كتاب-باب النور.. ملاذ لفتيات مسيحيات يجيرهن من واقع مظلم في المنطقة

كتاب-باب النور.. ملاذ لفتيات مسيحيات يجيرهن من واقع مظلم في المنطقة

تونس (رويترز) -
في رواية (باب النور) يدخل الكاتب التونسي محمود طرشونة مناطق معتمة ليلقي الضوء على واقع قاس كله مآس.. شتت الإنسان ودفعه للهروب بحثا عن الخلاص وتشبثا بحبل النجاة لأن "الحياة حق. والمتعة حق. والجسد حق".


رواية (باب النور) للتونسي محمود طرشونة هي قصة ثماني فتيات مسيحيات من مصر والسودان والأردن وفلسطين ولبنان وفرنسا والبوسنة ورومانيا هربن إلى دير (دار الرجاء) في وسط مدينة تونس العتيقة بحثا عن ملاذ آمن هربا من هول ما عانين من مآس وتجارب مريرة.
وتدخل كل فتاة من أحد ابواب مدينة تونس العتيقة. جاءت الأولى تجر قصتها والثانية تجر قدميها والثالثة حكايتها والرابعة خيبتها والخامسة شهادتها والسادسة قضيتها والسابعة احباطها والثامنة رعبها.
وصدرت (باب النور) قبل شهور قليلة ضمن سلسلة عيون المعاصرة عن دار الجنوب للنشر في 199 صفحة.
ويخترق طرشونة في روايته عالم المسيحية الذي لم يتطرق إليه إلا القليل من الكتاب العرب المسلمين ويحاول الكشف عن الاسباب التي تدفع فتيات للزهد في زينة الحياة واختيار الترهب ليكشف مآسي اجتماعية ومعاناة إنسانية بدت مألوفة لحضورها القوي في حاضرنا.
وفي قسم (كتاب البصائر) تسرد الرواية قصص الفتيات اللاتي التجأن إلى الدير فهذه أردنية من أب مسلم وأم مسيحية هربت من عقاب عشيرة والدها بالرجم حتى الموت بعد زلة مع أحد ابناء اخوالها النصارى بينما جاءت اللبنانية إلى الدير هربا من اقتتال الطوائف في بلدها.
أما الفلسطينية فهي مناضلة عانت ويلات الاعتقال في سجون الاحتلال وكانت السودانية ضحية انفصال الشمال عن الجنوب في حين لجأت الفتاة المصرية إلى الدير بعد فتنة اندلعت بين أقباط ومسلمين وادت إلى اصابتها بتشوهات جسدية واثرت على مداركها العقلية.
وتعرضت الكرواتية للاغتصاب وهي تقوم بعمل إنساني ضمن فريق الصليب الأحمر في الحرب التي دارت بين القوميات التي كانت تتعايش سلميا في يوغسلافيا.
وفي القسم الثاني من الرواية أو (كتاب المصائر) يدخل الكاتب عالم الدير وينقل حياة الفتيات المترهبات ويخترق عالمهن النفسي والروحي.
ووقعت أحداث أدت إلى احتراق الدير وغلقه لينطلق تحقيق بوليسي يكشف فيه اسرارا عديدة كانت تحف بحياة الراهبات الماضية في أسلوب مثير ومشوق يشد القارئ.
وفي القسم الثالث (كتاب البشائر) تروي كل فتاة في رسائل بعثنها إلى رئيسة الدير تجربتها ومصيرها بعد فاجعة الحريق وغلق الدير واستئناف حياتها العادية بعد طرح رداء الرهبنة.
ويلج محمود طرشونة في روايته عالم العقيدة المسيحية ويعري الصراع بين الأديان الذي ادى لسفك الدماء وتشتيت ابناء الوطن الواحد وتدمير البلدان لكن الكاتب المختص في الأدب المقارن والمتمرس في فن الرواية ابتعد عن أسلوب الوعظ الفج والخطاب المباشر واعتمد اسلوبا ممتعا فنيا أحاط بكل الاجناس الأدبية من سرد وحوار مسرحي ومقال صحفي وفن الترسل.
ويقول طرشونة في مقابلة مع رويترز إن روايته "دعوة للتأمل في العقيدة وتجنب كل أشكال التطرف الديني أو السياسي والوقوف عند حد الاعتدال .. تدور الأحداث حول شخصيات حائرة تطرح سؤال الأديان".
لكن الروائي التونسي العارف بخطورة الخطاب التوعوي المباشر على الإبداع يقول "الخطاب المباشر يقتل الفن ويقضي على الإبداع .. يجب التمييز بين المفكر والمبدع .. يخشى على الابداع ان يقتل اذا تم تضمينه رسالة مباشرة (مرتبطة) باجندة".
واعتبر طرشونة أن رواية (باب النور) مختلفة عن أعماله السابقة قائلا "موضوع الرواية مبتكر وطريف تطلب جهدا ووقتا واشتغالا كبيرا على الشكل والمبنى واللغة".
تقول احد بطلات الرواية "الحياة حق. والمتعة حق. والجسد حق".
ومحمود طرشونة كاتب وناقد وروائي نشر أكثر من عشرين كتابا في النقد والدراسات والترجمة والابداع من أهمها أطروحة دكتوراه دولة في الأدب المقارن ناقشها في السوربون عام 1980 .
ونشر طرشونة كتابين عن ادب التونسي محمود المسعدي وحقق أعماله الكاملة ودراسات نقدية وبحوث أخرى عن الرؤية النسائية التونسية والسرديات العربية.
ومن أعماله الإبداعية مجموعة قصصة بعنوان (نوافذ) وروايات (دنيا) عام 1993 و(المعجزة) عام 1996 و(التمثال) عام 1999.