الجواهري في نشأته الاولى..حقائق وطرائف عن طفولته ونشأته

الجواهري في نشأته الاولى..حقائق وطرائف عن طفولته ونشأته

■ فرحان اليحيى
ولد محمد مهدي الجواهري، على الأرجح، سنة 1900 ميلادية في مدينة النجف الأشرف، وإن بعض معاصريه يؤكدون أنه سبق هذا الميلاد بسنوات قلائل.ومن المعروف عنه أنه كان يماحك كثيراً حول عام مولده، معتمداً على حيويته وعشقه الدائم للحياة، فإن حاسبته بما ورد في شعره من أرقام، أنكر أن تكون لهذه الأرقام دلالة علمية، وإذا سألته عن تاريخ ميلاده يجيبك:

إنني ولدت عام 1903، وقيل 1902، وقيل 1903، والأول هو الأصح.
أما الأديب الدجيلي صهر الشاعر وصديقه فقال: (ولد محمد مهدي الجواهري في الثامن عشر من ربيع الأول سنة 1318 هجرية الموافق لسنة 1900 ميلادية، أو كما يحلو له أن تكون 1903.
وقد صرح لمجلة طلبت إليه أن يكتب لها عن نفسه بقلمه إذ قال:
(أنا محمد مهدي الجواهري في الثانية والسبعين من عمري، ففي بيت من بيوت النجف ولدت عام 1900م).
وحين ذكرته المجلة بتاريخ ميلاده، فلم يعترف، وقال ممازحاً: (إنك إذا حاسبت على الوثائق، منها هو ذا جواز سفري، وهذا ميلادي فيه 1907م، قالها متمنياً أن يكون هذا التاريخ صحيحاً، ثم ما قيمة العمر في الدلالة على الحياة).
وكان إحساس الشاعر بالزمن عميقاً، حباً بالحياة والشباب.
نَزَقُ الشَّبابِ عَبدْتُهُ
وَبَرِئْتُ مِنْ حِلْمِ المَشِيب
وفي ذات يوم نقع على الحياة أو نقترب منها، أما أرخت ميلادك شعراً، فيجيب بالنفي القاطع، حتى لكأن لم تكن العادة جارية فعلاً. إنهم يؤرخون شعراً كتب التاريخ على أقرب كتاب لديهم وإنه ليفضل أنه جاء إلى هذه الدنيا من غير أن يعرف له تاريخ ميلاد.
ونسي ذات يوم حين أنكر وجود التاريخ الشعري فقال: (أنا أصغر من أخي عبد العزيز باثنتي عشرة سنة، وميلاد أخي مؤرخ شعراً نظمه السيد جعفر الخليلي ومثبت في ديوانه:
سَجَّلَ التَّاريخُ مَهْدِي مَوْلِداً
أعْقَبَتْ بُشْرَاك يَا عَبْدَ العَزيزْ
فإذا أضيف لـه اثنتا عشرة سنة المدَّعاة، كان ميلاد مهدي سنة 1320 هجرية، وهو التاريخ المفضل، لأنه يقربه بالميلادي 1903م، ولا يخرج بذلك عن حدود السبعين، ومن يدرينا فلعله احتاط –سلفاً- للأمر، فزاد على الفرق بين الميلادي سنتين أو ثلاث. فهو يحتفظ بهذه الزيادة، حتى لكأنه ولد عام 1903 دون نقاش، إذ يقول: (كنت ابن سابعة فكأنه لم يكن ابن عاشرة وما أشبه).
وفي كتاب الشيخ محمد جعفر محبوبة، وهو صادق وثقة، وكتابه قيم يطمئن إليه الباحثون، كما يزكيه الجواهري نفسه في الاستدلال على الحقائق التاريخية، إذ قال: (ولد مهدي ليلة السابع عشر من ربيع الأول سنة 1317 هـ، هذا تمام، وهذا صحيح).
ومما شجع الجواهري على الاستمرار في التأييد جهله الفرق بين التقويم الهجري والميلادي، وتصوره: أن هذا التاريخ يرقى إلى ما بعد 1900م.
