الوجه الآخر لسليمان فياض

الوجه الآخر لسليمان فياض

طلعت رضوان
كاتب مصري
طغتْ شهرة الإبداع الروائي والقصصي على جانب آخرمن إبداع سليمان فياض، أي دراساته حول التاريخ العربي والإسلامي، ومن بين هذه الدراسات كتابه (الوجه الآخرللخلافة الإسلامية) الصادرعن دار ميرت للنشرعام 99.


في المدخل رصد ظاهرة الخلافات التي ظهرت عقب وفاة الرسول، حول من يكون الخليفة؟ واستشهد بما كتبه الشيخ الجليل محمد أبوزهرة إلى أنّ السبب يرجع إلى ((العصبية العربية)) وانتهتْ الأزمة بوقوف عمربن الخطاب بجانب أبى بكرالذى اختارعمرليكون خليفته. أما عمرفقد رشح- عقب اغتياله- ستة ليكون الخليفة من بينهم: وسئل عمر: ماذا لوشقّ أحد الستة عصا الطاعة في مبايعة الخليفة المختار؟ فقال: أقتلوه. أما أسباب الثورة ضد عثمان فكثيرة، منها محاباته لعبدالله بن سعد بن أبى سرح حين ولاّه ولاية مصر، رغم أنّ الرسول الكريم أباح دمه لارتداده. ومنح عثمان إقطاعيات كاملة لبعض بطانته. وعندما أعاد الإمام علي تلك العطاءات إلى بيت المال، ثارالولاة وعلى رأسهم معاوية بن أبى سفيان، فنشبتْ الحرب بين القبائل العربية المسلمة: الهاشميون وأنصارهم من جهة، والأمويون وأنصارهم من جهة، حرب بين خليفة تمتْ له البيعة (الإمام علي) ووال متمرد ومعزول (معاوية) فكانت موقعة الجمل ثم موقعة صفين التي جرى فيها التحكيم، وخدع فيها عمروبن العاص (ممثل معاوية في هذا التحكيم) أبا موسى الأشعري (ممثل علي) وترتب على هذا التحكيم أنْ انصرف بعض أنصارعلى ولجأوا إلى معسكرمعاوية. وثارالبعض من الخوارج ضد على واتهموه في دينه. وعندما أرسل الإمام على محمد بن أبى بكرواليًا على مصرأساء إلى الأمويين، فهدم دورهم ونهب أموالهم وآذى أولادهم، فدارقتال بين محمد بن أبى بكرومعاوية بن حديج الذى أسرمحمد بن أبى بكروقتله ووضع جثمانه في جيفة حماروأحرقها بالنار.
شهدت دولة بنى أمية صراعًا عنيفًا بين العلويين، الذين قتل بنوأمية منهم المئات ومن أتباعهم الشيعة عشرات الألوف. وفي الدولة العباسية أحضروا لأبى العباس السفاح رأس مروان بن محمد، فسجد السفاح وأطال سجوده ثم قال ((الحمد لله الذى أظفرنى بك وأظهرنى عليك)) أما الصورة الأبشع حين كان العباس جالسًا يأكل أمام سبعين أسيرًا أمويًا، فأمربضربهم بالسياط قبل قطع رقابهم ثم أمربفرش السجاجيد فوق القتلى الذين يحتضرون وفوقها موائد الطعام، فجلس السفاح ومن معه من بنى العباس يأكلون ((وموسيقاهم أنين المحتضرين)) وامتد الانتقام ضد الأمويين طوال مائة عام ((فالعداء كان شديدًا ودفينًا بين بنى أمية وبنى هاشم جاهلية وإسلامًا.. ومثلما كان خلفاء بنى أمية يلعنون عليًا والعلويين من فوق المنابر، راح العباسيون يلعنون معاوية والأمويين على المنابرعملا بالسنة العربية المتبعة عبرالتاريخ)).
