مع المس بيل من البصرة الى بغداد

مع المس بيل من البصرة الى بغداد

■ تأليف: جورجينا هاويل
ترجمة: محمد حسن ومحمد أمين
اقترحت الإدارة البريطانية على غيرترود ان تذهب الى النقاط الساخنة في الحرب، اي الى البصرة الواقعة على شط العرب، والكويت والجزيرة العربية وبلاد فارس. وكانت مهمتها ان تقوم بدور ضابطة اتصال فيما بين اجهزة الاستخبارات في القاهرة ودلهي، وان تقوم في الوقت نفسه بكتابة تقرير مفصل حول عشائر العراق وولاءاتهم. وكان عليها بذل كل ما في وسعها لاقناع العرب المحليين بالتعاون مع البريطانيين.

وبالطبع، وكما هي الحال دائما، فقد كانت هنالك معارضة شديدة من طرف العاملين في الجيش والاستخبارات ممن لن يقبلوا وجود امرأة بينهم. وقد حذرها بعض رؤسائها من امكان مواجهة صعوبات في البصرة، وكانت تجري الاشارة الى غيرترود بين وقت وآخر بأنها تفتقر الى الانوثة، وكانت تعتبر هذا بعيدا عن الحقيقة، فهي كانت تعمل في دائرة تضم مسؤولين وضباط جيش من الذكور. وقد تحدتهم في مجالهم امرأة كانت غالبا على حق مما جعل البعض منهم يتهمها بافتقار الانوثة.

في البصرة من دون لقب
ووصلت غيرترود الى فرع المقر الرئيسي للاستخبارات في البصرة من دون ان يكون لديها اي لقب او اسم لوظيفتها او راتب، كما لم تكن تعرف ان كانت الإدارة التي التحقت بها ستحتفظ بها او ان تعيدها فورا من حيث اتت.
تحولت البصرة، بيوتها الطينية وبساتين النخيل وقنوات الري، الى معسكر كبير للجيش بين ليلة وضحاها، وكان السير بيرسي كوكس في رحلة خارج المدينة فاستقبلتها زوجته الليدي كوكس، حيث استضافتها في غرفة نوم اضافية في البيت، وذلك حتى تجد لها مسكنا، ولم يكن لديها مكتب كذلك، فكان عليها ان تعمل في غرفة نوم الكولونيل بيتش المسؤول عن الاستخبارات العسكرية ، وكان يشاركها المكتب كامبيل طومبسون مساعد بيتش الذي عمل في السابق مع هوغارت ولورنس.

بي بيت كوكس
وشرعت في الاطلاع على الملفات التي اعطيت لها، ووظفت صبيا عربيا اسمه ميخائيل للعمل خادما لديها، وقد كان عليها الخضوع للكثير من اللوائح والضوابط مثل ان رسائلها تتعرض للرقابة، وكانت هنالك ايضا قيود على الاماكن التي تستطيع الذهاب اليها وما يمكن ان تفعله. وانها اذا مازارت العرب في بيوتهم يجب ان تكون مصحوبة بضابط او مرافق، وظلت تحاول ألا تزعج الليدي كوكس التي تقيم في بيتها، حيث عمدت الى تناول وجبة الغداء في قاعة طعام الضباط في مكان العمل، كما حجزت غرفة في المقر الرئيسي. وكان الوضع مختلفا عن 'المكتب العربي' في القاهرة الذي كانت ترغب في الرجوع اليه لانها تدرك انها مرغوبة هناك، وظلت الايام تمر في رتابة.