وينتهي احد الكتاب إلى بيت من شعر الجواهري يقربه من هذا التاريخ، فلم لا يكون قد أخذه من والد الشاعر نفسه؟. دن أن يسمح للشاعر كثيراً الدفاع عن نفسه لضرورة الوزن الشعري، فقد قال في سينيته عام 1342هـ-1924م:
وَذَاعَتْ شُهرتي في كُلِّ بَيْتٍ
وَمَاْ جَاوَزْتُ َخَمْساً وعشرينا
ومما يُروى عن الشاعر أنه حين سئل عام 1978، حيث كان ضمن جماعة، فقد تظاهر أنه لم يسمع السؤال. وحين كرر السؤال عليه تولى أكبر أبنائه (فرات) الإجابة: (يتذكر مسنّو العائلة أن الجواهري ولد في نهاية القرن الماضي (1898-1987)، ومعنى ذلك أنه يقترب من الثمانين، ولم يدع الجواهري ابنه يتابع الحديث، فصرخ في وجهه بغضب "انشب" أي: اسكت.. . أنت أكبر مني)(.
ومع أنه تقدم به العمر إلا أن روح الشباب كامنة فيه، وظل عنفوان الشباب يغالب شيخوخته.
وكثيراً ما يتردد في قصائد الجواهري عمره الزمني، ولكن بحسرة وندم كقوله في قصيدة "يا دجلة الخير" عام 1962:
قَدْمِتُّ سَبْعينَ مَوْتَاً بَعْدَ يَوْمِكُمَا
يَا ذُلَّ مَنْ يَشْتَرِي مَوْتَاً بِسَبْعين
كما يتجلى إحساسه المكثف بالزمن كلما تقدمت به السن، وهذا دليل على تشبث الشاعر بالحياة ومغالبة الموت. (حب الحياة بحب الموت يُغريني). وعلى أي صعيد، فإن هذا التضارب بميلاد الشاعر ليس بمهم جداً تجاه النشأة والسيرة والبيئة.
ينسب الجواهري إلى أسرة عربية عريقة عرفت بآل الجواهري، وقد ورث هذا اللقب عن جد قريب يدعى الشيخ محمد حسن أحد أعلام الفقه في عصره.
وقد اشتهر بكتابه القيم "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام"، وهو من المراجع الأساسية لطالب العلوم الإسلامية في القرن الثالث الهجري، إذ لا يرشح الطالب لنيل درجة الاجتهاد مالم يدرسها، كما يعد هذا المؤلف مرجعاً من مراجع الفقه في تنظيم القضاء ونظام الأسرة في العهد الملكي في العراق.
وذاعت شهرة هذا الكتاب، حتى لقب به صاحبه، فكان الشيخ صاحب الجواهر.
ومع مرور الزمن وكثرة التداول حذف المضاف وألحقت ياء النسبة ليسمى الواحد من أحفاده بـ(الجواهري). (وارتبط اسم أسرتنا بجدنا الفقيه الشيخ محمد حسن النجفي) المولد هو وسبعة من آبائه والمسمى باسم موسوعته الفقهية.
وفي هذا السياق يوضح بعضهم هذا التقليد قائلاً: (تكاد مدينة النجف تكون بدعة المدن العراقية في كل شيء، فقد سنت تقليداً حضارياً، إذ سمَّت الأسر بأسماء أحد كتاب أجدادها، فهناك بيت كاشف الغطاء نسبة إلى كتاب جدهم الشيخ محمد الحسن، وهناك بيت بحر العلوم وعشرات سواها، ثم يستدرك فيقول: (إن بيتنا كان يدعى "بيت صاحب المحصول نسبة إلى كتاب جدنا السيد "محمد الأعرجي" "المحصول في علم الأصول"، ثم انحسر هذا اللقب عنا، حتى أن الوافد إلى النجف-آنذاك- طلباً للعلم كان يتبع هذا التقليد. فالفقيه الشيخ (آغا بزرك الطهراني) قد نسي كنيته ولغته منذ ألَّفَ موسوعته الممتازة "الذريعة في تصنيف علماء الشيعة" فصار يعرف بصاحب الذريعة وصار أهل بيته يسمون بيت صاحب الذريعة.

والد الشاعر
عبد الحسين بن الشيخ عبد العلي الجواهري، وهو من رجال العلم والأدب، كان فكهاً ظريفاً لا تفوته النكتة، عرف بقوة الشخصية وحدة الطبع، كما كان أنوقاً إلى حد التطرف، كريماً إلى درجة الإسراف، يقول عنه ابنه محمد مهدي الجواهري: (كان والدي شيخاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وعلى خلاف. من أبيه عبد العلي، درس على أيدي علماء عصره، واجتاز أعلى الحلقات في الفقه وأصول الدين، حتى حقق مكانة مرموقة، وليس ثمة من أرخ في النجف وبيوتها من لم يأت على ذكره.
