تجديد منزل داروين يعطي فكرة عن نمط حياته

تجديد منزل داروين يعطي فكرة عن نمط حياته

لندن/ افي
يقع منزل داروين ذا الطراز الكلاسيكي على الطراز الفكتوري في الريف الإنكليزي. وبالرغم من أنه يبدو كغيره من منازل العائلات الثرية في القرن التاسع عشر، إلا أنه يتمتع بميزة لا يتمتع بها سواه، فبين جدرانه وضع داروين نظرية التطور، وألف كتابه الشهير حول"أصل الأنواع”.ويذكر بأن مؤسسة"التراث الانكليزي"، وهي المؤسسة البريطانية المعنية بشؤون التراث في المملكة المتحدة،

قامت بترميم المنزل مؤخرا بتكلفة بلغت مليون جنيه استرليني، أي نحو مليون و45 ألف دولار، وذلك بهدف تجميل البيت الذي قضى فيه داروين حياته الى أن توفي في نيسان عام 1882.
وكانت الحكومة البريطانية تقدمت مؤخرا بطلب رسمي لإدراج المنزل ضمن قائمة اليونسكو كميراث للإنسانية.
ويرى أقارب داروين الذين ما يزالون على قيد الحياة أن ترميم المنزل تم على أكمل وجه، محافظا على طرازه الفني وخصوصية معماره.
و تشير سارة داروين، وهي احدى بنات احفاده وتعمل باحثة بايولوجية بمتحف الطبيعة، انها شعرت بانبهار شديد حين رأت المنزل لأول مرة بعد ترميمه، وتؤكد"أعتقد أن البيت يعكس بعمق الحياة التي وجدت بين جنباته والعلاقات التي ربطت بين أفراده، لقد اعتاد جدنا الأول أن يعمل في أبحاثه هنا في المنزل، وأنا أتخيل الصخب، والضوضاء التي كان يسببها أبناؤه”.
وينحدر داروين من اسرة ثرية، وقام بشراء المنزل عام 1842 برفقة زوجته"إيما”، وهي ايضا ابنة عمته، التي رُزق منها بـ 11 طفلا، وعاش معها أربعين عاما يتناوب دور الزوج والأب والعالم الذي كرس جل جهوده لدراسة أصل الأنواع.
ومن بين الكتابات الكثيرة التي تركها العالم، خطاب كتب فيه بخط يده بعد أن انتقل بأسرته الى هذا المنزل الذي أطلق عليه"داون هاوس”، كتب يقول"تسير حياتي مثل الساعة في دقاتها وانتظامها، وأشعر أنني مرتبط بالمكان الى الأبد”.
وكان قد انتقل الى هذا المنزل بعد الرحلة الطويلة التي قام بها على مدار خمسة أعوام عبر العالم على ظهر السفينة"بيجل"لدراسة أصل الأنواع والتعرف عليها.
وفي الطابق السفلي للمنزل، اعتاد داروين أن يعكف على اجراء أبحاثه وتدوين ملاحظاته، وما يزال بالامكان رؤية الطاولة التي اعتاد الجلوس إليها، والكرسي الذي كان يستخدمه، وقد استند بقدميه على وسادة، ما تزال موجودة حتى الآن، وبالمثل توجد كتب علمية وروايات أدبية كان داروين مولعا بقراءتها.
واعتاد العالم الشهير أن يقضي في هذا المكان 12 ساعة يوميا لمتابعة قراءاته وأبحاثه، بينما كان يفد إليه أطفاله، فيستقبلهم بحب ويشجعهم على مشاركته في تأملاته.
وفيما يتعلق بداروين الأب، يشير ستيف بريندل خبير التراث البريطاني"لا شك في أن داروين الأب قدم صورة مغايرة لصورة الأب المعروفة في العصر الفيكتوري، الذي كان يتسم بالجدية والابتعاد عن أبنائه، لقد كان يستمتع باللعب معهم، وكتب أنه تعلم أشياء عديدة من خلال أبنائه”.
وكان معروفا عنه حبه للعب البلياردو مع أبنائه وبخاصة وليام وجورج، ومع رئيس الخدم بارسلو، وساعدته هذه الهواية على تخطي الجدل المحتدم الذي أثاره نشر كتابه الشهير"أصل الأنواع”. واعتادت الأسرة أن تجتمع في قاعة أخرى، كان يطلق عليها قاعة الرسم، ويرى هناك البيانو الأصلي الذي كانت تستخدمه العائلة، وتحديدا الزوجة"إيما”، التي تلقت بعض دروس البيانو على يد الموسيقار الفذ شوبان، قبل ان تتزوج من داروين.
وكانت الأسرة تجتمع بعد التاسعة حين يفرغ داروين من أعماله، فيجلسون معا، وتبدأ الزوجة في قراءة الروايات بصوت مرتفع، وهناك بعض المسودات التي ترجع لكتابه أصل الأنواع، إضافة الى بعض الرسومات التي رسمها الأبناء.
وبزيادة عدد أفراد العائلة، اضطرت الاسرة الى توسيع قاعة الطعام، وكان جميع أفراد العائلة يجتمعون الى المائدة في الواحدة ظهرا لتناول طعام الغداء، ويستلقي داروين بعدها لينام القيلولة على أحد الأرائك بالحجرة، أو في حجرة الرسم.
ولا شك في أن أسرة داروين كان لديها عدد كبير من الخدم، وكانوا يقيمون في الدور العلوي، الذي ما يزال محتفظا بهيئته حتى الوقت الحالي، ويعتبر بارسلو مدير الخدم فردا من أفراد الأسرة، إذ لم يترك العائلة منذ زواج داروين و”إيما"العام 1875.
لم يكن داروين عالما ترك نظريات ودراسات مهمة فحسب، بل كان نموذجا فريدا للأب ورب الأسرة، اختلف تماما عن صورة الأب الصارم في العصر الفكتوري، فقد كان حريصا على اللعب مع أبنائه والاستماع إليهم، بالاضافة إلى حرصه على القراءة والاطلاع ونشر نظرياته ولا يوجد أفضل من منزله الكبير ليعطي انطباعا عن داروين العالم وداروين الإنسان.