مع الجنرالات الأربعة
وعاد السير بيرسي ولم تعد الامور رتيبة كما كانت وقد هنأها بنجاح رحلتها الى حائل. والسير بيرسي خريج هارو واكاديمية ساندهيرست العسكرية يشاطر مكتب دلهي المخاوف حول اثارة 'مكتب' القاهرة لتمرد عربي فهو قد عمل في المنطقة لفترة امتدت قرابة عقد من الزمن. ورتب بيرسي لحفل غداء لغيرترود مع الجنرالات الاربعة المسؤولين عن الحملة العسكرية في العراق. فهي من المفترض ان تعمل مع الاستخبارات العسكرية وكان الغرض من ذلك اتاحة الفرصة امامها لاقناع العسكريين بقدراتها المهنية. فقد كانت تساورهم شكوك حول امكاناتها.
غير ان التحدي يظهر افضل الجوانب التي تتمتع بها غيرترود. فقد كانت تتحدث لغتهم العسكرية ولديها معرفة بالوقائع الاستراتيجية وابانت لهم الفرق فيما بين مسلمي الهند والعشائر البدوية في الشرق الاوسط التي تتمتع بالاستقلالية. وقد اصابت الدهشة الجنرالات، وبدأوايهتمون بما تقول. وعند عودتها وجدت انه قد تم ترتيب مكتب خاص بها. فقد اعجب بها الجنرالات واخذها الجنرال كوبر والجنرال ماكون الذي اصبح قائد القوات البريطانية في العراق في عام ،1919 في رحلة على سفينة بخارية لبضعة ايام الى شمال شط العرب لزيارة منطقة عرب الاهوار. وقد اذهلتها منطقة البحيرات المائية، حيث يلتقي نهرا دجلة والفرات في المضايف التي يبلغ طول بعضها 50 قدما وعرضها 15 قدما.
ووجدت ان الناصرية التي كانت القوات البريطانية قد سيطرت عليها قد تحولت الى جزيرة بطول ثلاثة اميال. وهناك التقت الجنرال بروكينغ والميجور هاملتون. وعن عودتها الى البصرة واجهتها المزيد من المشكلات. فقد كانت هنالك بعض التراجعات الخطيرة إثر الانتصارات الاولية. فبعد ان طردت القوات البريطانية تحت قيادة الجنرال نيكسون الاتراك من الناصرية 'انطلق الميجور جنرال شارلز تاونسن والفرقة السادسة المكونة من حوالي عشرة آلاف جندي للاستيلاء على مدينة الكوت المحصنة.
كانت الخطة ان يعيد نيكسون تجميع صفوفهم هناك، و انتظار وصول التعزيزات. غير ان نيكسون تلقى اوامر من الهند بمواصلة السير. وشنوا هجومهم انطلاقا من مجموعة من السفن البخارية وكان هناك عشرون الفا من القوات التركية متحصنة تنتظر قدومهم. وتوقف التقدم، ووقع عدد كبير من الضحايا. وكان الوقت بداية شهر ديسمبر. وكان الاحياء سيئوا الحظ محاطين بالاتراك، حيث عانوا من اطول حصار في التاريخ البريطاني. فقد مضى اسبوع بحق اسبوع وشهر بعد شهر، وعلى الرغم من ثلاث محاولات كبرى لانقاذهم، ظل الجنود والمواطنون اسرى ضمن جدران المدينة حتى انهم اضطروا الى اكل لحوم القطط والكلام وبعدها الفئران.

مهمة غامضة
وفي منتصف ابريل زار لورنس واوبري هيربرت البصرة في مهمة غامضة من مكتب الاستخبارات في القاهرة. وتوجها فورا الى مكتب غيرترود. ولغموض مهمتهما، ومظهرهما غير العسكري تم عزلهما في قاعة طعام الضباط وكان لورنس وهيربرت قد أعطيت لهما صلاحية عرض أكثر من مليوني جنيه استرليني لرشوة الأتراك وإنقاذ الحامية في الكويت. وكملاذ أخير كان عليهما مناقشة أمر تبادل الجرحى، وطلب منح عفو للمواطنين العرب في الكويت وقد كانت تلك مهمة مهينة ولكنها كانت تمثل آخر جهة يمكن بذله لتفادي كارثة كبرى يواجهها الجنود البريطانيون. وقد وصف لورنس في وقت لاحق الاعتراضات الشديدة التي وجهت إلى مهمته من قبل القادة البريطانيين في البصرة وقد قال له اثنان من القادة ان تلك خطوة مشينة.
وجلس لورنس وهيربرت على طاولة مع غيرترود. وبالنسبة لها فقد شعرت بارتياح كبير ان تطلع مرة أخرى على بعض المعلومات الاستخبارية من اثنين من أذكى ضباط الاستخبارات في القاهرة.
وفي واقع الأمر كان الوقت قد فات حيث ان القائد التركي خليل باشا رفض الرشوة. وفي 29 أبريل وبعد مضي 147 يوما، دخل الأتراك أخيرا الكوت، وأخذ الجنود البريطانيون أسرى، وقد توفي في وقت لاحق أربعة آلاف جندي نتيجة الجوع والعمل الشاق والمسيرات القسرية.
أما المواطنون العرب الذين كانوا ضحية وضع لا شأن لهم به فقد عوملوا معاملة قاسية على يد الفاتحين. وكان نتيجة ذلك اتخاذ العديد من قطاعات الشعب العراقي قرارا بعدم ربط مصيرهم بالبريطانيين. وعاد لورنس وهيربرت إلى البصرة وقد باتا شخصين غير مرغوب فيهما تماما. إلا أن لورنس تبقى لعدة أيام إضافية قضاها في صحبة غيرترود.