فاطمة بنت الشيخ الجواهري، وهي مؤمنة متعبدة، وكانت ربّة بيت ناجحة، تعلمت القراءة وقليلاً من الكتابة وشيئاً من التذوق للشعر والأدب، وقد ورث مهدي عنها هذه الهواية، كما شجعته على ذلك شقيقته "نبيهة".أما إخوته فهم الشيخ عبد العزيز أكبرهم سناً، وهو عالم وأديب ومؤلف وشاعر، سافر إلى إيران وأقام هناك. وعبد الهادي أديب وشاعر. وهو كثير الأسفار والتنقل بين الدول العربية، اعتقل في أحداث ماي 1941 إثر حركة رشيد عالي الكيلاني. أما أخوه علي فقد مات صغيراً ومحمد جعفر قتل شاباً في أحداث الوثبة عام 1948م.
أما أسرة الجواهري فأكثرهم أعلام في الفقه والأدب والشعر، وقد احتلوا موقعاً متميزاً في المجتمع، فبعضهم تصدر في الزعامة الوطنية والعلم كالشيخ جواد الجواهري، والشيخ محمد حسن الجواهري زعيم الأسرة الروحي وعمادها، حيث أصبح بعلمه الغزير المرجع الديني الأعلى للأقطار التي تتبع "الإمامية".
ومنهم من تصدر للتدريس وبلغ من الفقه مبلغاً أمثال الشيخ علي بن الشيخ حميد، والشيخ علي بن الشيخ محسن، وآخرون من تلك الأسرة قد نبغوا في العلوم الإسلامية كالشيخ باقر، والشيخ حسن بن حميد وغيرهم.
كما برز من تلك الأسرة عدد من الشعراء أمثال الشيخ حسين بن صاحب الجواهر، والشيخ حميد صادق، والشيخ جواد الجواهري عميد الأسرة في عهد الملك فيصل الأول، وكذلك الشيخ محسن الذي كان له مواقف وطنية مشهودة مع الإنكليز في معارك النجف، وله صلة حميمة مع الزعيم الديني المعروف "محمد سعيد الحبوبي". كما ساهم بشعره في انتقاد الفئة السلبية من الأمة.
(وهذه الأسرة الماجدة مشتبكة العروق بالمصاهرة مع عائلات فاضلة كآل كاشف الغطاء، وآل بحر العلوم، و"الطباطائي" وآل القزويني والحبوبي وقبيلة زيد)

نشأته
نشأ في بيئة محافظة، وتربى في حضانة أمِّه ورعاية والده، كما لقي عناية خاصة من خادمة الأسرة (تفاحة). وكان أشد ما يعانيه في طفولته سلطة البيت إذ قال: (لقد نشأت ووجدت أمامي عقدة تحكم البيت).
فكان أبوه يريده فقيهاً يرث مجد العائلة الديني، وهو ينزع إلى حب الشعر، ومن هنا بدأ الصراع يتغلغل في أعماق نفسيته وبدأ التوتر يطفو على سلوكه ومواقفه.
فإذا كانت الوالدة والخادمة تبالغان في الحب والدلال لمهدي، فإن الوالد لا يريد أن يفتح الباب على مصراعيه، لأن أساليب التنشئة تختلف بين الرجل والمرأة، فمن شدة حرص الأب على ابنه كان يقسو عليه، وأحياناً يندفع إلى حمايته من أخوته حباً وإيثاراً، لأنه يرى علامات النباهة والذكاء بادية عليه، فيطمح أن يصبح عالماً مثله، ولم يعلم أنه خلق لأمرٍ غير هذا وإن هذا الأسلوب التربوي قد ولد عند الطفل تناقضاً أثر عليه في مراحل الشباب والشيخوخة والهرم. فقد ذهب فريق من الباحثين إلى أن الأسرة هي المجال الحيوي الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، إذ أن أسلوب القمع والإكراه يكرس مظاهر الاغتراب لدى الشخصية، والتي تتمثل في منظومة من عقد النقص كالإحباط والإهمال والتمرد وسواها.
