابقار والجاموس والماعز والاغنام ) معهم في السكن ويضعون مخلفاتها فوق الصرائف ، الامر الذي جعلها بيئة صالحة لنمو الحشرات وانتقال مختلف الامراض والاوبئة . وانتشرت الامية بين صفوفهم بشكل كبير.
اما من حيث وجهة نظر ابناء المجتمع البغدادي حيال المهاجرين فقد ادت الهجرة الى حدوث البطالة وتدهور وتدني اجور العمل في بغداد بفعل منافسة المهاجرين لسكان العاصمة في الاستحواذ على الكثير من المهن لذلك نظر البغدادي لهؤلاء النازحين نظرة كلها كره وحقد واطلقوا عليهم لفظة ( الشروكية ) . التي تحوي في نظرهم معاني (السذاجة والجهل والغربة ) وهم يشعرون في قرارة انفسهم انهم غير مرغوب فيهم سواء كان هذا من افراد المجتمع البغدادي او من قبل السلطة الملكية الحاكمة على حد سواء.
يبدو لنا ان طبيعة المعاناة التي كان يعانيها المهاجرون بعد استقرارهم في تلك المناطق المحرومة من الخدمات العامة كالكهرباء والماء والخدمات الصحية والتعليمية والثقافية وحالة التخلف التي كانوا عليها وانصراف افراد الاسرة كلهم للعمل المضني الشاق لتدبير قوتهم اليومي وعدم اكتراث السلطات الحكومية بوضعهم المزري بشكل فاعل ومؤثر ، هو العامل الاساس في شعورهم السيئ حيال سكان بغداد الأصليين والاثر الذي خلفه المهاجرون على وضع المدينة الاقتصادي والاجتماعي كان رد فعل اتخذه سكان بغداد حيال تلك المجموعات الكبيرة التي زاحمت بعضهم في سبل عيشهم .

مشكلة السكن في مدينة بغداد
ظهرت مشكلة السكن نتيجة لقلة عدد الدور السكنية بالنسبة الى اعداد السكان ، الذين ازدادوا بفعل تضافر عوامل طارئة واخرى طبيعية ، تمثلت العوامل الطارئة بقيام الحرب العالمية الثانية التي ظهرت اثارها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.وبرزت مشكلة السكن بشكل واضح في بغداد بعد فشل انتفاضة مايس 1941 وما رافقها من استقدام قوات عسكرية بريطانية كبيرة. اسهمت بشكل او بأخر في ظهور مشكلة السكن بعد اشغالها الدور السكنية القريبة من محطة السكك الحديد وبالقرب من السفارة البريطانية وقيامها بدفع بدلات الايجار العالية لضمان بقائها في تلك الدور لأطول وقت ممكن.
واسهمت التشريعات القانونية التي اصدرتها الحكومات العراقية خلال الحرب في تفاقم ازمة السكن وذلك باصدار قوانين خاصة لمنع تشييد الدور السكنية وعدم منح اجازات البناء او تزويد الاهالي بالمواد اللازمة لذلك لاسيما ( الحديد والخشب والسمنت والطابوق والمواد الصحية ) . وعدم تخصيص مبالغ معينة لاغراض البناء في الميزانية السنوية للدولة وتحويل موجودات الخزينة للأغراض العسكرية .
لم تبذل الحكومات جهوداً جدية وملموسة في تذليل العقبات التي كانت وراء ازمة السكن،عن طريق القروض العقارية او توزيع الاراضي على المواطنين بأسعار رمزية. فأضطر اصحاب الدخل المحدود ( العمال والموظفون ) الى السكن في البيوت القديمة (الخربة) التي لا تتوافر فيها المستلزمات الصحية بسبب انخفاض دخولهم التي لا تسد قوتهم اليومي ولا تساعد على ايجار بيوت جديدة.
وكانت الهجرة من العوامل الطارئة الاخرى التي اثرت في اوضاع السكن فاضطر الوافدون الى المدينة بسبب قلة المساكن وارتفاع الإيجارات وصعوبة حصولهم على سكن ملائم ، الى السكن في ( الصرائف ) لدخولهم المحدودة وعدم مقدرتهم على دفع الايجارات مهما كان مقدارها. وضاقت بغداد بسكانها ، ولم يجد الطلبة الذين استقروا فيها لاغراض الدراسة سكناً خاصاً بهم في ابسط الفنادق فاضطروا الى السكن في بيوت قديمة وبعيدة عن مراكز دراستهم.
اما العوامل البشرية فتتمثل بنمو السكان بشكل سريع بعد تطور المجتمع العراقي واهتمام الدولة بتحسين الخدمات الصحية الامر الذي ساعد على انخفاض معدل الوفيات وزيادة الولادات.في بغداد بالمقارنة مع الموصل والبصرة.
ولعدم قيام الدولة بتوفير السكن بشكل يتوازن مع زيادة السكان ويسير معه طردياً ، استقل اصحاب رؤوس الاموال الطلب المتزايد على المساكن من قبل الاهالي ، ووظفوا رؤوس أموالهم في شراء الاراضي المحيطة بالعاصمة وقسموها الى قطع صغيرة لبيعها بأسعار عالية ، بهدف الربح السريع الفاحش. وتفنن بعض تجار الاراضي ، في الاتفاق مع المؤجرين على بناء دور سكنية يستغلونها لمدة (30) سنة ، يدفعون بدلات أيجار عن الارض فقط ، وبعد انقضاء المدة تعود ملكية الدور الى صاحب الارض ، وهذا ما سمي بنفقات بناء العرصات ، واستعملت هذه الطريقة في بناء احياء سكنية عديدة منها كمب الكيلاني ، وكرادة مريم ، والكسرة ، ودوائر الاوقاف في عرصات العلوية.
