سليمان فياض.. جبل الجليد

سليمان فياض.. جبل الجليد

د. صبري حافظ
ما أصعب كلمات الوداع! وما أصعب أن يتصدّر الجمل فعل «كان"بعد الرحيل الذي لا يزال صعباً، مهما كان متوقعاً. فبالرغم من أنني كنت أزوره كل مرة أعود فيها للقاهرة، وكانت آخرها قبل خمسة أشهر، وأدرك كم تدهورت حالته الصحية، وتضعضع الجسد، وكم كان في مسيس الحاجة إلى الرعاية وإلى المال اللازم لها، فإنني كنت أجده مملوءاً بالحياة وبالرغبة في الانتهاء من مشروع قاموس المصادر «معاني مصادر الفعل العربي"الذي كان يحدّثني عنه بلا توقّف، وعن ميزاته،

وعما سيحدثه من ثورة معجمية. وقد كان سليمان محدثاً بارعاً، مليئاً بالحكايات والأفكار، وخاصة بين أصدقائه الذين يرتاح إليهم، صامتاً وخجولاً في المحافل العامة. لكن صحته كانت تتدهّور، ولم يكنْ ثمة من يهتم به غير بعض أفراد أسرته الصغيرة، وعدد محدود للغاية من الأصدقاء.

وبالرغم من أن سليمان فياض رحل عن عالمنا بعد أسابيع من إكمال عامه السادس والثمانين (ولد في 7 فبراير/ شباط 1929 – ورحل في 27 فبراير 2015) فإنني على يقين بأنه لو لقي الرعاية الصحية التي كان في أمسّ الحاجة إليها في هذا العمر المُتقدّم، لواصل هزيمته للشيخوخة الزاحفة، والعمل على قاموس مصادر الأفعال العربية حتى أخرجه للنور، ولأكمل الجزء الثالث من كتاب «النميمة» الذي كان يحكي لي عن «بورتريهاته» الناقصة التي يريد أن يكتبها. فقد كان مُترعاً بالحياة، ومحباً لها بالرغم من كل المصاعب. لذلك فإنني كنت اغتاظ كل عام حينما يُعلَن عن نتائج جوائز الدولة، ولا أجد بين الأسماء اسم سليمان فياض الذي كان مرشحاً لجائزة النيل، ولم يحصلْ عليها، برغم أنه أجدر بها من كثيرين ممن فازوا بها في السنوات الأخيرة، لأنني كنت أدرك كم كان في حاجة إلى ما يجيء معها من مال يوفر له ما يحتاجه من رعاية صحية، تمكّن إرادته الجبارة في الحياة من التشبُّث بجسد يذوي، ويحتاج إلى الكثير من الأدوية.


من قلب الأزهر إلى فضاء الحداثة
ويوشك سليمان فياض أن يكون نسيجاً وحده في مشهد الكتابة الأدبية العربية، لأنه تلقّى تعليماً أزهرياً كاملاً، وصل فيه إلى درجة العالمية في فقه اللغة، ولكنه راد في الوقت نفسه أحد أهم تيارات الحداثة والحساسية الجديدة في الكتابة القصصية منذ مجموعته الأولى، وهو الأمر الذي لم يحققه إلّا من استوعب منجزات الحداثة الغربية في السرد القصصي خاصة، وتمكّن من سبر أغوار بنيتها التحتية ثقافياً وفكرياً وفلسفياً، وهو أمر نادر بالنسبة لأزهري تقليدي النشأة والتعليم. فقد وُلِدَ في قرية برهمتوش بمحافظة الدقهلية؛ وبعد أن حفظ القرآن في كتّاب القرية، انتقل للدراسة في المعهد الأزهري بالزقازيق، ثم في كلية اللغة العربية بالأزهر، حتى تخرج فيها عام 1956، ثم حصل منها على العالمية عام 1959. وكانت أعلى درجات الأزهر العلمية في ذلك الوقت، وتؤهل حاملها للقب «عالم». ثم عمل بعد ذلك مدرساً في الأردن والسعودية ومصر، ولكنه مارس الكتابة الصحافية والأدبية والإعلامية طوال عمله في التدريس، كما مارس معها الكتابة الأدبية والفكرية والمعجمية على السواء.