أمين عام شؤون الشرق
وأنجزت غيرترود مهمة جمع المعلومات حول العشائر في منطقة ما بين النهرين وقد أصبح بينهما وبين سير بيرس كوكس احترام متبادل. فقد أثبتت غيرترود جدارتها له. وأصبح يرى انه لا يمكن الاستغناء عنها فهي لا تعمل بجد فقط بل انها وفرت له الكثير من الوقت لاستقبالها للعديد من زواره شيوخ العشائر القادمين من جميع أرجاء العراق، والتعامل معهم. وكانت تتخلص من غير المهمين منهم، وإرسال البقية إلى مكتب كوكس مع تقرير موجز يحتوي على أسماء عشائرهم والمنطقة التي قدموا منها، وماهية الأمور التي يرغبون فيها. فقد منحها كوكس رتبة رسمية كمساعدة لمسؤول الشؤون السياسية تحمل اسم أمين عام شؤون الشرق.

فساد وسوء إدارة
وبدأت غيرترود تعمل بصورة وثيقة مع كوكس الى جانب ويلسون وبقية العاملين، حيث بذلوا الكثير من اجل استتباب الأمن والنظام في ولاية البصرة، وقدموا سياسات تعود بالفائدة في مجال الزراعة والقانون والتعليم، والحقوا الشيوخ المحليين ضمن عملية الحكم ودفعوا لهم الأموال مقابل الاشراف على حكم مناطقهم التقليدية، ولسوء الحظ فإن هذه المحاولة من أجل منح العرب حق تقرير مصيرهم احبطها الفساد وسوء الإدارة، وبات من الضروري بعث الإداريين البريطانيين للعمل الى جانب الشيوخ في المحافظات والمقاطعات النائية.