ففي السنوات الأولى عاش مهدي في جو هادئ، فأمه تحنو عليه، وخادمة البيت تلاطفه وتؤانسه وتقص عليه الحكايات المسلية، وتروي له الأساطير المستمدة من واقع العبيد المر، وهي واحدة منهم، حيث ترى نفسها غريبة مسلوبة، فتتذكر كيف يباع العبيد ويشرون، وكيف يفارق الأطفال منهم آباءهم وأمهاتهم. فتشعر بالتمزق، وتمتزج الحكايات بالدموع، ويصعب أن يمر هذا دون أن يترك من الرقة والتعاطف، وربما الأسى والحزن في نفس مهدي، وقد شكل عنده راسباً نفسياً واجتماعياً فيما بعد، ثم تحول إلى مواقف حادة من التناقضات الاجتماعية.
وفي هذه الأثناء أصيب مهدي بمرض الجدري، كما تعرض لكسر في يده أجبر خطأ وترك تشوهاً واضحاً، ثم سقط في حوض ماء عميق كان يتوسط ساحة الدار، لولا تدخل أمه السريع لانتشاله لكان من عداد الموتى.
هذه الحوادث دخلت ذاكرة الطفل، ولما يجتز عامه الثالث. وكان مهدي مثار دهشة في الفطنة والذكاء، إذ ذكّر أمه بموت جده ثم حدد لها المكان الذي توفي فيه، كما سرد عليها مظاهر الحزن وتقاليد العزاء ولم يتخطّ عامه الثاني.
وبعد سنتين أو ثلاث من وفاة جده، هدم الأب البيت القديم وبناه من جديد، ثم أعاد تجديد الحوض، وكان مهدي إذ ذاك في عامه الرابع، وضع له العامل من باب العناية والدلال مقداراً صغيراً جرّبه بابن عمه.
وظل هذا البيت الذي درج فيه لصيقاً بذاكرته، تربطه علاقات حميمة تعدت المكان وتغلغلت في مسارب نفسه، (ومهما يكن من أمر، فقد ارتبط هذا البيت بوجداني وبكل حياتي اللاحقة وأكاد أرى كل زاوية من زواياه، ومسقط الشمس والظل فيه، بل وأكاد أشم رائحة قرميده الساخن عندما يرشُّ بالماء وخاصة بعد الظهيرة الحارة، وأن أرى والدتي وعمتي (مسعودة) ومربيتنا السوداء وهن يتحركن داخل ساحة الدار بتلك الأُلفة وبذلك الإحساس العميق بالانتماء إلى المكان ومع ارتباطي بكل زاوية من ذلك البيت الذي أودعته أعز ذكرياتي) .وكان أكثر ما يؤلم مهدي التناقضات الاجتماعية الفقيرة منها والغنية، (إذ أصبح المال والقدرة على التحايل معياراً اجتماعياً وكان والدي ووالدتي يراقبان ذلك بشيء من الضيم والإحساس الممض بوطأة الفقر والخصاصة، ومع ذلك فقد أصر أن تكون في بيتنا خادمة لإلقاء الستارة على تلك الهوة العميقة).
ومن المفارقات المثيرة أن والدي إذا حضر أحد المجالس، يصطحبني معه، وحين يسألني الحضور عما تغديتم، فأجيبهم بعفوية: جبن وكراث، وكان قبلاً قد سألوا والده الذي عدد لهم أصنافاً من الطعام.
ومن شدة الفقر الذي عاشه مهدي جعله يتذكر: (يوم كنا أطفالاً نحس بقسوة الفوارق الطبقية، وحين نجتمع لأكل التمر الفاسد كنا نأكله بالظلمة حتى لا نرى ما فيه من سوس أو دود).
وفوق كل هذا ألزم الوالد ابنه مصاحبته في المجالس الليلية، والتي يعقدها العلماء، حيث يتبادلون الرأي ويحتد النقاش بينهم، بينما الطفل مهدي لا يفقه شيئاً فقد كتب عليه أن يعيش كالكبار من رجال الدين وعليه أن يكون طفلاً كبيراً وشيخاً في سلوكه، وكأنه ولد من غير طفولة، وشاخ قبل أن يترعرع، وشب حتى أنه من إحساسه بالضيق كان يوشك أن يصرخ لولا رهبة الوالد: (فإذا ما انفضّ المجلس بعد منتصف الليل أيقظني والدي من نومي الثقيل وأخذني وكأنه يسحل بي سحلاً، وأنا أجرر خطاي خلفه إلى البيت).