ومن البداية يمكننا القول إن لسليمان فياض مشروعاً أدبياً وثقافياً ضخماً متشعب النشاطات، ولكن له أربعة محاور أساسية،. أولها بلا شك هو محور الكتابة الإبداعية في القصة القصيرة والرواية؛ وثانيها هو محور الكتابة الفكرية والمعجمية التي استفاد فيها من دراسته الأزهرية، وتمكنه من اللغة والنحو والتراث العربي القديم، ووعيه في الوقت نفسه، بسبب ثقافته الحديثة الموازية بما فيها من تعقيدات ونقائص. وثالثها هو محور الكتابة للأطفال والناشئة والذي أعاد فيه كتابة التاريخ العلمي لعلماء العرب والمسلمين وبسطه للناشئة. أما المحور الرابع فهو محور مُتعدّد النشاطات، ينطوي على مختلف الأدوار التي نهض بها في الحياة الثقافية من ناحية، وعلى الكتابة الإذاعية والتليفزيونية وإعداد الأعمال الأدبية لهما، والتي تتلمذ فيها على يديه أسامة أنور عكاشة، من ناحية أخرى.

إنجازاته في بنية السرد ولغته
فإذا بدأنا بالمحور الأول سنجد أنه ترك لنا فيه تسع مجموعات قصصية تواصلت عبر نصف قرن بدءاً من مجموعته الأولى «عطشان يا صبايا» 1960 وصولاً لآخر مجموعاته «حكايات المجاورين» 2007. وبينهما: «وبعدنا الطوفان»، «أحزان حزيران»، «العيون»، «زمن الصمت والضباب»، «وفاة عامل مطبعة»، «الذئبة»، و«ذات العيون العسلية»؛ وست روايات قصيرة هي «أصوات"1972، و«الصورة والظل"و«الفلاح الفصيح"و«القرين"و«لا أحد» و«أيام مجاور» 2009. ويمكن أن نلحق بهذا المحور أيضاً كتابان من الصور القلمية المهمة هما «نبلاء وأوباش"و«كتاب النميمة» قَدّمَ فيهما صوراً قلمية لكثيرين ممن عرفهم في الحياة الثقافية أو في المجال المصري والعربي العام، وهو الكتاب الذي كان يريد أن يُكمل جزأه الثالث.
والواقع أن هذا المحور هو الذي وضع اسمه بقوة على خريطة الأدب المصري والعربي. لأنه تفاعل فيه مع أفضل منجزات السرد العربي قبله. والواقع أنني كنت منذ عرفت سليمان فياض، وكانت له وقتها مجموعة قصصية واحدة، هي «عطشان يا صبايا» 1960، شكّلت علامة من علامات تطوّر القصة القصيرة في مصر، قد أدركت أهميته وتفرّد أسلوبه الذي اعتمد فيه على منهج هيمنغواي في الكتابة السردية؛ وعلى الخط المباشر بين العين والموضوع، وبين الموضوع والقارئ. فقد كان مُولعاً بقصص هيمنجواي، ومتابعاً لكل ما يكتب عنه، منذ عثر على كتاب كارلوس بيكر الشهير عنه، وعن طريقته في الكتابة التي سماها بـ«جبل الجليد العائم». وقد أصبحت كتابة سليمان فياض، منذ مجموعته الأولى تلك، صنو كتابة هيمنغواي في قوتها وصلابتها، واقتصاد التعبير فيها ودقة لغتها. وأهم من هذا كله ما يمكن دعوته بمضارعتها، أي بحضور عالمها المتوهج وكأنه مضارع لنا، شديد الحيوية والتوهج، كما هو الحال في الفعل المضارع، ينبض كل شيء فيه بالحياة والحضور والحركة.