نحو بغداد
وتمكنت الحملة الشتوية بقيادة الجنرال مود من استعادة الكوت والشروع في التوجه نحو بغداد التي احتلتها القوات البريطانية في 11 مارس ،1917 وانتقل مركز الثقل الى الشمال وانتظرت غيرترود استدعاء سير بيرس لها للانضمام اليه في بغداد لتأسيس النواة الأولى لهيئة سكرتاريته الجديدة. وجاء الاستدعاء وسافرت شمالا في النهر على متن باخرة مزدحمة في رحلة استغرقت تسعة أيام في جو حار ورطب مع اثنتين من الممرضات وستمائة جندي.
وكان هنالك الكثيرون مثل ارنولد ويلسون ممن ظلوا مقتنعين انه فقط عن طريق السيطرة البريطانية الشاملة يمكن تأمين امدادات النفط للاسطول البريطاني وللامبراطورية، كما كان هنالك أيضا اشخاص مثل هاردينغ ممن يعتقدون ان خلق نوع من أنواع الشراكة مع العرب سيقود الى الفوضى في الشرق الأوسط ويحرم الامبراطورية من تواصلها مع أوروبا والهند وبقية بلاد الشرق. وسوف يثبت خطأ هؤلاء، فعن طريق تركيبة من الادارة البريطانية وفق تقرير المصير للعرب وحفظ كبريائهم والحكم الصالح تحقق الكثير.
فالاستقرار استمر دون انقطاع حتى عام ،1920 كما ان النفط استمر في التدفق، فالحساسية تجاه الافكار والتوجهات في الشرق الأوسط التي جلبتها غيرترود الى الإدارة، سوف تمكنها من تحقيق ما لم يكن اي احد يعتقد ان من الممكن تحقيقه، وكانت تلك المهمة الكبرى التي تنتظرها في بغداد.
إحلال السلام في العراق أصعب من القتال
العرب يتحدثون لغة واحدة وقلوبهم شتى
خدم غيرترود في حديقة منزلها مع كلبي الحراسة الهدية من فهد بن هدبال
ظلت غيرترود تتفكر لمدة أسابيع لحظة وصولها إلى بغداد، وكانت تتوق للعيش ثانية في هذه المدينة العظيمة التي تحتفظ فيها بالعديد من الأصدقاء، ونزلت من القارب الذي استقلته واتجهت الى حيث كانت سيارة كوكس بانتظارها، في المكتب، حظيت باستقبال حار من رئيسها وطاقم موظفيه ولم تكن تعرف اين ستمضي تلك الليلة. لكن بعد ان مكثت اثني عشر شهرا في غرفة واحدة في مقر القيادة في البصرة، كانت تأمل في مكان أوسع وأكثر هدوءا، واطمأنت حين علمت انه قد تم تخصيص منزل لها، وانطلقت بالسيارة قاصدة عنوان المنزل الذي كتبته على ورقة بيدها.
توقفت السيارة في بازار صغير مليء بالقذارة والضجيج، فخرج اليها المالك ليعرض عليها المنزل الذي لا تصله المياه وليس فيه أي أثاث، وكانت قد احضرت معها بعض قطع الأثاث من البصرة لكن لم تفرغها من القارب وبقي خادمها ميخائيل مع القارب ليحضرها معه.
وضعت قبعة من القش على رأسها وطفقت تبحث عن منزل أفضل، واتجهت الى ضفاف دجلة، حيث الخضرة والطقس الأكثر برودة، وعلى مقربة من المكتب السياسي في السفارة النمساوية قبل الحرب، ومرت بجانب جدار قديم يحيط بحديقة كبيرة مليئة بالأشجار والازهار، وحين دخلت عبر بوابة حديد رأت خزان مياه من الصخور وثلاثة منازل تلعب الطيور في فنائها والى جانبها حديقة من أشجار النخيل تمثل مكانا جميلا للتنزه فيها عند المساء.
ولدى السؤال والبحث مع الجيران، اكتشفت ان الحديقة تعود الى اقطاعي ثري تعرفه وتحبه.. انه موسى الجلبي، وحين زارته في منزله حلت كل المشكلات المتعلقة بتأجير المنزل، وامضت عشرة أيام في عمليات التغيير والترميم، وفي اوائل شهر مايو، انتقلت للعيش في هذا المنزل المؤلف من ثلاثة منازل في الواقع، وبدأت تنتقل من منزل الى آخر بين هذه المنازل الصيفية الثلاثة، وركبت فيها مطابخ وحمامات حديثة، وصبغت كل شيء باللون الأبيض واختارت مزارعا للعناية بالحديقة وطباخا، ورجلا كبيرا بالسن تعرفه وتثق به يدعى شاماو، لرعاية المنزل، ووضعت ستائر واقية من الشمس على النوافذ الجديدة، ونصبت المكاتب الخاصة بها وملأت الفازات بالزهور، وخصصت المنزل الأبعد لمعيشة الخدم.
وأخيرا، أصبح لغيرترود منزلا خاصا بها وحديقة، وجلبت انواعا من الزهور من بريطانيا وزرعتها في حديقة منزلها، بعد ان كانت غير معروفة أبدا في العراق من قبل.