وكان شاغلو تلك الدور يعانون من التشرد ، من صاحب الارض وساهم اليهود ببناء القسم الاكبر من دور البتاوين والعلوية ، بدافع الحصول على الايجارات. واتسعت عملية تحويل الاراضي الزراعية حول بغداد الى سكنية ، وكانت هذه الاراضي تغتصب من املاك الدولة ، لا سيما اراضي الحارثية ، واشترك بعض الوزراء في الشركات التي قامت بالمتاجرة بالاراضي سواء كان لاغراض الزراعة او تخطيط المساكن والاحياء السكنية ، التي حملت اسماء التجار والمتنفذين بعد بيعها على شكل قطع سكنية ، بأسعار خيالية على وفق مقاييس تلك الحقبة ، فارتفع سعر المتر الواحد في بغداد سنة 1949 الى 2.5 دينار ، ثم الى 10 دنانير سنة 1958، وبلغ سعر المتر في بعض الحالات (228) ديناراً بعد ان كانت تباع بإفلاس معدودة. وارتفعت اسعار الفائدة (الربا) على رؤوس الاموال القليلة المعروضة للاقتراض لاسيما من اليهود وبرّزت المشاكل الاسرية عنصر الاستقلال في الاسر الجديدة ، بسبب سوء الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ودعت بعض الصحف الوطنية الحكومة الى اهمية النظر في مشكلات السكن التي ظهرت اثارها الواضحة على العمال وصغار الموظفين والفلاحين والمستخدمين كونها من المشكلات الخطرة بالنسبة لهم ، اذ يعيشون في بيوت متداعية بعيدة عن مراكز عملهم ، يضطرون الى دفع اجور عالية للوصول الى اعمالهم في الوقت المناسب ، وانتقدت الحكومة لاهمالها هذه الناحية التي تتعلق بحياة شريحة اجتماعية ، تقدم خدماتها الكثيرة في الوقت الذي انصرفت فيه جهود الحكومة الى انشاء ( الملاهي والكابريهات) للترفيه عن الطبقات المتنفذة . ودعت صحيفة الاستقلال الى اهمية قيام المسؤولين بمعالجات فورية حازمة لتخفيف ازمة السكن الخانقة .
حاولت الحكومة دراسة اوضاع السكن من خلال الاحصائيات المتوفرة واعداد دراسات جديدة تأخذ بنظر الاعتبار الزيادة الكبيرة للسكان ، بحيث يتلاءم عدد المساكن مع نمو السكان ، فاستناداً الى احصاء سنة 1947 كانت بغداد تضم ( 46735) داراً من الطابوق و (12594) من الصرائف والاكواخ غير الصالحة للسكن بسبب عدم توفر الخدمات الضرورية فيها ، اذ كان معدل عدد افراد الاسرة الواحدة فيها (7) نسمات وتتكدس اكثر العوائل في بيوت قديمة فكان ثلث سكان بغداد القديمة لا يعيشون في بيوت منفردة . قامت الحكومات العراقية بتشييد الدور السكنية بهدف معالجة ازمة السكن المتفاقمة بعد تذمر الراي العام لعدم اخذ الموضوع بجدية كافية ، واهتمت ببناء الدور النموذجية في ضواحي العاصمة ، كمشاريع تجريبية لاصحاب الدخل المحدود. وفي بداية الخمسينيات توسعت في انشاء هذه الاحياء لاسيما (حي العامل ) على شكل دور صغيرة عددها (258) داراً بمساحة (100-120) متراً مربعاً تكونت من طابقين استخدمت فيها المواد الانشائية المحلية. ثم ازدادت عملية انشاء المساكن سنة 1954 بعد تأسيس الجمعيات التعاونيـة التي بلغ عددها في تلك السنة (12) جمعية تعاونية ، اربع منها استهلاكية وثلاث للتسليف وخمس لاعمال البناء. واجرت الحكومة اول تعداد خاص بالمساكن سنة 1956.
وعلى الرغم من الإجراءات الحكومية التي مرَّ ذكرها فقد ارتفعت الكثافة السكانية في مدينة بغداد عما كانت عليه في احصاء سنة 1947 الذي مثل السكان الحضر فيه نسبة 52% من سكان المدينة. وازدادت الكثافة السكانية في محلات الميدان وخان لاوند وبني سعيد والخالدية والطاطران والجوية وسوق حمادة وعلاوي الحلة والشيخ علي من (800-1200) نسمة في كم2 ، وبلغت هذه الكثافة ذروتها في الكاظمية والاعظمية على التوالي ، وانخفضت في عرصات قرة شعبان والعزة والكولات بين (400-800) نسمة في كم2 ، وكانت على اقلها في محلات الحيدر خانة وجديد حسن باشا والسنك وراس الجسر وباب السيف من (100-200) نسمة في كم2.