لأن أهم ما يُميز أسلوبه القصصي هو استخدامه لمنهج هيمنغواي المعروف باسم «جبل الجليد العائم». وهي طريقة في الكتابة ومنهج في الرؤية معاً: ترى أن البشر مثل جبل الجليد العائم لا يظهر على سطح الماء منه إلا الثمن. وأن الملّاح الماهر يعرف من الثمن الظاهر وحده شكل الجرم الثلجي الضخم المختفي تحت الماء في البحار القطبية وطبيعته، فيتفادى الاصطدام به. على عكس الملّاح الغشيم الذي يصطدم به وهو يظن أنه تفاداه كما جرى لقبطان باخرة «التايتانيك"الشهيرة. وإذا ما نقلنا الاستعارة إلى الإنسان، فإن منهج هيمنغواي، والذي تبناه سليمان في الرؤية والتعبير معاً يدرك أن ما يظهر من الإنسان هو الثمن الظاهر مثل جبل الجليد العائم، وأن ما يختفي منه سبعة أضعاف ما يظهر. وأن على الكاتب الماهر أن يتعامل بدقة وحساسية مع الثمن الظاهر من الإنسان وحده، ليكشف للقارئ عبره عن السبعة أثمان المختفية منه؛ دون اللجوء إلى أي من التكهنات المائعة، أو التخمينات الفجّة، حيث يستطيع الكاتب الذي يعمد إلى هذا الأسلوب السردي الذي يركز على السطح المرئي، ويلتقط تفاصيله بدقة وحساسية، أن ينقل لك مما يبدو على السطح دمدمات الأعماق دون أي تكهنات حولها. وهذا الأمر يكسب السرد صلادة غير عادية، وقدرة على الاستمرار مفتوحة دوماً على كثير من التأويلات.
ومع أن سليمان فياض وُلِدَ في نفس العام الذي وُلِدَ فيه يوسف إدريس، فإنه ما أن بدأ الكتابة حتى كانت موهبة إدريس الأدبية الجبارة قد أسقطت جيلين كاملين من الكتّاب في ظلّها: الجيل الذي بدأ الكتابة قبله مباشرة، وكان من أبرز كتّابه في هذا المجال شكري عياد وسعد مكاوي ومحمد أمين حسونة ويوسف الشاروني وغيرهم، والجيل الذي جاء بعده مباشرة وكان من أبرز أعلامه أبو المعاطي أبو النجا وصبري موسى وعبدالله الطوخي وصالح مرسي وغيرهم. فما أن أصدر سليمان فياض، وهو من نفس عمر يوسف إدريس، مجموعته الأولى حتى كان يوسف إدريس قد أصدر خمسة مجموعات «أرخص ليالي، جمهورية فرحات، أليس كذلك، البطل، حادثة شرف"وروايتين «قصة حب، والبيضاء"وثلاث مسرحيات «ملك القطن، وجمهورية فرحات، واللحظة الحرجة"اكتسحت في طريقها كل ما جاء قبله مباشرة وما جاء بعده على السواء. وسقط جيلان من الكتّاب في ظِلّ تلك الموهبة الجبارة. لكن تميز أسلوب سليمان فياض القصصي هو الذي جعل مجموعته الأولى تلفت الأنظار، ودفع الكثيرين، وأنا منهم، إلى اعتباره المُقدّمة الحقيقية لجيل الستينيات وحساسيته الأدبية المغايرة. كما أن إنجازه كما سنرى من التعرف على محاوره الأخرى، لا يقلّ تنوّعاً وثراءً عن إنجاز يوسف إدريس.