واذا كان معاوية بن أبى سفيان أخذ البيعة لابنه يزيد بالسيف وجعل الخلافة ملكًا وراثيًا، وقال ((أنا أول الملوك)) فإنّ الخليفة أبى جعفرالمنصورقال ((أنا سلطان الله في أرضه)) وكانت الكارثة عندما صارالناس يعتقدون ((أنّ الخليفة العباسى هو حقًا ظل الله على الأرض)) ولم يكن حظ الشعوب البائس في الخليفة الطاغية فقط، وإنما- أيضًا- في الفرق الإسلامية المتعددة، ما بين سنية وشيعية. وعن الأخيرة كتب المؤلف أنّ عددها وصل إلى أكثرمن 72 فرقة يُكفربعضها بعضًا. وأنّ الفرقة الوحيدة المعتدلة هي الزيدية. أما الخوارج الذين قاتلوا عليًا، فقد امتد صراعهم ضد مخالفيهم حوالى 300 سنة وكان صراعًا داميًا سيق فيه للذبح فقراء، متعصبين أوغير متعصبين. ولأنّ أ. سليمان فياض كان يكتب بعين الحاضر، لذا أضاف أنّ شعارهم ((لاحكم إلاّ لله)) وهوالشعار((الذى تردده الجماعات الإسلامية في زماننا. كما أنّ الماوردى تجاهل تاريخ القهرللخلافة الإسلامية وأكد أنّ مركزالخليفة مركزانتخابى)) وفي فصل ممتع بعنوان (مصارع خلفاء القهرووزرائهم) نقل المؤلف عن المؤرخين العرب حالات الاغتيالات المتكررة والبشعة، مثل مقتل مروان بن الحكم على يد زوجته من بين 4 من خلفاء بنى أمية، 14 من العباسيين من بينهم الخليفة الهادى الذى قتلته أمه بالسم. وفي هذا الفصل الشيق بيان بأسماء الخلفاء الذين تُذيل أسماؤهم بلفظ ((الله)) مثل المتوكل والمنتصرإلخ. وفي الفصل المعنون (الحالة الاقتصادية والاجتماعية في خلافات القهر) بيان بحجم الأموال المنهوبة من الشعوب المغزوة. فالزبيربن العوام كانت له قصوربالبصرة والكوفة والفسطاط والاسكندرية وبلغتْ أمواله حين وفاته 50 ألف دينارذهبى وألف فرس وألف عبد وألف عبدة وله مزارع في العراق ومصروالحجاز. وطلحة بن عبدالله- أحد العشرة المبشرين بالجنة- كانت له قصوربالكوفة والمدينة وعلى قمم جبل بمدينة الطائف ومزارع من الكروم الطائفي ومزارع بالعراق تدرعليه في كل يوم ألف دينارذهبي. وبلغتْ تركة معاوية بن أبى سفيان عند وفاته رقمًا مذهلا هو رقم بيت المال، فلم يكن ثمة فرق بين بيت المال العام ومال الخليفة الخاص. أما عمروبن العاص فإنّ معاوية ترك له أرض مصر (لقمة خاصة) لمدة خمس سنوات مكافأة له لاسترداده مصرمن التبعية لعلى، فأخذ عمرو خراجها وجزيتها وعشورها لنفسه ولايعطى لبيت المال في دمشق من هذا العائد (النهب) أي شىء. كذلك ضاعف معاوية الجزية على المصريين بحجة أنّ فتحها (= غزوها) كان عنوة لاصلحًا ولم يكتف بذلك وإنما فرض الجزية على من أسلم، أي أنّ دخول المصريين في الإسلام لم يعفهم من أداء الجزية. وبالتالى ((كان هناك مسلمون عرب لايدفعون جزية. ومسلمون غيرعرب (من الدرجة الثانية في المواطنة) يدفعون جزية. ورصد أ. سليمان ظاهرة تتجاهلها الثقافة السائدة، وهي أنه إذا كان القرآن