الحاجة إليها أكثر
كان من النادر ان يمر عليها يوم بلا عمل، وأصبحت الحاجة اليها أكثر من أي وقت مضى، ولكن كان عليها ان تثبت نفسها ثانية، وحين تم تشكيل الحكومة في العراق، كتب كوكس يقول 'حين ابلغت وزير المستعمرات ان بعض طاقم موظفي مكتبي سيأتون من البصرة بمن فيهم الآنسة بيل (غيرترود)، عبر عن خيبة أمل شديدة لانه خشي ان يشكل ذلك سابقة غير ملائمة لمطالبات سيدات اخريات. لكني ذكرته ان خدماتها عرضت علي تحديدا من قبل سلفه، وانني اعتبرتها وعاملتها على قدم المساواة مع بقية طاقم موظفي مكتبي، وبأن قدراتها الخاصة قد تكون مفيدة جدا لي في الوقت الراهن. وقد وصلت في الوقت المحدد بالفعل وسرعان ما اقامت علاقات شخصية طيبة مع السير ستانلي مود.
وقد وصف كوكس اقامة هذه 'العلاقات الشخصية الطيبة' بأنها كانت بفضل غيرترود، لكنها كشفت عن مشاعرها الحقيقية لعائلتها بعد وفاة مود بالكوليرا بعد عدة اشهر على تعارفهما.
لقد كانت حملة مود العسكرية البارعة وراء احتلال بغداد وطمس مأساة الكويت من اذهان الجمهور، لكنه كان رجلا ذا خيال محدود، وجعل عمل المديرين اكثر صعوبة، ان رفض ووجود امرأة في عالم الرجال، حتى لو كانت امرأة موهوبة ومؤهلة مثل غيرترود، كان مصدر سخط من قبل غيرترود، وكانت تمقت مثل هذا التفكير العسكري الذي كان عليها ان تواجهه - كامرأة - باستمرار. فالجيش يحتل الارض وتتولى الادارة السيطرة عليها. ولكن الصراع في العراق، من اجل تهيئة الظروف الملائمة للسلام والازدهار اثبت انه اصعب من القتال في ساحة المعركة.
لقد كان نصف بلاد ما بين النهرين يخضع لسلطة بريطانيا، لكن الاتراك كانوا يواصلون القتال في الشمال، وكان العرب يتحدثون لغة واحدة وقلوبهم شتى، ولم تكن بلاد ما بين النهرين دولة، بل مقاطعة من مقاطعات الامبراطورية العثمانية المتداعية. ولم يكن العراق دولة وكانت الاسماء تثير الاضطراب، ففي الغرب كانوا يطلقون على العراق الاسم اليوناني القديم 'بلاد ما بين النهرين'، اما في الشرق فيسمى 'العراق'. وكان اسم العراق يطلق على ولاية البصرة، ولكن عندما سيطرت عليه بريطانيا، استخدمت التسمية لوصف المنطقة التي تشمل ولايات البصرة وبغداد والموصل. وفي عام 1932 نال العراق استقلاله الكامل وحصل على الاعتراف الرسمي به.

مصاعب في كل الاتجاهات
اما في عام ،1917 فقد واجهت البريطانيين مصاعب عملية في كل الاتجاهات. وكان اكثر الحاحا نقص المواد الغذائية، ودمار انظمة الري بسبب الاهمال والحرب. فقد استنفد الجيشان المتحاربان كل مخزون المواد الغذائية، وعندما انسحب الاتراك الى الشمال، مارسوا سياسة الارض المحروقة واخذوا معهم كل شيء ثمين ودمروا واحرقوا كل ما لم يستطيعوا اخذه. وحتى الطقس، فعل فعله في تلك الايام، فلم تسقط الامطار لثلاثة مواسم متتالية، الامر الذي كان له اثره المدمر على حوض الفرات المعروف بالخصب، واصبح الناس يواجهون المجاعة والمرض. وانهار نظام الصرف الصحي في المدن، واصبح المستشفى الوحيد في بغداد في حالة مزرية ولم يبق فيه سوى بعض الجنود من ذوي الاصابات الخطيرة الذين يكافحون من اجل البقاء.
وفي الريف، اصبح الفلاحون يأكلون البذور بدلا من زراعتها، لان اي شيء كانوا يزرعونه كانت تتم مصادرته، المرة تلو المرة، ولم يكن احد يعرف الى من سيؤول حكم هذه البلاد، وما الضرائب التي ستفرض على الناس؟ وانتشرت حالة من الفوضى وغياب القانون والمجاعة، والاستياءالعام، واذا لم تتمكن الادارة من توحيد البلاد في الحال، واذا عمت الفوضى في ربوع بغداد والبصرة، فلن يتمكن جيش قوامه حوالي مائة الف جندي من فرض النظام في البلاد. وقد تفاقمت المشكلات الادارية بسبب نقص التمويل من حكومة بريطانيا وغياب التعاون العسكري حتى وصول السير وليام مارشال خليفة مود.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات كان ثمة تصميم من جانب كوكس وطاقم موظفيه على اصلاح الوضع، وكرسوا جهودهم لاقامة حكومة جيدة وفاعلة لخدمة سكان ولايتي البصرة وبغداد، وكانت تلك هي الفكرة التي اثارت اعجاب غيرترود اكثر من اي شىء آخر. لقد ألقت البيروقراطية التركية بظلالها الكئيبة على طول وعرض بلاد ما بين النهرين من خلال سياسة 'فرق تسد'.
وحين تقهقر الاتراك دمروا كل السجلات وفر المنتفعون معهم. وخلفوا وراءهم العداوات التي عززوها عبر سنوات طويلة، فقد قاموا بتقسيم الاراضي على ضفتي نهر الفرات بين خمسين قبيلة ظلت تتصارع فيما بينها.
ولم يكن في مقدور الادارة البريطانية تشكيل حكومة بأي شكل، الا اذا حصلت على الدعم الموحد من العراقيين. ففي هذه البلاد التي يوجد فيها من الاعراق والمعتقدات والولاءات اكثر من اي وقت مضى، ربما تكون بحاجة الى اشراك كل الناس البارزين والقادرين على الاقناع لكسب تعاون الجميع، لقد كان على بريطانيا اقناعهم بفوائد المبادرات الاقتصادية الجديدة. وقد جاء الوجهاء من مختلف انحاء العراق من البوادي والمدن ممن يشعرون بالاحباط والظلم لدرجة العداء مع جيرانهم، الى السكرتاريا.
وكان هؤلاء يتمتعون بالنفوذ وفقا لما يملكون من ثروة او انصار او ملكية اراض فرضها الاتراك او تمت السيطرة عليها في الحروب بين القبائل او بالارث. وكان كوكس وغير ترود من اكثر المتفائلين بامكانية العثور على حكام العراق والمديرين المستقبليين، على الرغم من كل الصعوبات.