ريادته للحساسية الحداثية الجديدة
لكن كتابته القصصية، التي توزّعت بين المجموعات القصصية والروايات القصيرة التي تميزت من بينها روايته البديعة «أصوات»، تُشكّل النقلة النوعية التالية لتلك التي أحدثتها واقعية يوسف إدريس الشعرية في السرد. نقلة أكسبت السرد القصصي والروائي معاً صلابة غير عادية وغير مسبوقة، ولغة بالغة الصفاء والبساطة والقدرة على التعبير والنفاذ، مما جعلها قادرة على تجسيد أعمق المآسي المصرية، في القرية المصرية خاصة، بتلك البساطة المعجزة والشاعرية معاً. ومن يقرأ قصصاً مثل «وبعدنا الطوفان"أو «يهوذا والجزار والضحية"أو «رغيف البتانوهي» أو «اللص والحارس» يدرك طبيعة النقلة النوعية التي أحدثها سليمان فياض في الكتابة عن القرية المصرية. وتجسيد واقعها وفلسفتها العميقة في الحياة معاً. فهو مشغول في عالمه السردي الذي تتضافر فيه عناصر من الواقعية والحداثة معاً، بتغلغل قوى الدمار التي لا تُقهر، سواء أكانت اجتماعية أم ميتافيزيقية، في نسيج الحياة. وبهشاشة الفرد وعزلته في مواجهة قوى التسلّط والاستبداد.
والواقع أن العنف الذي يعمر عالمه السردي، وكأنه قدر لا فُكاك منه، ناتج عن رغبته في دفع المواجهة بين هذه القوى المتصارعة إلى غايتها القصوى. ومع ذلك يبدو إنسان سليمان فياض، برغم هشاشته وعدم قدرته على دفع الأذى عن نفسه، كائناً لا يقهر، وكأنه تجسيد لعجوز هيمنجواي في مواجهة البحر، يمكن تدميره ولكن تستحيل هزيمته. كما يصبح للعنف في عالمه وظيفة جمالية لأن الإنسان يجهز عبره على عزلته، ويكشف عن رجولته وجدارته بمواجهة تحديات الحياة الصعبة والتغلّب على عبثيتها. لكن أهم ما يتميز به عالم فياض السردي هو أنه يطرح مثل تلك الرؤى الفلسفية العميقة بطريقة شعرية وتجسيدية وقد تغلغلت في وعي أبناء القرية المصرية، وتخلّلت ثقافتهم وأغانيهم ومأثوراتهم الشعبية وطقوس حياتهم اليومية. وقد ساعده على تحقيق ذلك لغته السردية التي تتسم بالكثافة وثراء حمولاتها الدلالية. فهذه اللغة هي السر عندي في أنه حينما انتقل إلى كتابة الرواية بعد ممارسة طويلة للقصة القصيرة، جاءت معظم رواياته قصيرة من ناحية، ولكنها شديدة الدرامية من ناحية أخرى. فروايته البديعة «أصوات"تُشكّل نقلة نوعية في تعامل السرد العربي مع الآخر الأوروبي. حيث تتخلّى عن حبكة الطالب الذي ذهب للدراسة في الغرب، أو السائح الذي توجه له زائراً، وتجلب المرأة الغربية إلى قلب القرية المصرية لتكشف لنا عن الوجه المأساوي لحياة القرية وتخلفها من ناحية، وعن حِدّة هذا الصراع الأبدي بين الأنا والآخر، من ناحية أخرى.