نصّ على الجزية، إلاّ أنّ مقدارها كان متروكًا للخلفاء، فبعد أنْ كانت دينارًا في عهد عمرأصبحت ديناريْن في عهد عثمان وثلاثة دنانيرفي عهد معاوية وصارت أربعة دنانيرفي عهد عبدالملك ((هي كل ما كان يمكن للفقيرأنْ يدخره في عام)) كما أنّ نظام الجزية على رؤوس البشرلم يفرق بين الفقراء والأغنياء. ونتيجة هذا النهب من عرق الفلاحين أقام الخليفة المهدى عند زواج ابنه هارون وليمة لم يسبقه إليها أحد. وزُيّنت العروس بكثيرمن الحلى حتى أنها لم تقدرعلى المشى من كثرة الجواهر. وأمهرالمأمون(بوران) يوم زواجها مائة ألف دينارذهبى و50 مليون درهم فضى. وأمرالمأمون لوالد بوران بعشرة ملايين درهم ومنحه خراج إقليم (قم) وإقليم فارس والأهوارلمدة سنة كأن هذه الأقاليم (عزب خاصة) مملوكة للخليفة المأمون وليست ملكًا لشعب تعرض للغزو. ولأنّ أ. سليمان يتميزبالدقة فإنه اعتمد في رصده لثروات الخلفاء على أربعة مصادرأصلية هي قوائم الجهشيارى وابن خلدون وقدامة بن جعفر وابن خرداذبة. وبلغت الاستهانة بالشعوب ونهب أموالها لدرجة أنّ هارون الرشيد قال يخاطب السحابة ((أمطرى حيث شيءت فسوف يأتينى خراجك)).
وخصص فصلا عن الثورات الشعبية ضد الحكام العرب، وأشهرها ثورة البشموريين التي قام بها الفلاحون المصريون واستمرت عدة سنوات، وفشل قائد جيش المأمون في قمعها، فحضرالمأمون بنفسه ومعه عدة آلاف من الجنود فقتل كل الثواروالمحاربين ومن بقى على قيد الحياة من النساء والأطفال والشيوخ أخذهم إلى بغداد سيرًا على الأقدام كأسرى حرب. كما أظهرالمؤلف مأساة الذين تعرّضوا للجلد والتعذيب والسجن أمثال الأئمة أبى حنيفة ومالكًا وابن حنبل. وفي الملحق النص الكامل لرسالة الصحابة لابن المقفع، الذى لقى حتفه بسببها. ووصلت بشاعة اغتياله لدرجة تقطيع أعضاء جسده وهوحى ينظرإليها ثم إلقائها أمام عينيه في النار. هذا هوالوجه الآخرللخلافة الإسلامية التي أكد أ. سليمان فياض من خلال المصادرالأصلية التي اعتمد عليها أنها ((خلافة قهرقرشية.. وأنّ الخلافة العربية في جوهرها خلافة واحدة. أموية كانت أوعباسية، خلافة قهر واستبداد ووراثة وتملك)) واذا كانت الخلافة الإسلامية تسبّبتْ في قتل آلاف الأبرياء ونهب أموال الشعوب، فإنّ العرب أنفسهم ذاقوا ويلات هذا النظام المستبد، والسبب (العصبية العربية) التي تسبّبتْ في أنْ يقتل المسلمون العرب مسلمين عربًا مثلهم بل ويتم تدميرالحرميْن المدنى والمكى بالأحجار والنيران وكرات النفط الملتهبة تقذفها بالمجانيق وإباحة مكة والمدينة للجنود الشاميين. وفي المقدمة كتب أ. سليمان أنّ الفقهاء الذين تباكوا على ضياع الخلافة العثمانية تجاهلوا كل تاريخ خلافات القهرالتي قمعت بالغزو كل الشعوب باسم الدين وفرضت الجزية حتى على من أسلم في بعض فترات تاريخ الخلافة الإسلامية.

جريدة الاهرام