خلاف حول تقرير المصير
وخلال ربيع وصيف عام 1917، كان الجيش البريطاني الهندي مشغولا بتعزيز مواقعه حول بغداد، وكان الأتراك ينشرون الدعاية المناهضة للبريطانيين. وكانوا يغدقون الاموال على المعارضين او الذين يمكن استمالتهم لمناهضة بريطانيا. وكان من الصعب على القبائل ان تصدق ان المحتلين الجدد لبغداد سيواصلون احتلالها، او ان الاتراك لن يعودوا للانتقام من كل الذين وضعوا ثقتهم بالبريطانيين، وكانت اولى، الاقتراحات التي قدمها شيوخ ووجهاء بلاد ما بين النهرين هي عبارة عن مبادرة للتحالف مع بريطانيا مقابل حصولهم على حق تقرير المصير، ولكن هذا التعبير بالغ الغموض في ذلك الوقت. وكان ذلك يعني، بالنسبة للمجاهدين الشيعة، دولة دينية تطبق فيها الشريعة. اما بالنسبة للسنة وأصحاب الفكر التحرري في بغداد، فكان يعني دولة عربية مستقلة تحت حكم أميري.
وبالنسبة للقبائل، كان يعني عدم وجود حكومة على الاطلاق. وكان نقص المواد الغذائية من الاسباب التي دفعت القبائل للمشاركة في الادارة، وقد رحبت بهم غير ترود وبشدة، بصرف النظر عن ماضيهم السياسي والشخصي. وحين قابلوا غيرترود وكوكس وجها لوجه، كان يتعين اقناعهم ان الادارة البريطانية ستكون خيرة وانها ستحفظ حقوقهم وان بريطانيا تستعد للقيام بجهود كبيرة وانفاق الاموال على مشاريع في العراق من اجل تحسين الاوضاع المعيشية.
وقد قوبلوا بالترحاب وتم الاستماع الى مطالبهم وتفهمها، وبدأ الكثير من زعماء القبائل يتوافدون على السكرتاريا لتقديم مطالبهم الخاصة، وفعل ذلك ايضا كثير من التجار والمزارعون وملاك الأراضي ومستوردي التبغ والمصدرين ورجال الاعمال ورجال الدين والوجهاء من كل اطياف المجتمع العراقي، وذلك من اجل اقناعهم بدعم النظام. وكان يتم توزيع الهدايا عليهم واقناعهم بالموقف الرسمي، وكان يتم الدعوة لكل من لم يحضر بنفسه من الوجهاء والزعماء المحليين، وكان يتم التركيز على رجال الدين ومتابعة الدعوة اليهم اذا لم يحضروا من كونهم.
فمن كان هناك غير غيرترود ومن كان يعرف او يعرفه الكثيرون منهم، ومن كان يحدد وضعهم واهتماماتهم، ومن كان يقابلهم ويتحدث معهم بلغتهم وحتى بلهجتهم، ومن كانت لديه القدرة على التقييم وطمأنتهم؟
وربما لا يوجد اي شخص غربي يضاهي غيرترود في فهم تاريخ وعادات البلاد، فقد كانت خبيرة في البدو.
عن كتاب (مس بيل ابنة الصحراء وعاشقة الشرق)