محور الكتابات الفكرية والمعجمية
فإذا انتقلنا إلى المحور الثاني: محور الكتابة الفكرية والمعجمية سنجد أنه أنجز في هذا المحور أيضاً مجموعة من الأعمال المعجمية واللغوية اللافتة، ضمت 11 معجماً وكتاباً هي: «الدليل اللغوي العام"1987، و«معجم الأفعال العربية الثلاثية المعاصرة"1988، و«أنظمة تصريف الأفعال العربية الثلاثية"1989، و«الحقول الدلالية الصرفية للأفعال العربية» 1989، و«معجم المأثورات اللغوية والتعابير الأدبية» 1993، و«الأفعال العربية الشاذة»، و«النحو العصري"1996، و«أزمنة الفعل العربي النحوية - 14 زمنا» 1998، و«استخدامات الحروف العربية» 1998، ومعجم «السمع والمسموعات"2003، و«معجم الإبصار والمبصرات"2005؛ وأنه كان يعمل على معجمين آخرين هما «المفصص على المخصص»، و«معجم معاني المصادر والأفعال ومشتقاتها». وقد حظي كتابه «النحو العصري"بشهرة واسعة في مصر خاصة، وأصبح أحد أهم المصادر اللغوية التي يستعين بها الكتّاب والمترجمون لتيسيره النحو وتبسيط تعقيداته، وتسويغه للمستخدم بوضوح وسلاسة.

هذا بالإضافة إلى ثلاثة كتب أخرى يمكن تصنيفها في مجال الأعمال الفكرية هي: «أئمة الإسلام الأربعة» 1996، و«الوجه الآخر للخلافة الإسلامية"1999، و«العلوم التطبيقية وإنجازاتها العلمية في الحضارة الإسلامية"2001. وحتى ندرك أهمية منجزه في هذا المحور، وقد سبق أن طبعت مجلة «الدوحة"كتابه «الأئمة الأربعة» هدية لعددها الثالث، فإنني سأقدّم هنا كتاباً آخر من كتب هذا المحور لأنني أرشح هذا الكتاب لتقريره على طلاب المدارس الثانوية، إذا ما كنا جادين في محاربة الفكر الإرهابي الذي يتذرّع بالدين، وتنوير عقول النشء كيلا يحشوها الإسلامجية المتاجرون به بترهاتهم. هذا الكتاب هو «الوجه الآخر للخلافة الإسلامية"الذي صدر لأول مرة عام 1999 عن دار ميريت، وأُعيدت طباعته بعد ذلك مرات عِدّة.
ويتكوّن الكتاب من مُقدّمة ومدخل وستة فصول وملحق بالغ الأهمية هو رسالة الصحابة لابن المقفع، والتي دفع حياته وبصورة مأساوية ثمناً لكتابتها. وفي مستهل تلك المُقدّمة ينطلق الكاتب من سقوط آخر الخلافات الإسلامية، وهي الخلافة العثمانية في العقد الثالث من القرن العشرين، والتي سقط بسقوطها نظام الدولة الدينية والمدنية معاً، والتي كانت في حقيقتها أبعد ما تكون عن الأمرين الديني والمدني. وكانت هذه الخلافة رابعة الخلافات الإسلامية الكبرى التي عرفها تاريخ المسلمين بعد الخلفاء الراشدين. «وقد سقطت هذه الخلافة مثلما سقطت من قبلها الخلافات الأموية، والعباسية، والفاطمية؛ وكانت كلها خلافات قهر امبراطورية، لأسر ملكية حاكمة، أموية كانت أو هاشمية أو تركية أو عثمانية. خلافات يضع خلفاؤها على وجوههم أقنعة الدين، إذا جاز أن يكون للدين قناع، فقد كانوا في حقيقتهم ملوكاً دنيويين، يستخدمون شعارات الدين لإخضاع البلاد والعباد. ويهدمون في كل يوم مقاصد الدين، ومن هذه المقاصد: العدل وحرية الاعتقاد، والأمن، والتكافل الاجتماعي، والإخاء والمساواة، واستقلال بيت مال المسلمين، عن بيوت أموال الحاكمين».