ثم يضيف الشاعر: (لقد كان والدي غضوباً حاداً في طباعه، ولكن حدته تزداد باطراد وحبه ورهافته على نباهتي، فأنا الوحيد بين أخوتي المطالبُ بأن لا أقصر أبداً في التحضير والحفظ…
وإذا ما ارتكبت يوماً جريمة كهذه، فالويل لي من غضبه وعقابه. ويكفيني خوفاً ورعباً أن تحمر عيناه غضباً، وقد يتعدى الأمر إلى العقوبة الجسدية"الفلقة") .
في ضوء الدراسات النفسية المعاصرة نؤكد على أن مثل هذه التربية تخلّ بالتوازن، وغالباً ما تؤدي إلى الاغتراب عن الذات والمجتمع حيث يلجأ المقهور إلى العنف والعداء فيصبح "الأنا الأعلى" (سلطة الأب) محل (الأنا) المقموع، ومن هنا تتجسد جدلية القمع والاغتراب) .
فلا غرابة أن يمارس مهدي هواية لعبة الحراب وأحياناً يمارس مهدي هواية اقتناء الطيور وإطلاقها في السماء تعبيراً عن الكبت والحرمان إذ يقول: (في هذه الأجواء المفروضة على تلك الطفولة فرضاً كانت الطبيعة تعود لينتصر فيها الطبع على التطبع، والمثول على التمثيل). ومن تلك الألعاب الناشزة كانت لعبتي هي إطلاق الطيارات الورقية من سطوح البيوت تعويضاً عن فقدان الحرية.
في هذا الجو الخانق شبّ مهدي على حساب طفولته، التي ظلت أشباحها تطارده في حياته. (إنني دفعت طفولتي ثمناً لها، وكانت السبب في كل هفواتي وسقطاتي اللاحقة بدافع طموحات لم أخلق لها….).
وفي هذا السياق يرى علماء النفس أن الطفل المكبوت قد يعبر عن رغباته وحاجاته وهو راشد في شكل رمزي، يتجلى بخرق القانون والتمرد على تقاليد المجتمع وأعرافه السائدة.).
ونلمس من هذه الحقيقة في حياة الجواهري وشعره، حين تمرد على الواقع فغير لباسه وبيته ومدرسته، دون أن يراعَي القيم السائدة وسلطة المجتمع.
وما يزال الجواهري يذكر (أن السنوات العشر الأوائل قد أتعبته وإليها تعود العقد والرواسب واختلاط الحسنات بالسيئات اختلاطاً يصعب نفيها الوجه وضده، والموقف ونقيضه).
وقد نجد ما يؤكد على هذه الحقيقة في قول بعضهم: (إن أطفالنا يعيشون في ازدواجية لغوية وفكرية واجتماعية تؤثر في البنية العقلية والسلوكية).
فقد خضع الجواهري أثناء طفولته لنظام صارم: (إذ تناوب على تعليمه كثير من المعلمين ولقنوه معرفة يصعب على الكبار استيعابها، كما كانوا يستخدمون أساليب القمع والإرهاب. لم أتعلم من جناب عالي إلا الخوف والرعب وعالم الأشباح).
وأحياناً كان مهدي يختلس الفرصة لقراءة الشعر فإذا ما اكتشف أبوه ذلك تظاهر الطفل بالبديل: (كنت أحس بلمحة غاضبة من عينيه، وهو يفاجئني، وبين يدي ديوان من تلك الدواوين، فأفهم من تلك النظرة أن علي أن أتصنع بالبديل عنه عما يريد هو، لا ما أريده أنا بالذات، فيكون مني بدون قصد أو تعيين أي كتاب من كتب الفقه في مكتبتنا).
لقد عاش هذا الصبي طفولة مشوبة بالرهبة والقلق، فحملها بكل تناقضاتها وعقدها، فانعكست على حياته وشعره.
وعلى الرغم من هذا التوجيه القاسي إلا أنه منذ بدايات تفتحه كان إنساناً حالماً، فقد ظل يعتقد منذ وقت مبكر أنه ولد، فلديه إحساس بأن من يخالطهم كانوا في عالم آخر.