بهذا الوضوح الصارم من البداية يكشف لنا سليمان فياض حقيقة مفهوم الخلافة الذي بدأت ملامح تزعزعه وتصدّعه بعد خلافة الراشدين، وبدايات «الفتنة الكبرى"التي انفتح بعدها الباب للخلافة الأموية التي يكشف لنا الكتاب عن أنها كرست باسم الخلافة أحد أسواء نظم الحكم وأكثرها رشوة وفساداً. لذلك يستغرب لتباكي فقهاء السلاطين ومدعي الثقافة والمعرفة على ضياع الخلافة، بدلاً من الاحتفاء بالتحرّر من قهرها وقمعها للعامة وتبديدها لأموال بيت المال وفسادها. وينادون بعودتها، لا لأنها ركن من أركان الدين، وهي بالقطع ليست كذلك، فقد اختلف في أمرها الفقهاء على مَرّ العصور، ولكن لأنها تتيح لمثل هؤلاء الفقهاء المتاجرة بالدين وتوظيفه سياسياً، بما يعود عليهم بالمال الحرام. ويكشف لنا الكتاب من البداية الفجوة الواسعة بين آراء المطالبين بعودة الخلافة، وآراء الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل، لأنهم جميعاً يسقطون الخلافة النبوية، أي خلافة الدين والدنيا التي تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية عن خلفاء القهر، والحاكمين غير الخلفاء، فملكهم ملك دنيوي عضوض فحسب، وإن ارتدوا عباءات الخلافة الدينية ومسوحها، فهم مستخلفون في الأرض بمعنى أنهم يخلفون حكاماً سابقين عليهم، وليسوا خلفاء نبوة.

سِير العلماء العرب والمسلمين
أما المحور الثالث الذي اهتم فيه بكتابة سير قصصية تاريخية علمية للناشئين عن حياة العلماء العرب والمسلمين في العلوم التطبيقية وإنجازاتهم العلمية في الحضارة الإسلامية، فقد استمر عمله به عبر خمسة عشر عاماً، ونشر فيه أكثر من أربعين كتاباً صدرت معظمها عن مركز «الأهرام"للترجمة والنشر. وتطول قائمة العلماء التي قدّمت هذه السلسلة سيرهم وعرّفت القرّاء بإنجازاتهم في محاولة منه لجعلهم نماذج مألوفة يحتذيها النشء: من ابن النفيس، وابن الهيثم، والبيروني، وجابر بن حيان، وابن البيطار، وابن بطوطة، إلى ابن سينا، والفارابي، والخوارزمي، والإدريسي، والدميري، وابن رشد، وابن ماجد، والقزويني، وابن يونس، والخازن، والجاحظ، وابن خلدون، والزهراوي، والأنطاكي، وحتى ابن العوام، والطوسي، والكاشي، والوزان، وابن الرزاز، وتقي الدين، والرازي، والكندي، والخليل، وابن حمزة، والزرنوجي، وابن ماسويه، وياقوت الحموي، وثابت بن قرة، وابن ملكا، وابن الشاطر، والصوفي، والكرخي، وابن خاتمة، وابن سيده. وهي قائمة تكشف عن مدى تنوّع المجالات المعرفية والعلمية والفكرية التي نبغ فيها هؤلاء العلماء، فيشعر معها النشء بالثقة في ثقافتهم، والاعتزاز بإنجازاتها، مما يُرسّخ وعيهم بهويتهم وفخرهم بتواريخها ورجالاتها.
والواقع أن لسليمان فياض سلسلة أخرى في هذا المحور هي سلسلة أبطال العرب، التي صدرت هي الأخرى عن مركز الترجمة والنشر بالأهرام، وتضم خمسة كتب هي: سعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وعقبة بن نافع. وهي السلسلة التي لم يُقدّم فيها سوى خمسة كتب، بينما قَدّمَ أكثر من أربعين كتاباً في سلسلة العلماء والمفكرين. مما يشير إلى اهتمام سليمان فياض بأن يُقدّم للنشء نماذج تُحتذى في العلم والفكر أكثر من الحرب والسياسة. وكأنه كان يقول لهم إن سبيل النهضة العربية، واستعادة أمجاد الأمة الإسلامية يكونان باحتذاء طريق هؤلاء العلماء والمفكرين قبل أي شيء آخر.
النشاط الثقافي العام
أما إذا انتقلنا إلى المحور الرابع وبدأنا بالتعرف على مختلف الأدوار التي نهض بها في الحياة الثقافية فسنجد أنه كمعظم الكتّاب المصريين في جيله، وفي الأجيال السابقة عليه، كان عليه أن يعمل عملاً يُدِرّ عليه دخلاً مضموناً يعول به أسرته، تماماً كما فعل نجيب محفوظ طوال حياته، وأن يُكرّس بقية جهده بعده للعمل الأدبي والثقافي. وقد عمل سليمان فياض أغلب سنوات عمره مدرساً للغة العربية. بدأ أولاً في المملكة الأردنية عام 1957 والمملكة العربية السعودية 1961-1962. ثم التحق بمدارس مصر عام 1963 في البداري بمحافظة أسيوط ثم الإسكندرية التي انتقل منها عام 1966 إلى إحدى مدارس إمبابة بمحافظة الجيزة وظلّ يعمل بها إلى أن طلب إحالته للمعاش التيسيري عام 1984. ولكنه وقبل انتهاء دراسته الجامعية في الأزهر عمل كاتباً صحافيّاً في مجلة الإذاعة والتليفزيون (1954 - 1955). ومجلة البوليس (1955 - 1960). ومجلة الشهر(1960)، وصحيفة الجمهورية (1960). وما أن ترك القاهرة للعمل في السعودية حتى انتهى عهده بالعمل الصحافي الذي استفاد منه كثيراً، بالضبط كما استفاد هيمنجواي منه في تكثيف لغته وتعميق شعريتها، وتخليصها من أي ترهل أو إطناب.
لكن عودته للعمل بالقاهرة عام 1966 عادت به هذه المرة للعمل الثقافي الموازي في الإذاعة والتليفزيون، وكان قد مارس الكتابة للإذاعة والتليفزيون في مصر والبلاد العربية منذ عام 1955. فله برنامج يومي بعنوان: «قاموس المعرفة» بالبرنامج العام بإذاعة القاهرة استمرّ لأكثر من عشرين عاماً. وأثناء هذا العمل أشرف على إصدار عددين خاصين بالقصة القصيرة بمجلة «الهلال"في عامي 1968 و1969. ثم عمل مراسلاً لمجلة «الآداب"البيروتية بالقاهرة طوال عامي 1972 و1973. وفي ثمانينيات القرن الماضي أشرف على إصدار سلسلة قصصية مهمة هي «مختارات فصول» التي نشر بها بعض أهم المجموعات القصصية المصرية والعربية، فقد أصدر منها 25 عدداً في عامي 1984 و1985. وفي تلك الفترة أيـضاً عمل نائباً لرئيس تحـــرير مجـلة «إبداع"بالقاهرة (1983 - 1994).
وإلى جانب كل هذه الأنشطة الثقافية المهمة كان سليمان فياض يمارس بشكل مُنتظم لأكثر من عقدين من الزمان الكتابة الإذاعية والتليفزيونية وإعداد الأعمال الأدبية لهما، والتي تتلمذ فيها على يديه أسامة أنور عكاشة. فهو لمن لا يعرفون عضو بنقابة المهن السينمائية فرع السيناريو. وكان له الفضل في توجيه أسامة أنور عكاشة، في بواكير حياته الأدبية، حيث بدأ عكاشة حياته كاتباً للقصة القصيرة، إلى كتابة المسلسلات الإذاعية، ثم التليفزيونية التي برع فيها عكاشة وسجّل عبرها بصمته المميزة في هذا المجال. وهو الأمر الذي اعترف به عكاشة في أكثر من مناسبة. فقد كان لسليمان فياض القدرة على دفع الكثيرين للمغامرة، أو مواصلة الإنتاج في أكثر من مجال، وخاصة لعدد من أبرز كتّاب جيله، وجيل الستينيات من بعده.


مجلة الكلمة الالكترونية